هل سيشهد العالم “خطة مارشال” صينية لدعم و مساندة البلدان المنكوبة؟

 

 

د. طارق ليساوي

منذ نحو أسبوع تقريبا مؤشر عدد الإصابات في عموم الصين أخد في الإنخفاض، بل “ووهان” نقطة إنطلاق الفيروس، بدأت تعود تدريجيا إلى سابق عهدها ، نعم لازالت المخاوف تسيطر على قيادات الحزب الشيوعي و عموم الناس بالبر الرئيسي للصين، إلا أن الصين تجاوزت ذروة تفشي الوباء، و توجهت نحو دعم البلدان التي إنتقل إليها الوباء، فقد إتجهت الحكومة الصينية نحو إرسال مساعدات طبية في شكل أطقم طبية و أجهزة طبية و كمامات و غيرها ، لإيطاليا و إيران و مصر و العديد من الدول..،و هذا التوجه إيجابي و يعزز التضامن الدولي ، خاصة و أن الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم و تتطلع لقيادة العالم، و تحاول الترويج لنموذجها التنموي و الحضاري و تعزيز قوتها الناعمة..

لكن هذه  المساعدات بنظرنا غير كافية، و البشرية في هذا الظرف العصيب تنتظر أكثر من الصين، خاصة و أن نمو الصين و توسعها الاقتصادي، كان نتيجة للإستفادة من ثمار التجارة الدولية، و إغراق مختلف البلدان بسلع و منتجات مصنعة في الصين .. كما أن زعامة العالم و قيادته ليست تشريف بقدر ماهي تكليف، وتضع على الدولة المسيطرة أعباءا إقتصادية و سياسية و ثقافية كبيرة، خاصة في الظروف الطارئة.. فصعود الولايات المتحدة الأمريكية ترافق مع دعم مالي واضح لأوروبا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، في إطار ما عرف ب”خطة مارشال”، و جهودها لدعم التنمية في اليابان و كوريا الجنوبية و غيرها من البلدان التي كانت محسوبة على المعسكر الغربي…و لا يعني هذا تأييدنا للغطرسة الأمريكية و سلوكها العدواني تجاه عالمنا العربي و الإسلامي خاصة بعد 2001..لكن لا يمكن إنكار الدور الأمريكي في دعم اقتصاديات هذه البلدان و إنقاذها من الخراب و الدمار.. فهل سنشهد “خطة مارشال” جديدة تطلقها الحكومة الصينية لإنقاذ النظام الاقتصادي و المالي  العالمي من الإنهيار؟..

 ذلك أن الأثار السلبية لوباء كورونا، ستكون أكبر و أخطر من الآثار الاقتصادية للحرب العالمية الثانية، و الصين مطالبة بالانخراط بجدية في تحمل مسؤولياتها في دعم الاقتصاديات و الشعوب المتضررة تحديدا بالعالم النامي، بإعتباره الأكثر تضررا من الوباء و تداعياته الاقتصادية،   خاصة و أن صورة الصين إهتزت في العالم، لاسيما مع وجود نية أمريكية ل”فرملة” صعود الصين و تمددها إقتصاديا و سياسيا، و رأينا جميعا كيف أن “ترامب” وصف الفيروس ” بالفيروس الصيني” رغم أن خبراء الفيروسات و منظمة الصحة العالمية ،أطلقوا عليه  علميا إسم” كورونا المستجد” أو “كوفيد 19” ،و هو ما  هز صورة الصين و أضر بقوتها الناعمة، و حالات الإعتداء التي تعرض لها مواطنون صينيون في العديد من بلدان العالم دليل على حالة “الصينوفوبيا”، و الخوف و الهلع من كل ماهو صيني..وقد أدركت القيادة الصينية هذا الأمر..

