هل عزل بن سلمان ينهى أزمة السعودية والأمة؟ وجهة نظر مختلفة

د. كمال الهلباوى

تشغلنى منذ سنوات أزمة الأمة وكيفية الخروج منها؟، وأنظر بألم شديد إلى القضايا والأزمات التى تثقل كاهل الأمة حتى جعلتها لا تقدر على الحركة الصائبة للخروج من تلك القضايا والأزمات، بل أجبرتها على الحركة إما فى نفس المكان أو للرجوع إلى الخلف أى التدهور.

أستطيع أن أقول أن منهج التفكير فى الأمة ، إن كان موجودا، فإنه يحتاج إلى مراجعة وتصويب يخرج الأمة من الضبابية إلى الشفافية، ومن الصراع عموما إلى الحوار المثمر الجاد، فتبرز التحديات ويتضح العلاج حسب الأولويات. يقول الشاعر:

إنَّ اللبيبَ إذا بَدَا من جِسْمِه  ***   مرضَانِ مختلفانِ داوى الأخْطرا

تمر الأمة بأزمات متلاحقة ، إذ أن المسؤولين مشغولون بتثبيت أركان سلطانهم، وغالبا بالبطش والقهر داخليا، وبالاستجداء والتخاذل خارجيا، وهذا هو النهج لأهل الهيمنة وأصحاب التسلط والجبروت فى الوقت الحالى وفى السابق وفى المستقبل. وأصحاب المعارضة فى الوطن العربى خصوصا يقعون فى الصراع ولا يستطيعون الخروج منه. أذكر أزمتين جديدتين أو تحديين، أخصهما بالذكر هنا للايضاح:

الأزمة الأولى: تتعلق بفهم الشريعة وطبعا تطبيقها. والذى أثار هذه الأزمة قانون المساواة بين الجنسين فى الميراث فى تونس العزيزة مؤخرا، حيث هناك من العلماء ، فضلا عن أهل السلطان وأهل الاستفادة، من أيد هذه الخطوة من جانب تونس، وهناك من إعترض عليها قدر الحرية المتاحة له، وقدر الرغبة فى البقاء فى الصورة، وهذا يحتاج إلى مقال خاص للتوضيح. وفى نفس الاطار رأى بعضهم أن هناك مواجهة تحتيه أو مستترة تظهر إلى العلن أحيانا كما وقع عند حديث الرئيس السيسى وشيخ الأزهر أثناء الاحتفال بالمولد النبوى الشريف فى مصر الحبيبة، أو أحاديث غير المتخصصين عن الشريعة، ومحاولات إنكار السنة والاكتفاء بالقرآن الكريم فقط أو بروز القرآنيين. وهذا يحتاج كذلك إلى مقال خاص للتفصيل.

أما الأزمة الثانية : التى قامت ولم تقعد حتى اليوم. فقد كشف عنها مقتل الاعلامى السعودى خاشقجى رحمه الله تعالى . لا أتكلم هنا عن البشاعة والخسة والنذالة فى القتل، بل عن تداعيات تلك الجريمة البشعة. الدنيا كلها أبدت إهتماما بهذه الواقعة رغم أن عالمنا العربى خصوصا، يشهد عشرات القتلى الأبرياء يوميا، ومن الأطفال والنساء فى اليمن وسوريا والعراق والصومال وليبيا، ويشهد جرائم يندى لها الجبين فى فلسطين المحتلة من الصهاينة وبمعاونة الغرب عموما والأمريكان خصوصا أو على الأقل السكوت عن تلك الجرائم البشعة.

الذى يلفت النظر هنا إتجاه الأنظار إلى أمريكا للخروج من أزمة مقتل خاشقجى، ويراه بعضنا فى ضرورة تدخل أمريكا لإقصاء إبن سلمان عن الحكم بإعتبار مسؤوليته، وبعضنا يدعو أن يقف ترامب إلى جانب قرارات الكونجرس بشأن العقوبات أو حتى رؤية السى آى إيه. وأرى أن البحث عن الخلاص والحق والعدل عند أمريكا أزمة أكبر فى الأمة.

