هل نجحت “دبلوماسية الدواء الملكية” في إذابة الجليد مع إدارة ترامب؟: مكالمة بومبيو بين سوريا وضم الضفة الغربية.. عمّان تحاول تمرير العاصفة الأمريكية وواشنطن تزيد ضغوطاتها.. مسؤولون يبتهلون لتغييرات البيت الأبيض قبل المواجهة.. والسفير الجديد “حريق متوقع في عبدون” (تحليل سياسي)

 

 

برلين ـ “رأي اليوم” – فرح مرقه:

يخترق ملك الأردن عبد الله الثاني أخيرا جدار الصمت مع الإدارة الامريكية بمكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بعد انقطاع دام نحو شهرين، بالإضافة إلى أكثر من عام من العلاقات المتذبذبة بين الطرفين بسبب خطة السلام الأمريكية، التي أظهرت أن الإدارة الحالية في البيت الأبيض لا ترى عمان بعين الحليف الحقيقي.

تحرَّكَ الأردن نحو واشنطن عدة مرات خلال أزمة كورونا، مرسلا المساعدات الطبية بينما يتفشى الوباء بالولايات المتحدة كالنار في الهشيم، الأمر الذي قاده عاهل البلاد فيما يعرف بدبلوماسية الدواء، في الوقت الذي خصص فيه المحادثات الشائكة حول ضم الضفة الغربية وغور الأردن بالخطة الإسرائيلية لأحاديث طويلة مع الكونغرس الأمريكي في شقيه النواب والشيوخ.

في المكالمة الحديثة مع وزير الخارجية الأمريكي اتفق الخبر الرسمي الأردني مع نظيره الأمريكي على الشكر الذي قدمه بومبيو للأردن على المساعدات الطبية، في حين لم يتفقا بالطبع على أن الأردن أكد على موقفه من القضية الفلسطينية، فاكتفت الخارجية الامريكية بالحديث عن بحث التطورات في سوريا.

خطان متوازيان..

الخبران بكل الأحوال مغرقان في الرسمية، وفي مثل هذه الأنباء يصبح إيجاد معلومة دقيقة لما تم تناوله بالضبط كالبحث عن إبرة في كومٍ كبير من القش، إلا أن صياغة الخبر من الجانبين بحد ذاتها تؤكد أن عمان في العلاقة مع الحليف- إن صحّت تسميته كذلك- الأمريكي تسير على خطين متوازيين.

التواصل الأردني السياسي مع الأمريكيين ومنذ أكثر من عامين، قسّم العلاقات إلى شقٍّ مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث العلاقات الأكثر حذراً والأقل تفاعلاً، وشقٌّ آخر فيه العلاقات مع الكونغرس، حيث ترى عمان أنها تتواصل مع حلفاء قادرين على تفهم مخاوفها ويثقون برأيها، وهنا الحديث عن الشق الديمقراطي أكثر من الجمهوري في برلمان أمريكا وبين مشرعيها.

التقسيم المذكور يمكن تتبعه بهدوء ومنذ قرار الرئيس الأمريكي إعلان القدس عاصمة إسرائيلية، إذ استقرت العاصمة الأردنية في زاوية هادئة جدا مع البيت الأبيض وتابعيه من الوزارات، وتحت شعار “تمرير العاصفة” بما تتضمنه العاصفة من ضغوطات تزداد على الأردن ويلاعبها ويحاول تقليص أضرارها عبر جبهة الكونغرس.

حلفاء واشنطن الاقليميون وطوق النار..

لائحة الضغوطات يمكن تضمينها كل ما بذلته الإدارة الامريكية الحالية لإسرائيل، سواء في ملف القدس أو ملف ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن، إلى جانب ذلك فإن ما قدمته إدارة ترامب للأردن فيما يعرف بصفقة العصر سواء في الجانب الاقتصادي أو حتى الدور الأردني في صياغتها وتطبيقها، كرّس أن الأولى لا تقدّر عمان كما تحب العاصمة الأردنية لنفسها، ما صعّب عليها (أي عمان) أي تفاعل إضافي في سياق الصفقة وزاد عليها عبء النأي بالنفس عنها رغم العلاقات مع الأمريكيين.

