هل من دواء للصراع بين المسلمين ابتداء من العراق ومرورا بالسودان وانتهاء بالسعودية؟

 

د. كمال الهلباوى

من أخطر التحديات التى تواجة الأمة، وكل الأمم، يقفز إلى الذهن الصراع، سواء بين فردين أو أسرتين أو أبناء الوطن الواحد أو قطرين أو كان عالميا. وهذا الأسوأ ونتيجته محزنة للمهزوم أو المنتصر، لما يفقده الطرفان أو الأطراف وخصوصا من الدماء والقتلى أو الشهداء.

هناك من يقدر الصراع ويحسب له حساباته ، وهناك من يقدم عليه أو يقع فيه عنوة أو جهلا أو خبلا أو عبثا. زادت سوءات الصراع مع تقدم التكنولوجيا واستخدام أحدثها فى الصراع الظاهر أو الباطن، ومن لا يشترك فى الصراع مباشرة ويظن أنه قد نجأ يشعر على الأقل ، بعدم الاستقرار، ولا يهنأ بالعيش حتى بعد أن يضع الصراع أوزاره إن حدث.

توقفت أمام الصراع فى عدة بلدان كلها من بلاد المسلمين، وشاهدت عن قرب أطراف الصراع فوجدت عجباً!. الصراع أخطر من الأعاصير والرياح العاتية ومن أمواج المحيطات والبحار ،وأحيانا يكون أخطر من الرعد والزلازل لأنه من صنع أيدينا، وكثيرا ما يكون من قلة العقل وأحيانا ينغمس فيه من لا يشعر بخطورة نتائجه وخصوصا إذا أدمن الصراع.

البلدان المسلمة التى توقفت عندها لدراسة الصراع فيها أو معها هى، أفغانستان والسودان والصومال والعراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر وتركيا وماليزيا والجزائر وتونس، ومؤخرا قطر والبحرين والسعودية والامارات وغيرها. بعض هذه البلاد حكمها الاسلاميون وشاركوا فى الصراع طوعا أو كرها، ويظل السؤال قائما، ماذا تغير فيها عندما حكمها الاسلاميون ؟.

شاهدت بل وشهدت عن قرب، بعض أحداث ووقائع الصراع (الجهاد) فى أفغانستان بل أهمها. وفرحت الأمة – فى معظمها بهزيمة السوفيات، وخروج الاحتلال وهزيمة الشيوعية. وحكم الاسلاميون أفغانستان ، سواء الشيخ مجددى فى الفترة الانتقالية لمدة شهرين بعد خروج السوفيات ثم برهان الدين ربانى رحمهما الله تعالى، ولم يتوقف الصراع، ولم تتوقف الصواريخ من بعض المجاهدين والشيوعيين على كابل – تنافساً على السلطة – حتى سقط حكم ربانى (المجاهدين ). وجاء طالبان الى الحكم، واستمر الصراع ولم يتوقف حتى اليوم . وأخطر ما فى الدور الأمريكى أنهم كانوا يخططون ويرتبون من الخلف لافغانستان، وفرضوا خطتهم فرأينا كرازاى رئيسا ثم أشرف غنى من خارج صفوف المجاهدين وطالبان، وإستمر الصراع الدامى حتى اليوم وغدا للاسف الشديد .

فى السودان – إختصارا- قامت ثورة الإنقاذ 1989 أو الانقلاب الاسلامى ضد حكومة منتخبة ديموقراطية برئاسة الصادق المهدى، وهو أيضا اسلامى، ثم استمر الصراع بين أطراف الأنقاذ أنفسهم، وحدثت مجازر دارفور وغيرها ووقع إنفصال الجنوب، كل هذا فى عهد الاسلاميين، واستمر الصراع ولايزال ولم يجتمع شمل الاسلاميين بعد.

أما الصراع الدامى فى العراق – حديثا منذ 1990– فقد بدأ مع غزو صدام حسين للكويت، ولم يكن صدام إسلاميا، وكان من نتيجة ذلك التدخل الامريكى والفتوى الشاذة من العلماء والشيوخ بالاستعانة بغير المسلمين لحماية الكويت، واخراج صدام حسين، فكان تدمير العراق ،ونقل السلطة الى الاسلاميين من الشيعة والسنة الذين حكموا وجاء بعضهم مع بريمر، ولم يتوقف الصراع حتى بعد أن غادر بريمر.

