هل هناك تحول في ‘ثقافة الفكر الاستراتيحي الروسي’ بعد ربع قرن من انهيار الاتحاد السوفياتي؟؟

nouha-khalaf-new

د.نهى خلف

رغم مرور ربع قرن على انهيار الاتحاد السوفياتي، يشير عدد من المحللين الاستراتيجيين إن هناك عدة  تطورات توضح  وجود إستمرارية في ‘ثقافة الفكر الاستراتيجي الروسي’،  منذ مرحلة الحكم  السوفياتي حتى الآن، و ذلك لأن هذه الثقافة ترتكز على بعض المبادىء  الثابتة المتعلقة بالوضع  ‘الجيوستراتيجي الفريد’ لروسيا، و هذا بغض النظر عن التحولات الطارئة على النظام السياسي  و  خاصة  عملية التحول من نظام اشتراكي الى نظام يتسم بليبرالية اقتصادية.

ان غياب  التحول في الفكر الاستراتيجي الروسي بنفس القدر الذي تم فيه التحول الاقتصادي هو ما اربك القيادات الغربية التي ظنت ان الفكر الروسي اصبح متناسقا مع الفكر الغربي،

مما أدى ببعض المفكرين في مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي  مثل فوكوياما الى التنظير حول نهاية التاريخ معتبرين ان تعميم الليبرالية السياسية و الاقتصادية ستنهي التناقض بين الانظمة. و ما لم يكن يتوقعه الغرب و الولايات المتحدة بشكل خاص هو ان تستعيد رو سيا دورها الاستراتيجي في العالم عبر رفضها الخضوع أمام هيمنة الولايات المتحدة التي عملت على بناء قوة احادية  الجانب على أساس  إيمانها بتفوقها العسكري و الفكري و الاقتصادي.

 و قدأشارت بعض الدراسات الاستراتيجية الغربية الحديثة  ان ‘ثقافة الفكر الاستراتيجي   الروسي’ تلعب دورا هاما اليوم  في عملية  خوض الحرب ، كما أن كثير من العسكريين الروس يعتبرون ان الغرب لا يفهم ثقافة الفكر الاستراتيجي الروسي حيث يتساءل الكثير منهم  :‘ هل يمكن أن يستوعب الناس في الغرب ان لروسيا وضعية جيوستراتيجية مختلفة عن باقي دول العالم ؟ و هل يمكنهم  التصور بأن الطريقة التي يدافع باقي العالم عن نفسه و كيفية تطويره لعقائده العسكرية و الاستراتيجية، لا يمكن تطبيقها في روسيا؟؟’.

كما تشيرهذه الدراسات ان ‘ثقافة الفكر الاستراتيجي الروسي’ كانت قد لعبت دورا أساسيا خلال فترة الحرب الباردة  في تشكيل القوات المسلحة السوفياتية وفي طبيعة العمليات الاستراتيجية التي يجب خوضها في الحرب وفي طبيعة  النظام العسكري الملائم للبيئة الاستراتيجية  الروسية الفريدة من نوعها، مع الالتزام بأهداف القيادة السوفياتية السياسية فيما يخص السلام و الحرب. ولكن قد  تبين انه بعد سنوات من التهميش،  عادت الثقافة الاستراتيجية العسكرية الروسية لتحتل مكانة مؤثرة في إطار النظام السياسي الروسي الحالي، و بشكل خاص خلال السنوات الاربعة الأخيرة، حيث اصبحت   تلعب دورا مهيمنا في تحضيرات روسيا  الحربية  و في تحديد أولوياتها الاقتصادية  و في تهيئة  اطارا استراتيجيا  للرئيس الروسي يؤهله بالقيام بأدق الحسابات الامنية و الدفاعية فيما يخص السلام و  الحرب،  كما تشير ان عودة الثقافة الاستراتيجية الروسية الى المشهد الأمامي في اتخاذ القرارات الأمنية تأتي في فترة حساسة من  دخول روسيا في مرحلة   ما بعد الحرب الباردة.