في ملف إسرائيل، فإن الأخيرة تحولت أيضا إلى لاعب علني ضد المصالح الأردنية وبصورة فجّة في التقديرات الرسمية في عمان، سواء في ملف الضم أو حتى في التحرك بملفات متعلقة بالقدس، وكل هذا يحصل بغطاءات أمريكية تراقبها العاصمة الأردنية بكل الأحوال وتتابع تفاعلاتها وتحاول بهدوء تحريكها أيضا ولكن دون صدام فعلي.

إلى جانب ذلك، يعي الأردن أن خلق حالة التنافس الشديدة على الوصاية على مقدسات القدس مع السعودية، حظيت بالغطاء الأمريكي منذ البداية أيضاً، ويواجه الأردن هنا ملفاً خطراً للغاية يصرّ على إبقاءه خارج النقاشات والحوارات العلنية، مع انتباه كبير بأن الرياض الحليفة الأبرز لإدارة ترامب طوال الوقت “لا تأخذ خطواتها وحيدة” بما في ذلك قطع المساعدات عن عمان أيضاً.

بهذا المعنى، تتركز الضغوطات الامريكية عبر الحليفين الإقليميين على عمان على حدود الأردن الجنوبية والغربية، وبصورة تجعل التفاعل معها صعباً وقاسياً بالقراءة الأردنية الداخلية التي لا ترغب بأي مواجهة من أي نوع مع الولايات المتحدة خصوصا في الإدارة الحالية. عدم المواجهة اليوم خيار مؤسساتي متفق عليه على مايبدو خصوصا مع شخصية كالدكتور عمر الرزاز على رأس حكومة عمان.

وضغوطات مضادة في الشرق والشمال..!

لا تتوقف الضغوطات الأمريكية عند الرياض ولا اسرئيل، في تتجاوز ذلك أيضاً لعرقلة أي احتمال انفتاح على سوريا والعراق، وهنا يجثم قانون قيصر على صدور السياسة الأردنية مع دمشق (دون اغفال ان التيارات الداخلية في الأردن متصارعة أصلا بالملف السوري)، وطبعا محددات العلاقة مع ايران التي خطتها واشنطن وحلفائها الإقليميين لعمان أيضا تخلخل أي وصفة انفتاح على العراق بعد نحو عامين على قرار الاتجاه للجار الشرقي.

بهذه الصورة تجد عمان نفسها فعلاً وسط طوق نار لواشنطن يد طولى في إشعاله، بينما تحاول العاصمة الأردنية بكل ما أوتيت من دبلوماسية وصبر تمرير العاصفة التي لا تزال تقيّمها غرف القرار الأردنية بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهنا يكثّف سياسيو عمان المهادنين الصلوات لتتغير الإدارة حتى لا تضطر العاصمة الأردنية لأي تغيير في السياسة وبدء أي مواجهة من أي نوع.

ضغوطات الشدّ والجذب على عمان لا تتوقف طبعا عند السياسة الخارجية، فالأردن عانى ضغوطاً أمريكي على سياسته الداخلية تمثلت في إقرار صفقة الغاز الإسرائيلي الذي تؤكد إسرائيل انها تمت بضمانة المساعدات الامريكية للأردن، إلى جانب الضغوطات المضادة أيضا لأي مشروع صيني مثل مشروع الصخر الزيتي (والذي يحمل بالضرورة اشكالاته الخاصة أيضا).