واستمر الصراع حتى اليوم، بل حتى بين بعض فصائل من الشيعة. الصراع على الحكم والسلطة والثروة. ماذا فعل الاسلاميون منذ خمسة عشر سنة فى العراق؟! للأسف شهد العراق دمارا وخرابا لم يلمسه من قبل حتى أيام صدام حسين كما يقول بعضهم اليوم.

كانت المغرب وخصوصا بعد رحيل محمد الخامس ، أقل صراعا داخليا، من غيرها من البلاد العربية ( وخصوصا شمال افريقيا) مثل الجزائر وليبيا وتونس. وفى السنوات العشر الأخيرة تولى الاسلاميون الحكم فيها، ويظل السؤال قائما ماذا تغير بالفعل من التحديات العديدة التى تواجه الحكومات فى تلك الدول مثل البطالة والانتاج والاستيراد والنهضة والخروج من التخلف والفساد والعنف الذى يقع أحيانا، رغم الهدوء والاستقرار النسبى فى المغرب.

أما الصراع فى السعودية فأمره عجيب، وخصوصا مع تولى الأمير محمد بن سلمان السلطة وليا للعهد فى عهد أبيه الملك سلمان الذى غير النظام التقليدى المعهود فى شأن ولاية العهد، وبدأ أخطر صراع داخل الاسرة المالكة منذ توليها الحكم ، وإنتهازها فرصة وجود الحرمين الشريفين تحت الادارة السعودية لتروج أنها الدولة الراعية للاسلام ،وأحيانا الدولة الوحيدة التى تقوم على الاسلام الصحيح وفق تصور الاسرة المالكة والعلماء الذين ساروا فى درب وفهم الشيخ ابن عبدالوهاب فقط لا غير.

ولما كان من سمات الصراع أنه يتسع بمرور الايام فى مثل هذه البيئات ، فقد اتسع الصراع ولم يقتصر فى السعودية على الأسرة المالكة بل شمل العلماء والأمراء المعترضين، وامتد الصراع إلى اليمن ، وبالتنسيق مع الامارات ، وامتد الصراع متمثلا فى حصار قطر الدولة الخليجية الشقيقة ،بل وكانت السعودية ، كما ذكرت المصادر الأمريكية الأعرف بما يدور فى السعودية ، على وشك غزو قطر كما فعل صدام مع الكويت لولا التدخل الأمريكى من جانب وزير الخاريجة السابق تيلرسون، الذى استطاع أن يوقف أو يؤجل هذه الخطة الخبيثة التى تزيد الصراع صراعاً والدمار دماراً. كل صراع له ثمن ، ويحصل عليه بلا تعب من يخطط له وليس من يقع أو يخوض فيه .

هذه بعض نماذج من الصراع، ولايزال الصراع مستمرا وكذلك فى الصومال حتى عندما حكمها الاسلاميون فى عهد الشيخ عبدالرشيد. أما فى مصر فلايزال الصراع مستمرا على جبهات عديدة، سواء إختلف أصحاب الصراع بشأن 30 يوينو أكان ثورة أم كان إنقلابا. وليس هناك من يدرى كيف يتوقف الصراع، أو من يعمل لذلك، مع علم الجميع أن المستفيد الوحيد منه هو الصهيونية واسرائيل والهيمنة والتخلف والفساد والارهاب. وقس على ذلك الصراع فى بقية البلدان مع إختلافات شكلية ونتائج دائما كارثية .

من مشاكل الصراع فى بلادنا أنه عندما يقوم أو ينشب، فإنه يتسع ولا يتوقف ، لأن التخطيط والمخطط للصراع أو المستفيد منه، هو الذى يعرف كيف ومتى يوقف هذا الصراع . والصراع باهظ التكاليف ومدمر، ونحن جميعا نرى ذلك – اسلاميون وعلمانيون -ونقع فيه، وأحيانا نتهم غيرنا ونبرئ أنفسنا . أليس عجيبا ان تستمر فتنة الصراع من آخر أيام الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم وأرضاهم حتى هذا اليوم متمثلا فى فتنة السنة والشيعة، رغم أن العدو الحقيقى فى النهاية لن يترك السنة ولا الشيعة.