و تقوم القيادة العسكرية الروسية  و اركان الحرب و الاكاديميات العسكرية الروسية بمأسسة هذه الثقافة الاستراتيجية  و ادخالها في وعي الضباط  و  تطويرها في كل مجالات التعليم و التخطيط و صنع الٌقرار، بعد أن كانت قد همشت خلال سنوات حكم يلتسين  حيث اهملت من قبل القيادة السياسية،   مما ادى الى الغاء قدرتها على التأثير.

و يؤكد المحللون  انه لا توجد أية استراتيجية غربية شبيهة بالثقافة الاستراتيجية الروسية و إنه من شبه المستحيل تطوير  نظام موحد للاستراتيجية  على شكل الاستراتيجية الروسية  لان النظام السياسي السلطوي التقليدي الروسي المتمثل  اليوم في نظام بوتين يسمح بتطوير نظام  استراتيجي موحد مهيمن على الفكر، مما ليس في قدرة القيادات العسكرية الغربية لأن الغرب الليبرالى يشهد نوع من اللامركزية في السلطة السياسية تحول دون نشوء ثقافة استراتيجية موحدة  و مهيمنة على كل أجهزة الدولة  و قادرة على مركزة صنع القرارلأن كل مؤسسة و جهاز لديه ثقافة خاصة به.

و على هذا الاساس يفسر القادة العسكريين الروس الحرب على انها ‘صدام بين انظمة عسكرية مختلفة’ و ليس مجرد منافسة بين  امكانيات و قدرات كمية  و نوعية مختلفة من التسلح. فتعريف  النظام العسكري  في الفكر الروسي  مبنيا على كيفية تنظيم شؤون الدولة للحرب في مواجهة أنظمة عسكرية أخرى، و بالتالي يصبح النصر حليف النظام العسكري الأكثر تفوقا. و يشمل النظام العسكري في الفكر الاستراتيجي الروسي كل الاهداف السياسية والعسكرية  و الاستراتيجية و الفن العمولياتي في خوض الحرب و في  ادارة شؤون ما قبل الحرب، و يعمل  هذا النظام على تعزيز نقاط القوى و التخفيف من نقاط الضعف و ادماج كل العوامل الضرورية للزيادة من القدرة القتالية حيث تصبح الثقافة الاستراتيجية موحدة لكل هذه العناصر. و تشير الأبحاث الاستراتيجية ان الثقافة الاستراتيجية الروسية تستند على اربعة ركائز و مفاهيم اساسية:الأول مفهوم ‘التفرد الاستراتيجيي’ الروسي و الذي يتطلب مقاربات عسكرية  فريدة  من نوعها للزيادة من الفرص و انتهازها ، و الثاني  مفهوم‘الهشاشة الاستراتيجية’المحتملة  المبني على مقولة  ‘عدم القدرة عن الدفاع  عن روسيا’ والذي  يتطلب إجراءات هجومية مضادة  للقضاء على هذه الهشاشة ، و الثالث المبني على  المبدأ القائل أن  شن أية ‘حرب ضد روسيا هي حرب ضد  روسيا  كلها’ ،  أما المفهوم  الرابع  فهو مبني على أساس  أن ‘الحسم’ في الحرب يجب ان يأتي في المرحلة الاولى  من الحرب، كما تدعم  كل واحدة  من هذه الركائز الأخرى،  بناء على الفكر الاستراتيجي التقليدي الروسي،  أكان ذلك في أوقات السلم أو الحرب لأن الاستراتيجية الروسية  ليست من أجل البهورة و الخداع و من أجل التاثير في المجال السياسي  ولكنها تتماشى مع التقديرات العسكرية للبيئة الاستراتيجية  التابعة لمرحلة ‘ما بعد  النظام السوفياتي’.

وعلى هذا الأساس فان الوضع الاستراتيجي الروسي ‘غير  متناسق’ مع الوضع الاستراتيجي الغربي  مم يقلق الغرب لأنه غير قابل للضبط  و للإخضاع من قبلهم.