أحلام التميمي.. ورقة واشنطن المتجددة

ضغوطات واشنطن على عمان لم تتوقف عند كل ما ذكر آنفاً، فقد تابعت عمان تحريك ملف الاسيرة المحررة أحلام التميمي أيضاً في الكونغرس وعبر شخصيات جمهورية، مباشرة بعد حوارات عاهل البلاد معهم، مطالبين بتسليم التميمي إلى واشنطن وبتصعيد وصل لمطالبة السفير “فوق العادة” هنري ووستر باستخدام ورقة المساعدات الأمريكية للأردن فيه، وفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست عن جلسة الكونغرس مع ووستر قبل نحو ثلاثة أسابيع.

تدرك العاصمة الأردنية هنا ان التزام ووستر- الذي لم يصل للأردن بعد- بتسليم التميمي للولايات المتحدة يعني ان معركة حقيقية قد تبدأ مع واشنطن ترامب بمجرد وصول السفير الاشكالي والذي ابرزت تصريحاته عن عمان احتمالات حرائق وعنجهية غير مسبوقة يقول مسؤولون اردنيون انها قد تجعلهم يترحمون على زمن السفيرة اليس ويلز.

خيارات الأردن.. هل انعدمت الوسائل؟

أمام كل ما سبق من ضغوطات تعانيها عمان من حليفها الأمريكي، يبقى السؤال: إلى متى يمكن لعمان الاستمرار بمقاربتها الحالية؟، خصوصا وان المساعدات الامريكية (التي وصلت لأكثر من 1.5 مليار دولار) لم تعد مجدية فعلا بالنسبة لعمان بالنظر الى ان واشنطن نفسها باتت تحدد مصارفها بين الغاز الإسرائيلي والمعدات العسكرية الامريكية وملحقات إلغاء مشروع الصخر الزيتي، في حين لا تتمتع عمان عمليا بالمقابل بمزايا حقيقية.

السفير الأمريكي المتوقّع استقراره في عبدون غربي العاصمة الأردنية قريبا، قال في بند المساعدات الأمريكية أمام الكونغرس ” “إن كرم الولايات المتحدة مع الأردن في التمويل العسكري الأجنبي، وكذلك الدعم الاقتصادي والمساعدات الأخرى، يتم ضبطه بعناية لحماية وتعزيز نطاق المصالح الأمريكية في الأردن وفي المنطقة”. هذه هي المقاربة الأمريكية حتى ما قبل مكالمة بومبيو، وفي هذه الجملة لم ولن يرد أي حديث عن المصالح الأردنية، كما لم توحي المكالمة اليتيمة بذلك رغم الشكر على دبلوماسية الدواء، فهل تتيح كل هذه التعقيدات يوماً لعمان البدء بإعادة صياغة مقارباتها مع واشنطن؟.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

13 تعليقات

  1. الاخ زيد الزيودي، شكرا ، لكم مني المحبة والاحترام . اما الاخ الكبير المغترب فانني مثل الكثيرين اتابع دوما مشاركاته القيمة .

  2. هل كنا ننتظر اتصال بومبيو ؟؟؟ وهل هذا أصبح الطموح الآن وأسمى الأماني ؟؟؟ !!!

  3. كل من يمد يده الى الدولارات الاميركية مجبر لاطاعة اسراءيل

  4. ____________ الأخ محمد حسين الجبوري ، أحرص على قراءة تعليقاتك بالإضافة لتعليقات الأستاذ المغترب ، أدام الله عليكم الصحة والعافية.

  5. ________ ميثاق غليظ بين بعض العرب و أمريكا . بالنتيجة إسرائيل على الفراش .. و فرش يا فرّاش !!!
    .

  6. موقف الاْردن ليس افضل من موقف مصر ولا افضل من موقف مشيخات الخليج التي صنعها نفس المستعمر الانجليزي الذي صنع الكيان الصهيوني
    كلهم من نفس محور دول الاعتدال العربي التي ترضى عنها امريكا واسرائيل
    موقف الانظمة الملكية التي قامً بإنشائها الاستعماار واضح انهم يخافون من زوال عروشهم في حال زالت اسرائيل
    لكن ما لانستطيع استيعابه هم ماذا تستفيد مصر من دعم الكيان الصهيوني ومن ظلم الفلسطينين بهذا الشكل الكبير ؟
    مصر دولة منذ الاف السنين وهى قوية بتاريخها وبشعبها وبجيشها ولا تحتاج لدعم امريكا لتشارك في بيع فلسطين مقابل هذا الدعم

  7. لا تضع الأفعى في الجيب لانها لا أمان لها اثبتوا على مواقفكم تكسبوا احترام العدو قبل الصاحب.