 كما أن الضغط الذي مارسه الإعلام الدولي هز صورة القيادة الصينية في الداخل و الخارج، لكن بالقدر ذاته علينا الاعتراف و الإقرار ، بأن التسريبات التي أذاعتها وسائل إعلام أجنبية،عن سقوط مواطنين في الشوارع بمدينة “ووهان” تأثرا بفيروس “كورونا المستجد”، لعب دورا لا يمكن إنكاره، في دفع القيادة الصينية إلى تعميم المعلومات حول الفيروس، و محاولة فتح باب تبادل المعلومات و الخبرات مع “منظمة الصحة العالمية” و مع باقي البلدان الأخرى..

و بالرغم من أننا قلنا في بداية تفشي الوباء بالصين على أن ما يحدث هو محاولة لفرملة صعود الصين، إلا أن علينا ان نقر في اللحظة الراهنة، أن ما يفيد الصين و غيرها من شعوب الأرض هو البحث عن أدوات و أليات فعالة لوقف الوباء، و منع إنتشاره كمرحلة أولى، ووقف الإنهيارات المالية و الاقتصادية التي ستحدث في مختلف بلدان العالم كمرحلة ثانية…أما محاولة البحث عن مرتكب الجريمة في اللحظة الراهنة فلا فائدة منه، فأمريكا المتهم الأول تبعا للرواية الصينية، تعاني بدورها من تفشي الوباء، و يحصد كل يوم عشرات الضحايا، و الخسائر الاقتصادية أصبحت خارج السيطرة، و انتخاب “ترامب” لولاية ثانية، أصبح معلقا بالانتصار على الوباء و منع الكساد الاقتصادي..و حتى و إن تمكنت إدارته من محاصرة الوباء، إلا أنها لن تتمكن من التحكم في أثار الوباء الاقتصادي و الكساد الكبير الذي ستعيشه أمريكا و العالم ..

و إذا كان هذا هو حال البلدان القوية و الغنية و المتقدمة، فإن البلدان النامية و الفقيرة هي الخطر القادم، فالبلدان منخفضة الدخل في إفريقيا و أسيا ستشهد كارثة إنسانية: أولا- بسبب تفشي الوباء و ضعف آليات السيطرة عليه، بفعل انتشار الفقر في أوساط فئات واسعة من هذه الشعوب، و التي تعاني من غياب المياه الصالحة للشرب، و ضعف شبكات الصرف الصحي أو انعدامها، بل نذرة الصابون و مواد النظافة و التعقيم، وثانيا- بفعل نقص المواد الغدائية الأساسية، وهو ما قد يترتب عنه مجاعات في العديد من هذه البلدان، لاسيما في ظل الظرفية الدولية التي ستشهد من دون شك إنخفاضا في حجم المساعدات الدولية، و ضعف آليات دعم الأمن الجماعي العابر للحدود…

لذلك ، فإن الصين مطالبة بالتخلي عن النظرة القطرية الضيقة الأفق، و التوجه نحو تحمل مسؤولياتها تجاه شعوب الأرض و خاصة الفقراء منهم، و هي بنظرنا تملك القدرة المالية و البشرية الكافية لتقديم المساعدة، خاصة و أن مسؤوليتها في تفشي الوباء لايمكن إنكارها، فالصمت الحكومي على ظهور الوباء في أواخر عام 2019 بمدينة “ووهان”، و محاولتها قمع كل من نبه بخطورة الفيروس، و من ذلك العديد من الأطباء و الممرضين الذين نبهوا إلى خطورة الوباء منذ بدايته، لعب دورا سلبيا في تفشي الوباء و خروجه عن السيطرة..

و سنحاول في هذا السياق سرد قصة  الطبيب الصيني “لي وينليانغ” الذي توفي جراء الإصابة ب”فيروس كورونا “، بعد أن كان أول من حذر من انتشار الفيروس في مستشفى “ووهان” ، وقد هددته الشرطة حينها ليصمت،وتعكس قصته صورة صادمة للطريقة التي تعاملت بها السلطات المحلية في “ووهان” مع تفشي الفيروس في أسابيعه الأولى، و مسؤولية قيادات الحزب الشيوعي على هذه الكارثة التي اجتاحت الصين أولا  و العالم ثانيا…

ففي يوم 30 ديسمبر/كانون الأول 2019، حاول “وينليانغ” تحذير زملائه من تفشي فيروس خطير في المستشفى، ليأخذوا الاحتياطات اللازمة، وذلك عبر وسيلة التواصل الاجتماعي “ويبو” ، إذ لاحظ إصابة سبع حالات ظنها للوهلة الأولى مصابة بفيروس “سارس”، وهذه  الحالات كانت قادمة من سوق “ووهان” للمأكولات البحرية، وكان المصابون قيد الحجر الصحي في المستشفى التي يعمل به “وينليانغ”..