       ومن المعروف ان الولايات المتحدة  و خاصة  في مرحلة ‘الإنفراج’ كانت قد عملت    على إضعاف القوة العسكرية السوفياتية من خلال  المساهمة في تحديث اقتصادها ، آملة   ان تحويل التكنولوجيا الغربية الى الاتحاد السوفياتي سيؤدي  الى تحويل بعض الصناعات العسكرية  المستخدمة في المركب العسكري الصناعي السوفياتي إلي صناعات سلمية، مما سيخفف من العداء بين النظامين،  و مما سيغير من فكرهم الاستراتيجي و يؤدي بالتالي إلى تخلى السوفيات عن سياساتهم ” التوسعية ” حيث كانت إحدى المعتقدات الأساسية في منطق دعاة الإنفراج  أن الإتحاد السوفياتي أصبح  ذات مصالح مشتركة مع القوة العظمى الأخرى.

و كانت ما سميت بنظرية ‘الالتقاء’ بين النظامين، تسير الدراسات الغربية والتي بدت انعكاسا لأمنيات و أوهام دعاة الإنفراج، الذين اعتبروا أن الإتحاد السوفياتي هو  العامل المتغير والذي يتحرك بإتجاه الإلتقاء مع الولايات المتحدة، التي تمثل مجتمع ” الحرية ” و ” الكثرة”.  و كان زبيغنيو بريجنسكي، قد اعتبر  أن الإجراءات التي إتخذها ساهمت في بلورة صورة الإتحاد السوفياتي كمجتمع براغماتي وديناميكي،  لأن الإجراءات الليبرالية في عهد” ما بعد الستالينية” كانت قد أعطت حرية أكبر للصحافة والتعبير والنقد في المجتمع السوفياتي لبلورة وجهة النظر  ترى أن هناك إمكانية ” إلتقاء” بين النظامين.

وقد أثرت نظرية الإلتقاء على انتشارمفاهيم شائعة مثل مفهوم “العملاقين” و “الجبارين” التي كانت تضع القوة العسكرية السوفياتية والقوة العسكرية الأميركية على حد سواء، حيث كانت درجة التطور الهائل في مجال الأسلحة النووية التي في حيازة الدولتين، قد اصبحت فعلا متشابهة مما أدى المفكرين الأمريكيين الى الظن بأن التشابه في الأسلحة يعني  التشابه في الإستراتيجية، مما أدى بهم  إلى التعامل لفترة طويلة مع الأفكار العسكرية السوفياتية وكأنها صورة معكوسة للأفكار الأميركية. ومن العوامل التي ساهمت في دعم هذه النظرة كون الولايات المتحدة أول من طور الأسلحة النووية، وكون عملية تصنيع الأسلحة  المتطورة الحديثة  في الإتحاد السوفياتي  كانت تنمو كرد فعل لتطوير  نفس الأسلحة  في الولايات المتحدة.

  و رغم ان كثير من الاوساط الغربية  تخلت عن نظرية الالتقاء فيما بعد، إلا انها  عادت  لتنظر الى روسيا من هذا المنظور بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، و اضعافه خلال حكمي غورباتشوف و يلتسين، ولكن مجيء بوتين الى الحكم و عودة بروز  ثقافة الفكر الاستراتيجي الروسي و خاصة بعد ازمة جورجيا،   اعاد الارباك في النظرة الغربية لروسيا، والتي كانت قد استمرت بالتعامل معها وكأنها دولة عادية يمكن تجاهلها و  استفزازها وعدم  أخذها بعين الاعتبار، و خاصة خلال  التدخل الغربي الأحادي الجانب  في العراق، ثم في ليبيا و في عدة أماكن من العالم العربي خلال السنوات الأخيرة، مما دفع بروسيا الى  العودة بالاستعانة بثقافتها الاستراتيجية العسكرية لوضع حد للتدهور الذي كان قد حصل في قوتها  ووضعها في العالم  و الذي  كان قد أدى بالولايات المتحدة للتعامل معها و كإنها احدى اتباعها يمكنها تجاهلها ثم معاقبتها و تأديبها عبر فرض انواع متعددة من العقوبات عليها، حينما تشاء وأينما تشاء .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here