هل كان اتفاق السويد انتصارا يمنيا أم ذاتيا لأحد الأطراف؟ ولماذا كان محبطا لأغلب شرائح المجتمع؟ وهل يتمكن يناير من جلب السلام إلى ليمن؟

أحمد عبدالكريم

كانت محادثات السلام التي جرت الأسبوع الماضي في السويد بين التحالف الذي تقوده السعودية والحوثيين في اليمن سبباً لاحتفال عدد من الأشخاص حول العالم الذين كانوا يأملون في أن يروا نهاية لحرب اليمن، لكن نتائج محادثاتها التي دامت أسبوعاً في ريمبو، لم تحقق إلا القليل، ولم تكن انتصارا يمنياً، بقدر ما كانت انتصارا لأحد الأطراف، وهو الطرف المقاوم لغزو البلاد، وإشارة واضحة لفشل مفاوضات يناير القادمة    كيف ذلك؟

 اتفاقية ستوكهولم الذي تم التوصل إليها في الدولة الثرية لا يمكن أن تنهي ثلاث سنوات من المعاناة الإنسانية والحرب في اليمن، خاصة في الحديدة، وصعدة، والمناطق الحدودية. وعلى الرغم من أنها كانت أول مفاوضات ناجحة، إلا أن التوصل إلى اتفاق دون إعادة فتح مطار صنعاء الدولي، ودفع رواتب موظفي الحكومة، وتحييد المصرف المركزي، اتفاق لا معنى له.

عدم إعادة فتح مطار صنعاء الدولي سيؤدي إلى وفاة الآلاف من المدنيين الأبرياء – بمن فيهم الأطفال – لا سيما في مناطق الشمال اليمني حيث أن المطار واحد من القنوات الأساسية المستخدمة من قبل اليمنيين للسفر إلى الخارج للحصول على الرعاية الطبية الهامة والغير متوفرة في اليمن.

يحتاج حوالي 200الف مريض في المناطق الشمالية – بما في ذلك مرضى السرطان والقلب ومرضى الفشل الكلوي – إلى السفر خارج اليمن للحصول على العلاج المنقذ للحياة. معظم هؤلاء لا يستطيعون السفر والعودة من خلال المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها قوات التحالف، خشية تعرضهم إلى الاعتقال والتعذيب بذريعة أنهم دعموا الحوثيين أو عارضوا وجود التحالف في اليمن، ومن نجى منهم من المرض لم ينجوا من الاعتقال أو التعذيب أو الموت.

أصر ممثلو الائتلاف السعودي على نقل مطار اليمن الدولي إلى عدن التي تسيطر عليها قوات التحالف، مما أدى إلى إبعاد مطار صنعاء الدولي إلى الاستخدام المحلي بدلاً من إعادة فتحه كمطار دولي، و الحوثيون يعارضون التحليق إلى عدن واقترحوا تفتيش رحلات صنعاء في الأردن ومصر ، ويعتبرون مدينة عدن التي يسيطر عليها التحالف السعودي غير آمنة لمعارضي التحالف، وهو ما حال دون الوصول إلى اتفاق حول المطار وترحيله إلى المفاوضات القادمة.

 

 محادثات السلام في السويد فشلت أيضا ً في التوصل إلى اتفاق بشأن دفع رواتب موظفي الحكومة وتحييد المصرف المركزي، في ظل إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، التي تعد بالفعل الأسوأ في العالم، ما منع الاتفاقية من الحصول على شعبية واسعة في أوساط اليمنيين، وبغض النظر عن أن المحادثات حققت تقدمًا أفضل من المتوقع ومثلت انفراجه مشجعة بعد أربع سنوات من الجمود المميت، لكنها لم تمهد الطريق أيضا ً للتقدم في القضايا الإنسانية الرئيسية في اليمن.

اتفاق السويد انتصارا لأنصار الله بامتياز، حيث اضطر التحالف بقيادة السعودية إلى الجلوس لإجراء محادثات مع أنصار الله، كما أن الاتفاقية وضعت بشكل أساسي مدينة الحديدة الاستراتيجية تحت السيطرة العسكرية للأمم المتحدة. وبينما ستنسحب القوات الحوثية العسكرية من مدينة الحديدة والميناء، فإنها ستحتفظ بالسيطرة السياسية على المدينة. من ناحية أخرى، سيتعين على التحالف بقيادة السعودية ومقاتليهم المحليين الانسحاب من جميع المواقع في جنوب الحديدة التي تم احتلالها خلال الحملة العسكرية للتحالف التي بدأت في يونيو / حزيران.