وبعد إصداره للتحذير زاره مسؤولون في الشرطة وأخبروه بضرورة الصمت، وطالبوه بالتوقيع على خطاب نص على اتهامه “بالإدلاء بتعليقات غير صحيحة” ترتب عليها “إخلالا جسيما بالنظام العام”، وجاء في الرسالة: “نحذرك بشكل رسمي: إذا تماديت في عنادك، بهذا القدر من الوقاحة، وتابعت هذا المسلك غير القانوني، فسوف تمثُل أمام العدالة – هل هذا مفهوم؟” وفي ذيل الرسالة، وقع وينليانغ بخط يده: “نعم، مفهوم”… وكان “وينليانغ” أحد ثمانية أشخاص خضغوا لنفس التحقيق من قِبل الشرطة بتهمة “نشر شائعات”…

ولم يكد يمضي شهر حتى بات هذا الطبيب بطلا في عموم والصين، بعد أن نشر قصته على موقع “ويبو” الصيني، من سريره في المستشفى بعد إصابته بالفيروس، و ما لم يكن يعلمه “وينليانغ” حينها هو أن المرض الذي كان يتحدث عنه هو فيروس كورونا…وفي نهاية يناير نشر “وينليانغ” نسخة من الرسالة وشرح ما حدث، وفي غضون ذلك، قدمت السلطات المحلية اعتذارا له لكن هذه الخطوة جاءت متأخرة جدا.. وقد قوبل خبر وفاته “وينليانغ ” بسيل جارف من الحزن الغضب على موقع “ويبو” الصيني.. و لامتصاص هذا الغضب تقدم الرئيس الصيني باعتذار رسمي ل” وينليانغ” و تم تكريمه بعد وفاته، و رد الاعتبار له و اعتباره بطل وطني….

و إذا كانت الصين قد نجحت في السيطرة على الوباء بأراضيها ، فإنها ملزمة بتقديم الدعم الكافي للبلدان المتضررة، خاصة و أن سلوكها و تعاملها مع المرض ، وتبنيها لأسلوب حظر المعلومات حول الوباء أضر بشعبها و بباقي البلدان، لأن الصين كانت مطالبة بإخبار باقي البلدان بخطر تفشي الوباء، و إشراك منظمة الصحة العالمية باعتبارها الألية الدولية المختصة في هذا الشأن.. لكن حسابات الصين ضيقة الأفق، و التي غلبت منطق الأمن و الاستقرار و المصالح الاقتصادية و التجارية، بدلا عن اتخاذ إجراءات الحجر الصحي المتعارف عليها في مثل هذه الحالات.. و إن كنا نحمل باقي حكومات العالم مسؤولية  تفشي الوباء على أراضيها ، لأنها بدورها لم تتعامل بشفافية و مسؤولية مع الوباء، خاصة و أن أغلب البلدان لها بعثات دبلوماسية مهمة في الصين، و كان على هذه البعثات تنبيه حكوماتها بالخطر الداهم، و قصة “وينليانغ” كانت شائعة في الصين بدءا من منتصف شهر يناير ..

لذلك ، فإن شعوب العالم تنتظر من الصين توظيف مواردها المالية، و تحويل الاعتمادات المالية الضخمة  التي تم تخصيصها لمبادرة الحزام – الطريق، لدعم الاحتياجات الإنسانية الأساسية، في البلدان الهشة إقتصاديا و تنمويا، و في ذلك مصلحة للصين بدرجة أولى، لأنه لا بديل عن ذلك لوقف الانهيار في النظام الاقتصادي و التجاري و المالي العالمي و الذي نراه قاب قوسين أو أدنى…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here