فى الخاتمة نقول: هل يتعلم العرب والمسلمون المنغمسون فى الصراع، الحوار بدلا من الصراع. هل يتعلم العرب حتى من الكوريتين، تحاورا وتجاوزا الصراع وطلبت كوريا الجنوبية من أمريكا سحب قواتها وقواعدها العسكرية فأنقذت نفسها من الاستغلال الأمريكى وأنقذت كوريا الشمالية نفسها من المواجهة والابتزاز. وللحديث صلة. وبالله التوفيق

كاتب وسياسي مصري

Print Friendly, PDF & Email

14 تعليقات

  1. اخي علي ابوطوشه المحترم
    الدكتور يقصد بان نتعظ من الاخرين بحل مشاكلنا فيما بيننا ربما تعليقي علي مقال الأستاذ عبد الباري هو رد علي استفسارك !! لكن مايسميه الدكتور جهاد لتحرير أفغانستان كان الاجدر علي المجاهدين تحرير اولي القبلتين اقرب لهم واحب الي الله !!! وهو يضرب مثلا لاتفاق الكوريتين الذي لم يحصل الي الان هو امنيات فقط لكن لم اسمع عن كوريا الجنوبيه انها طلبت سحب القوات الامريكيه ربما الدكتور لديه مصادره الخاصه للمعلومات !!!! مع تحياتي ودعواتي لك بالبعد عن كل الطوشات وان تعيش بامن وسلام

  2. الحمدلله على انني قرات مقالات اخيرا الى حزب الاخوان و عرفتهم لا حل الى اي مشكله في وجودهم بل هم مشكله و كبيره كبيره مثلم كما يقولون العقل زينه

  3. اخي محمود الطحان
    بعد التحيه والمحبة
    ارجو المساعده مش فاهم ولا حاجة من د.
    كمال الهلباوى عن اي اسلامين و جهاد في سبيل من و كوريا الجنوبيه اصبحت مجنونه اسلاميه وماذا دخل كوريا شو هل الخربطه
    و هل هذه خطبه او شكوى في المحاكم الشرعية ارجو تشرح ماذا المعنى اذا كان لا احراج لك مع الشكر

  4. إن الصراع الذي يدور في بلاد المسلمين في العهد الحديث هو صراع بين الدول العظمى والمسلمون مجرد أدوات للصراع وسيستمر الحال كما هو الى ان يصبح للمسلمين كيان سياسي حقيقي منبثق من داخل هذه الأمة على أساس مبدأها، وهذا يختلف عن الصراعات التي حصلت بعد انتهاء الخلافة الراشده والذي كان صراعا سياسيا حقيقيا كان المسلمون فيه أطرافا وليس مجرد ادوات

  5. الاخ [email protected]
    شكرا لك، شحذتُ همتي لأبدأ ردي على هذا الافتراء والسفسطائية العابثة، الذي كدت احسبه مقالا لافيخاي اذرعي او كسينجر ، فوجدت في تعليقك ما يغني، خاصة في كلماته الاخيرة. جزاك الله خيرا ورضي عنك.

  6. قال الله لنبيه الكريم.
    …. إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعيا لست منهم في شئ…

  7. الصراع هو سنة الحياة في كل شيء , ويتجلى ذلك م خلال سنة التدافع ..يعرفه المسلم وغير المسلم لكن لماذا نجح غير المسلم في ادارة الصراع بحكمة وتبصر في حين سقط كثير من المسلمين فريسة التخبط والجهل وانعدام القددرة على ادارة االصراع ,, وأحسبك قاسيا عندما تزج بتجارب الاسلاميين في هذه الصراعات التي لم يكونوا سوى وقودا لها في كثير من البلدان العربية والاسلامية , حتى في الجهاد الأفغاني الذي كنت أحد منظريه بينما لعبة الصراع والدفع الى أتون المعركة كان يصننعها غير (المجاهدين الأفغان) بل كانت تصنع في مخابر مديري الصراع …!! .وحتى الصراع الذي جرى في الجزائر أو تونس ومصر وغيرها من البلدان العربية , لم يكن الاسلاميون الطرف الأقوى في الصراع . ففي الجزائر وقع الانقلاب على خيار الشعب نفذه قلة نت ضباط فرنسا ,,وفي مصر أيضا كيف استطاع السيسي اجهاض مشروع أمة وتطلعاتها بوأد أول اختيار شعبي لرئيسه في تاريخ مصر ,, ونعلم انك وقفت مع الجلاد ضد الضحية….

