هل سيشهد 2020 عودة الإدارة الذاتية الكردية في شرق الفرات إلى رشدها؟

أيهم الطه

منذ أكثر من عامين وتحديدا منذ 19-10-2017 تاريخ إعلان سيطرة قسد على مدينة الرقة  وحتى اليوم وقسد تثبت عجزها عن إدارة مناطقها خدميا ,  امنيا , قانونيا , عسكريا , اقتصاديا وتعليميا  -رغم ما حققته من نجاح نسبي في ادارة بعض الملفات لكنه يبقى نجاح محدود ومحصور في بعض الأمور الخدمية والإدارية ولا يؤهلها لإقامة ما تطمح اليه من فدرالية , فهي غير قادرة حتى على الدفاع عن نفسها  إن اقتضت الضرورة دون دعم وإسناد التحالف الغربي وهذا ما بدا واضحا بعد عمليات غصن الزيتون و نبع السلام التركية ,  كما بدا  في عجز قسد عن السيطرة على داعش داخل مناطقها .

ومع التأكيد على تراجع أحلام الإدارة الذاتية بعد التطورات الأخيرة و التدخل التركي في شمال شرق سورية  إلا أنها لا تزال متأخرة , مع كل ما حدث ويحدث من تطورات سياسية وعسكرية في سورية لا تزال القيادة في الإدارة الذاتية تصر على  رفضها  وإنكارها لمجموعة الحقائق الموجودة على الأرض والتي تطرح نفسها في كل يوم , الا أنها تعي جيدا أن مشروعها سقط مع تحرك عجلات  العسكر الغربي الداعم لها  وأن الطريق الى تحقيق الإستقرار في شرق الفرات لن يأتي الا عبر التواصل مع الأطراف المحلية السورية  و تحقيق التفاهم حقيقي على الأرض مع الأطراف السورية الفاعلة على الأرض   .

فلا الضامن الغربي أوفى عهوده معها ولا حجارتها وغضبها وشعورها بالخيانة  تجاه الأمريكي الذي تركها تواجه مشاكلها وحيدة سيفيدها .

وهذا ما أستوعبته القيادة التركية عندما دخلت في عمليات تنسيق مع دمشق غرضها ’’إحلال السلام في المنطقة ’’ على حد وصف خلوصي أكار وزير الدفاع التركي الذي تحدث عن لقاء القيادات المخابراتية السورية -التركية في موسكو بين رئيس الأمن الوطني ’’علي مملوك ’’ و قيادة المخابرات التركية متمثلة بالرجل القوي في نظام أردوغان وكاتم اسراره ’’هاكان فيدان  ’’ .

وربما من يستعرض الأحداث الجارية في مناطق قسد بحيادية وموضوعية سيعي هذا الأمر   فخلال أسبوعين من بداية العام 2020 تعرضت قوات قسد لأكثر من 30 عملية في مناطق مختلفة من البقعة الجغرافية التي تسيطر عليها في الحسكة و الرقة وديرالزور   , كانت هذه العمليات تستهدف عناصر قسد والمتعاملين معها والقواعد الأمريكية المتبقة في المنطقة والتي تنوعت مابين هجوم مباشر بالأسلحة النارية الخفيفة  او قصف بصواريخ كاتيوشا او استهداف بعبوات متفجرة , فضلا عن الإحتجاجات الأهلية المستمرة في عدة مناطق من شرق الفرات ,والتي كان أخرها مواجهات عنيفة لعناصر قسد مع أهالي بلدة البصيرة في الريف الشرقي لديرالزور و بلدة  الكبر في ريف ديرالزور الغربي والتي نجم عنها عشرات المعتقلين من أهالي البلدة الغاضبين ومقتل عدة مدنيين بينهم طفل لم يتجاوز ال12 من عمره  ما يعكس طريقة تعامل قسد مع الأهالي و حجم الغضب الذي يخلفه و انه يزيد من توسع الشرخ بينها كسلطة حاكمة والأهالي كمواطنين رافضين لها ويسحب مابقي لها من شرعية حققتها كفصيل عسكري حقق انتصارات على تنظيم داعش في وقت سابق .