  8. لا تتردد امريكا في الضغط على أي من حلفائها او حتى اهانتهم ، سواء كان ذلك الحليف دوله مثل المانيا او أيا من دول الخليج.
    الاستثناء هي اسرائيل ، هي الوحيده التي تدير القرارات الامريكيه ، ويمكنها ان تهين ايا من المسؤولين الامريكيين.

  9. اذن كان الله في عون عمان لما تكابده من ملفات معقده مع الإدارة الصهيو امريكيه .

  10. هذا ما فعلته دول الخليج ممثلة بالسعودية والإمارات اللتان تضغطان بالخفاء على الاردن عندما ترسل السعودية 64 مليار لامريكا بدون قيد أو شرط وعندما ترسل الإمارات 20 مليار لامريكا إن دل ذلك يدل على أن امريكا لديه الاستعداد لتلبية طلباتهم وطلبات السعودية والإمارات متمثلة بالآتي اشراف سعودي على القدس تمهيدا لتسليمها لإسرائيل والتنكر للفلسطينين بارضهم في فلسطين وخلعهم الى الاردن تمهيدا لفرض صهينة فلسطين خطط إماراتية تنفذها السعودية مقابل تنصيبه ولي العهد السعودي أنهم لا يهتموا للعار الذي سيلحق بهم ولكننا نثق بالله أن يدافع عن الحق.

  11. يخطي كل من يعتقد ان الاردن محاصر من امريكا واسرلائيل لان الاردن ما زال يحظى بعلاقات ممتازه مع الاتحاد الأوروبي واليابان كما ان لديه علاقه مميزه مع الرئيس الروسي وعلاقات ممتازه مع الصين فالأبواب أمام الاردن متعددة ولن تستطيع امريكا او اسرائيل اخضاع الاردن وإذا ما ادار الاردن البوصله عندها ستجد امريكا وإسرائيل انهما في مأزق حقيقي والأكثر تضررا ستكون السعوديه لأسباب عديده جدا لا داعي لذكرها

  12. 1. معرفة قيمة الذات اول خطوة في تحديد الممكن من المستحيل الواقعي من الأحلام والتمنيات.
    2. اجزم زاعما من معرفتي المتأتية من دراستي في واشنطن، ان الاردن يمثل حجر الأساس المركزي امريكيا في المنطقة، وبوابة عريضة لواشنطن بما يخص القضية الفلسطينية، لبنان، سوريا العراق، ومصالح كيان الاحتلال مع حدوده الطويلة مع المملكة. عدا عن كون الاردن موطىء القدم الذي لا بديل عنه إقليميا بما يخص مكافحة الإرهاب. والتعاون الاستخباري والامني الواسع جدا مع أمريكا وارتباط ذلك عضويا من مصالح واشنطن وأمن الاحتلال. الاردن جوهرة ثمينة أما ان نعرف قيمتنا نعاند خدمة لمصالحنا ولا نهادن واما ان نكون مكسر عصا للآخرين . حديث طويل معروف لكل مهتم يرى الأمور بموضوعية بعيدا عن الرهاب والمذله .
    3. اراهن هنا ان سقف المطالب والمواقف الاردنية مع أمريكا والاحتلال يجب ان يكون عاليا جدا من وضع الثقة والاقتدار، وان السقف كلما زاد ارتفاعة الجدي الحازم كلما تراجع الخصم عن تهديداته المباشرة وغير المباشرة. والايام بيننا تحياتي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here