  8. عندما نبحث في التاريخ و نتصفح و نتاكد ان اليد الخفية التي كانت تعبث و ما زالت بغض النظر عن الصهيونية العالمية و تسببت في تدمير العراق و التدخل في العشرية الدموية في الجزائر و انقلاب العسكر على الديموقراطية في مصر و الذي اشعل فتيل تخريب سوريا و اكمل المشهد بتدمير اليمن و قتل الاطفال و النساء جهارا نهارا تحت مرءى و مسمع الامم المتحدة و مجلس اللا امن بدعوى الحفاظ على الشرعية و تجميع خيرة شباب الامة العربية و الاسلامية و دفعهم في فرن الاتحاد السفياتي و بعدهاامريكا بدعوى الجهاد ،في حين فلسطين الحبيبة مختصبة قبل مجيء الروس لافغالام اانستان؛ انذاك نعلم ان الداء فينا و منا و إلينا من حيث يعلم العربان او لا يعلمون و الان الدائرة تدور و تضيق عليهم لكن اين المفر.

  9. اقتبس من المقال ( شاهدت بل وشهدت عن قرب بعض احداث ووقائع الصراع (الجهاد) في افغانستان بل اهمها وفرحت الامه في معظمها بهزيمة الاتحاد السوفيتي الشيوعي ) السؤال للاستاذ كمال الهلباوي
    هل اصاب المجاهدين نوع من الحول في عيونهم لكي يذهبوا الي افغانستان لانها اقرب اليهم من القدس !!!! ايهم اولي بالتحرير افغانستان ام اولي القبلتين وثاني الحرمين الشريفين والحديث النبوي الشريف ( لا تشد الرحال الا لثلاث ) ولم يقل تشد الرحال لافغانستان اولا !!! الاسلام السياسي هو سبب مصائب امتنا في العصر الحديث “”” انهم تجار وطلاب مناصب والاستيلاء علي السلطه هو من اولوياتهم ولو بالعنف
    كم وجهة نظري المتواضعه فان الممثله الامريكيه انجلينا جولي قامت باعمال خيريه مختلفه وللمسلمين بصفه خاصه كونهم اكثر الناس فقرا ومعظم الكوارث حلت في بلداننا هذه الممثله الانسانه قامت بما لم يقم به علماء المسلمين الذين يدعون للقتال والصراع ولم نشاهدهم يوما يدعون للصلح والحوار “”” بصراحه تامه علي الجميع الاخذ بالخطاب الديني المتسامح الذي تنتهجه سلطنة عمان ومن خلال هذا الخطاب لم ولن تجد عمانيا واحدا انخرط في الارهاب والسبب يعود لخطابهم المعتدل البعيد عن التكفير والتحريض “”””

  10. كما قال الاخ\الاخت طبعا،
    اختطاف الدين من قبل جماعة كائنا من كانت وتكفير الاخر والادعاء ان هذه الجماعة هي الدين الحق، فقط من اجل الوصول والاستحواذ على السلطة هي المعادلة المضمونة لتفكيك اي مجتمع كائنا ما كان.
    ربما فات حركة الاخوان المسلمين ان العالم العربي قاطبة بمسلميه ومسيحييه، هو نتاج ثقافة اسلامية مترسخة كل منا يفسرها بما يلائم حاجاته وحياتاته فالدين يسر وليس عسرا، ولا هو مطية لحركات مفلسة سياسيا لا برنامج لها في شيء يتعلق بصالح البشر الا الادعاء بأنها تمثل الدين وتكفر من لا يدين بالولاء لها.

  11. السلام عليكم. ولماذا لم تتكلم عن حرب العراق وإيران والمليون فقيد؟ هل لتبراة دول الخليج في إشعال الفتنه؟ايران دوله مسلمه وعلينا الاعتراف بها والتعامل معها كما تركيا الدوله المسلمه التي تحتل مناطق عربيه وتساعد الغرب وإسرائيل

  12. نعم يا عزيزي، واسم هذا الدواء هو القضاء على الاخوان وجميع الحركات الدينية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here