أتابع الاعلام العربى والعالمى لمعرفة الوقائع، ثم أستخلص ما أستخلص لنفسى بموضوعية وحيادية، لأن التحليل يختلف من فرد لآخر ومن إعلام لآخر ومن خلفية إلى أخرى. خذ على سبيل المثال الأخبار بشأن مقتل الاعلامى السعودى خاشقجى رحمه الله تعالى. الأنظار العربية تتجة إلى أمريكا، الموالاة والمعارضة على السواء. الموالاة لابن سلمان ترجو إبعاد التهم عنه مهما كلف الأمر من مال وكذب وخداع وخضوع ، والمعارضة تتمنى أن يغير ترامب موقفة حسب القيم الأمريكية كما يزعم معظم أو جميع أعضاء الكونجرس والبرلمان من الجمهوريين والديموقراطيين الذين يرون ويريدون معاقبة إبن سلمان بإعتبار أنه المسؤول الذى أصدر أوامر القتل أو أن هذا القتل البشع لا يمكن أن يتم دون معرفة الرجل على الأقل. أنا مع التخلص من كل الملكيات الفاسدة والجمهوريات التى إنقلبت إلى ملكيات ولاتزال تحتفظ بالاسم فقط.

أقول: هب أن الأمريكان إتفقوا ، وأصدر الكونجرس عقوبات على السعودية، وترك ابن سلمان الحكم، بل وتركت الأسرة السعودية كلها الحكم، هل تتقدم السعودية أو تصبح الأمة ديموقراطية، وتسود الحريات ، وتنتهى أزمات الأمة ، وتخرج من التخلف والجهل والمرض والفساد والعنف والارهاب؟ .

ترك القذافى الدنيا كلها مقتولا وتشتت أسرته أو الباقى منها بعد السيطرة والبطش والهيمنة، وشنق صدام حسين فى العراق، فهل خرجت ليبيا أو العراق من الأزمات؟

وهل تقدمت ليبيا أو العراق بعد ذهاب الطغاة أو الاستبداد القذافى أو الصدامى؟. أظن أن الأوضاع ساءت فى العراق وساءت أكثر فى ليبيا. وقل ما شئت عن الأوضاع فى سوريا والصومال واليمن. وقد إنفصلت جنوب السودان فى عهد الاسلاميين، فهل خرجت السودان أو جنوب السودان من الأزمات؟ وقد جاء البشير بإسم ثورة الانقاذ ولايزال يستمتع بالبقاء فى الحكم منذ ثلاثين سنة بعد أن قام بتغيير الدستور . نفس الطريقة والمنهج الذى يفكر به النظام  فى مصر والموالاة، وبقية الدول فى العالم العربى إلا قليلا وبدرجات متفاوتة. كلنا نفرح عندما يذهب ديكتاتور مستبد عن الحكم وننسى أن هناك من هو أكثر استبدادا ينتظر أو من يعده الأعداء لنا. ولكن التقدم والخروج من الأزمات يحتاج أكثر من ذلك.

ترك مبارك فى مصر أو إضطر لأن يترك الحكم فى مصر بعدما حكمها ثلاثين سنة ، وحكمها المجلس العسكرى ثم الاخوان ثم السيسى سواء جاء بعد ثورة أو بإنقلاب كما يرى الاسلاميون وآخرون، فهل تقدمت مصر وخرجت من الأزمات المحيطة بها؟ أكثر من ذلك كما قلت منذ عدة أسابيع فى القناة التليفزيونية التاسعة  بعد تردد حتى لا يساء الفهم، هل لو أهلك الله تعالى الصهاينة وإسرائيل ومن يساعدهم ويعترف بهم،  ونحن ندعو بذلك ليل نهار، وهناك مقاومون منصورون بإذن الله تعالى على الصهيونية واسرائيل والهيمنة ولكن ، هل تتقدم الأمة وتخرج من أزماتها إن أهلك الله تعالى الصهاينة ومن رواءهم؟ ستنهى قضية بل القضية المركزية التى شغلتنا سنوات عديدة ولكن هذا لا يكفى فى ظنى للخروج من الأزمات والتحديات فى الأمة تلك التى إزدادت بل وتزداد بسبب منهج التفكير الخاطئ؟

وسؤال آخر لعله يوضح المقصود من هذا المقال. هناك من يتمنى ألا يكون فى الأمة شيعة، وهناك من يود ألا يكون فيها سنة، ولكن السؤال هل لو اختفت الشيعة أو السنة أو المذاهب كلها تتقدم الأمة؟.

علينا أن نتخلص من السلبيات الداخلية والتحديات الخارجية واحدة وراء الأخرى وأن نبدأ بالبناء حتى يتم كما فعلت دول أخرى.