وهذه الأحداث  لا تعتبر محدودة او  إستثنائية  فهي تتكرر بشكل مستمر منذ بداية وجود قسد  رغم محاولاتها  إيجاد حلول لايقاف هذا الاستنزاف المستمر  , وقسد نفسها  تعي انها تفقد السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي يفترض انها تحت حكمها بدعم واسناد التحالف الغربي .

 وحتى لا نغرق في التفاصيل التي أصبحت معروفة للقاصي والداني  وشبه مكررة حتى باتت جزء من يوميات المنطقة , يكفي أن نشير إلى عودة نشاط تنظيم الدولة  الذي راح  يتمدد من جديد  في عدة مناطق من ريف ديرالزور و الرقة والحسكة

كما اعاد تشكيل خلاياه واجهزته بما فيها الحسبة التي تجبر الاهالي لى الإلتزام بقوانين التنظيم المتشددة  مثبتا أنه  لايزال موجودا وفاعلا وقادرا على تسديد الضربات وتنفيذ احكامه وتهديد خصومه, فيما يجري الحديث عن تفاهمات بين قسد وعناصر داعش في بعض المناطق بما يشبه اتفاقات عدم اعتداء متبادل .

فيما يبقى أحد  اهم الصعوبات التي تواجه قسد يتمثل  بالرفض المحلي لها و عدم الإعتراف بشرعيتها من قبل أهالي المنطقة ولذا فالتنظيم المتشدد أخذ يستخدم نقاط ضعف قسد بحكمة لتوسعة الشرخ بينها كسلطة حاكمة و بين الأهالي في مناطقها كما يستخدم الرعب لايقاف خصومه وشل حركتهم مستغلا عدم وجود سلطة حقيقية قوية  ورادعة له تتمكن من اجتثاثه و تعمل على تحجيم انتشار افكاره وصولا الى القضاء عليه .

وما يجب ان تعيه قسد ان محاولاتها لإضعاف دمشق بغية استخدام ذلك في المفاوضات السياسية لتحسين موقفها إنما يعود بالخسارة على قسد نفسها  بمعنى أن محاولات اضعاف الإقتصاد السوري و التهليل الإعلامي لانهياره و انهيار اسعار الصرف مثلا يؤذي دمشق ويزعزع من مواقفها و يضعف من قدراتها لكنه في ذات الوقت ينعكس على قسد بنفس المقدار فهي جزء لايمكن فصله عن الاقتصاد السوري بالمجمل .

وايضا محاولات إغلاق المعابر و تخفيض بيع المحروقات لدمشق ينعكس سلبا على مناطق قسد  , كما ان البروباغندا الإعلامية التي تديرها قسد ضد دمشق تنعكس على تقبل المجتمع المحلي لها ,

فالمعادلة السورية تأخذ بمجملها وهي متصلة ومتشابكة  من الباغوز في الشرق وحتى ادلب في الغرب  ومن رأس العين في الشمال حتى السويداء في الجنوب ,

ولذا فالتوصل الى تسوية بين قسد و دمشق سيسهل على الطرفين إدارة هذه المنطقة و اعادة اعمارها بشكل اسرع كما انه سيوفر عوامل الأمن والاستقرار .

وربما كانت دمشق أكثر خبرة وقدرة على ادارة ملفات التنظيم المعقدة نظرا الى تاريخها الطويل في التعامل مع المجموعات الإسلامية الجهادية وقدرتها في السيطرة على هذه المجموعات .

التوافق بين الادارة الذاتية و دمشق سيحقق نقطة التوازن مع المحيط الإقليمي وطمئنة لكل من أنقرة و طهران المتوجسة من الملف الكردي .

كما أن الإتفاق بين الإدارة الذاتية و دمشق سيجنب عناصر قسد المزيد من الخسائر و يلغي دواعي وجود القوات الأمريكية والغربية في سورية والتي باتت تشكل عوامل توتر و صدام أكثر منها كصمام أمان .

وربما محاولات قسد ترتيب الفوضى في البيت الكردي السوري عبر السعي للوصول الى تفاهمات مع المجلس الوطني الكردي هي جزء من وعي الإدارة الذاتية أنها يجب ان تعيد حساباتها حتى لا تجد نفسها  عاجزة و معزولة محليا واقليميا و دوليا .