 الاتفاقية أيضاً أعلنت نهاية العزلة الدولية لأنصار الله الذين استُقبلوا بحفاوة في إحدى أشهر عاصمة صناعة القرار في الاتحاد الأوروبي، وتم منحهم الاعتراف الدولي للمرة الأولى ومقعدًا مفتوحا على مائدة الدول الأخرى، كما أظهرتهم مستعدين للسلام من موقع قوة وصامدين في وجه غزو عسكري حظي بأحد أكثر التحالفات العسكرية على وجه الأرض حجماً وتمويلا وتجهيزا.

وبغض النظر عما قد يبدوا في أن الحوثيين قدموا تنازلات للسعودية وتخلوا عن الحديدة والثورة الشعبية مقابل المشاركة في حكم البلاد مستقبلا، فقد قدموا تضحيات ضرورية للتخفيف – حسب تأكيدهم- من معاناة الناس، وكذلك فعل الطرف الآخر وإن كان مجبراً بعوامل إقليمية تتعلق بتداعيات اغتيال الصحفي السعودي جمال خاجقشي، ومع ذلك لم تتحقق انفراجه إنسانية.

 السلام في اليمن قد يكون بعيد المنال

بالرغم من أن محادثات السلام في السويد كانت مجرد فقط إجراءات عملية لبناء الثقة بين الطرفين، كخطوة أولى لإنهاء الوضع الإنساني الرهيب في أفقر بلد عربي، لكنها لم تحقق سوى القليل جداً، وأظهرت اختلافات عميقة جدا في ملف يفترض أن يكون محل إجماع، وما زالت القضايا فيما يتعلق بالممرات الإنسانية، وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي، وتحييد الملف الاقتصادي، غير محسومة من الناحية العملية، حتى على مستوى الفكرة، والإنجاز الوحيد الذي تحقق في المحادثات هو تحقيق هدنة هشة لن تدوم على أي حال.

فضلا عن ذلك، فإن الاتفاق على وضع الحديدة لايزال خاضعاً لكثير من الخلاف. وافق الطرفان على دور للأمم المتحدة في الميناء، لكنهما إلى الآن يختلفان حول من يجب أن يدير المدينة. الحوثيون يريدون أن تعلن الحديدة منطقة محايدة عسكريا، والاحتفاظ بها سياسيا وإداريا، لكن القوات المدعومة من السعودية تقول إن السيطرة سياسيا وإداريا على المدينة مسألة “سيادة” بالنسبة لها.

 من ناحية أخرى، الانقسامات السياسية لا تزال عميقة بين الطرفين لا سيما حول الرئاسة، وحكومة وحدة وطنية، وانتخابات مبكرة، ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، وتسليم الأسلحة وبناء جيش وطني واحد، والعلاقات المستقبلية مع الدول التي تقاتل في الوقت الراهن اليمن. تجتمع هذه الانقسامات المتعددة لجعل السلام بعيد المنال على الأقل في المدى المنظور.

لا يمكن الحديث عن الجوع والموت والأوبئة المتفشية في اليمن دون معالجة الدور السعودي المتسبب بها ومستقبله. ففي الوقت الذي تنظر فيه حكومة عبد ربه منصور هادي إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة كأصدقاء وحلفاء، فإن معظم اليمنيين بما فيهم الحوثيون ينظرون إليهم كعدو ومحتلين، وهذا مثال واحد على حدة الانقسامات بين الطرفين.

ومع ذلك، فرغبة الجانبين في إبداء المرونة في السويد والتي عكست حماسهم لإنهاء الحرب، أو على الأقل التخفيف من معاناة الشعب اليمني، ربما نافذة لمزيد من المحادثات البناءة في يناير / كانون الثاني وتفاهم أفضل بين الأطراف المتحاربة، لإنهاء الحرب، لكن نجاح هذه المفاوضات لن تتحقق إلا إذا استمر الضغط الدولي على التحالف السعودي.

صحفي وكاتب يمني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here