وهذا يحتاج إلى تفصيل، كيف نخرج من التحديات سواء القضايا والأزمات، وقد بينت ملخصاً لذلك فى مبادرة السلم المجتمعى فى أبريل الماضى، ورفضها من لم يفهمها أو من يحب أن نظل فى صراع. ويحتاج البناء إلى الخروج من الهيمنة أولا فى داخل أنفسنا ثم البناء كما بنت دول أخرى نفسها فى عقد أو عقدين أو أكثر ولكننا نراوح مكاننا اليوم كما الأمس.

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامه  ***             إذا كنت تبنيه وغيرُك يهدم

وللحديث صلة. وبالله التوفيق

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. الفاضل / د. كمال الهلباوى ،،
    (أنا مع التخلص من كل الملكيات الفاسدة والجمهوريات التى إنقلبت إلى ملكيات ولاتزال تحتفظ بالاسم فقط.)
    ومن يحدد الملكيات الفاسده (ان وجدت) من غير الفاسده ،، انت
    ثم اسألك عن جمهورية الولي الفقيه والتي يحكمها شخص منذ ثلاثين عاما ، هل انت مع اسقاطها ، ام انها
    صابونة القلب ،،
    يا سيدي ، ليت كل بلداننا العربيه ملكيات ، لكانت جميعها الان في أمن واستقرار مثل الدول الملكيه ،،
    اخيرا أحيي الاخ الفاضل محمود الطحان ، على التعليق الرائع ، وبصراحه تعليقه يفترض هو المقال ،،
    تحياتي للجميع ،،

  2. هل تظن يادكتور أن بكاء الغرب علي مقتل جمال خاشقجي هو حرص على دماءنا أم أنه إستثمار لهم يبتزون السعوديه ابتزاز سياسي أكثر منه مالي كما يعتقد البعض… لأن ماشاهدناه من تغطية إعلامية غير عاديه وليست منطقيه تجعلنا نفكر بعقولنا لكل من يملك عقل لماذا كل هذه التغطيه المميزه ليل نهار علي جريمه مستنكره ولا يوافق عليها إنسان حر…
    أما مسألة معاقبة من قام بهذا العمل الشنيع والتطبيل للأخبار التي تطالب بإسقاط من كان وراء الجريمه فهذا يدعونا للعوده الى الوراء حين تم إسقاط نظام صدام حسين والقذافي وعلي عبدالله صالح ومحاولة إسقاط النظام السوري…ماذا حل بتلك البلاد نتيجة تدخل الغرب وامريكا!!!!حل الخراب والدمار وقتل مئات الآلاف من أبناء الشعب الواحد وتهجير سكانها…هل كان هذا حلا لمشاكل كان الأجدر أن يكون العقل والحكمة البديل لكل ما حدث… أما عن الجمهوريات والملكيات العربيه فإنني أجد أن الإستقرار موجود فقط في بلدان الملكيات والفوضى والمشاكل المعقدة كلها في بلاد الجمهوريات والمسماه زورا وبهتانا جمهوريه لأن الرئيس يتحول إلى رئيس مدي الحياة ويخلفه أبناؤه!!!!!
    المسمي الربيع العربي اتي علي الجمهوريات دون غيرهم لعدم وجود العداله الاجتماعيه في تلك البلاد للفساد الذي يشرف عليه الرئيس نفسه من أجل حماية كرسيه من غدر المحيطين به…ربما تعليقي لن يعجب البعض لكنني اقول ما أؤمن به دون مجامله… شكراً للدكتور الهلباوي علي مقاله القيم

  3. تحليل موضوعي لحال الأمة المنهكة في صراعات ايديولوجة و عقائدية بعيدة كل البعد عن استحقاقات الحاضر و تطلعات الشعوب. لكن للأسف ترى اغلب الشعوب منشغلة بحروب الطواحين العبثية

  4. نعم ادا ترك ال سعود الحكم في السعودية سوف تتقدم الأمة لانه ال سعود هم سبب تخلف أمة العرب وسبب تشويه سمعة المسلمين في كل العالم ال سعود هم يد الاستعمار التي تنهب ثروات الأمة وتتلاعب بالاسلام لصالح المستعمر والمحتل لتثبيت عروشهم نعم بالتاكيد العرب سيكون افضل لنا فيهم الشعب العربي المقهور في بلاد الحرمين سيكونو افضل بكثير لو زال حكم ال سعود لانه طالما ال سعود في الحكم سيتم التأمر على تدمير الدول العربية وتقزيم مصر وكل ذلك لصالح الكيان الصهيوني كما قال ترامب لولا السعودية لكانت اسرائيل في ورطة اذا السعودية سبب نكبة العرب والمسلمين .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here