وبالعودة الى  الخطوات واللقاءات  التي تدعمها موسكو  لتحسين العلاقات بين انقرة ودمشق لابد ان تكون جرس تحذير لحزب الإتحاد الديمقراطي و الادارة الذاتية التي تصنفها انقرة كمجموعة ارهابية .

ورغم الحوارات التي رعتها موسكو بين دمشق والإدارة الذاتية سواء في قاعدة ’’ حميميم ’’  او في دمشق  الا انها كانت تنتهي بسبب الفيتو الامريكي و الاوروبي واستمرار تعلق القيادات السياسية بأوهام الفدرالية و ما كان مطروحا من مشاريع قبل عام 2015

وهذه الأوضاع تغيرت بكليتها سياسيا وعسكريا  فالسلطة في دمشق تسيطر اليوم على أكثر من 70%من مساحة سورية , كما أنها تتجه لتحقيق تفاهمات أقليمية و دولية (سرية أو علنية ) فرضتها المتغيرات الدولية

فالعقل والمنطق والحساب السليم يؤكد أن طريق دمشق هو اقرب واسهل الطرق و أكثرها أمانا لمستقبل الإدارة الذاتية (إذا كانت تبحث عن الإستمرار )  وهي طريق تعرفها جيدا السيدة إلهام أحمد كما يعرفها السيد صالح مسلم .

فالإدارة الذاتية لابد ان تضع في حساباتها مصالح مكونات المنطقة في شرق الفرات وخاصة المكون الكردي لتشكيل مستقبل سوريا بعد الحرب و أنها تحتاج تضافر جهود من بقي من أطراف النزاع لإعادة الإعمار  .

كما يدرك الجميع أن التحالف الغربي عاجز عن حماية قواته حتى يوفر الحماية لغيره و الضربات الجوية التي ينفذها بين الحين و الأخر  لن تؤمن الاستقرار بقدر ما تهدف الى إحداث الفوضى و ستخلق له المزيد من الأعداء في المنطقة والتجارب السابقة له تؤكد ذلك وليتذكروا جيدا  كلمة الرئيس السابق محمد حسني مبارك’’ أن المتغطي بالأمريكي عريان ’’.

ونبقى على أمل أن يسود منطق الحكمة في التواصل بين الأطراف السورية المختلفة لما فيه مصلحة الأهالي  الذين تستمر معاناتهم إنسانيا واقتصاديا و يبحثون عن الأمن والسلام بعد أن  أنهكتهم الحرب المستمرة منذ عدة سنوات .

وإن كنا نسعى لما فيه خير سورية و اهلنا فيها فيجب أن نضع مصلحة الشعب السوري في المقدمة وقبل خلافاتنا و مصالحنا السياسية , و توافقنا الداخلي كسوريين هو أهم من أي توجيه خارجي يفرضه داعم او راعي مؤقت يبحث عن مصالحه في أرضنا وعلى حساب عذابات أهلنا .

السيدة الهام أحمد غردت مساء أمس على موقع تويتر  منتقدة العقوبات الإقتصادية على سورية لأنها وبحسب تعبيرها ’’تزيد في معاناة الفقراء ولا يستفيد منها سوى تجار الحرب ’’ داعية السياسيين في العالم الى الانتباه الى معاناة الشعب السوري ومرحبة بوصول المزيد من نازحي إدلب الى مناطق الإدارة الذاتية في شرق الفرات ولذا فأملنا كبير في أن مجلس سوريا الديمقراطي سيبدي المزيد من المرونة في مفاوضاته مع دمشق و  يسعى خلال الفترة القادمة الى مزيد من العمل السوري المشترك  و مزيد من التواصل وتضافر جهود الإعمار السورية -السورية  .

و لعلنا  -ونحن لانزال في بداية السنة الجديدة – نرى في 2020 اتفاقا يخفف من ألآم السوريين ويطوي إحدى صفحات الإنقسام و الحرب ويكون فيه نهر الفرات مجرى سلام و خير وتنمية وبناء لا حدا عازلا  بين الإخوة أو خط فاصل يقسم مكونات الوطن الواحد .

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here