هل سمع أبو مازن عن ابن فتح عمر أبو ليلى؟

نادية عصام حرحش

كنت قد عقدت العزم على عدم الكتابة بموضوع الحرب الدائرة ضد حماس في غزة بسبب اعمال القمع التي يتم تداول صورها على المواقع الاجتماعية والاخبارية المختلفة.

وقد تبدو جملتي الأولى انحيازية لحماس عندما أخرجت حماس من دائرة الحرب لتكون حربا يتم خوضها من طرف سلطة رام الله ضدها. ولن أستطيع التنكر لموقفي، وهذا ليس بسبب اعجابي بحماس او دعمي لما يقترفونه من اعمال مرفوضة ضد الشعب. ولكن محاولة لوضع الأمور في نصابها الطبيعي. لان بالفعل ما يجري اليوم وبعد ما شهدناه من مأساتنا الأخيرة في استشهاد الشاب البطل عمر أبو ليلى في خضم ما يجري من احداث في غزة، يؤكد ان ما يجري من هجوم على غزة ممنهج من قبل سلطة رام الله.

منذ أيام وتتوالى اخبار وصور عن المتحدث باسم فتح في غزة الكاتب عاطف أبو سيف الي تعرض لضرب من قبل أجهزة سلطة حماس في غزة. وكادت صور الرجل المصاب بالمستشفى ان تتصدر واجهة كل ما تراه اعيننا في وسائل التواصل المختلفة. ففي كل لحظة للرجل الراقد -على فراش الموت- كما يتم تداوله لقطة مع شخصية “وطنية” “فتحاوية” مختلفة. للحظات فكرت ان الامر كان طارئا لدرجة ذهاب رئيس الوزراء المستقيل رامي الحمدلله الى غزة للزيارة. كدت ان ابدأ بعملية تهكمي، حتى تيقنت ان الرجل على ما يبدو قد تم نقله الى رام الله، فكيف يمكن ان نصف كم الصور المتلاحقة للشخصيات البارزة للرجل على سرير ـ موته ـ أبو مازن قام بزيارته وكذلك رئيس الوزراء المعين محمد شتيه.

أولا لا بد من السؤال، لماذا تم نقله وكيف تم نقله وسط اعمال القمع والظلامية الحمساوية في غزة؟ هل الرجل بالفعل يصارع الحياة في هذه اللحظات؟ وان كان نعم، فأين حرمة الانسان وخصوصيته في تداول هذه الصور له؟ ان كان الرجل على حافة الموت بسبب الضرب المبرح، فكيف يأتيه كل هؤلاء الزائرون؟

فجأة طبعا صار الرجل علم الادب والعلم والفكر.

انا لا اقلل من قيمته ولا أصفق لحماس صنيعها. بل تستحق حماس ان تصفع مقابل سياستها القمعية. ولكن ليس هنا مربط الفرس كما يقال.

وكما أخطأت حماس بقمع الحراك في غزة، والذي لا يستطيع اثنين بهما عقل يفكر ان يستغرب منه. فغزة تعيش على حافة العدم منذ سنوات. وما يعانيه الانسان الغزي يثير العجب عند تأمل كيف يستطيع الانسان ان يتحمل هكذا حياة صعبة الى درجة المستحيل. وفي غزة لا يختلف وضع الفساد عن الضفة لما تراه العين العابرة، فكم العمار والمساجد والمطاعم والفنادق والاستثمارات والفلل والبيوت التي تشيد أقرب الى القصور مقابل حياة العدم التي يعيشها الانسان العادي، تؤكد ان هناك خللا حقيقيا يحدث في غزة بالإضافة الى مأساوية الوضع المترتب عن الحصار.

حماس تقود بالشكل الاعتيادي بلا شك تحديا أقرب الى المستحيل بالبقاء كذلك، وعليه بين الفساد الواضح والفقر الذي أوصل الناس الى الجوع، فانه من الطبيعي ان يثور هذا الانسان ضد الضرائب.

التعامل مع اهل غزة كما يتم التعامل معهم على مدار السنوات الأخيرة لن يؤدي الا الى هكذا كارثة اجلا كان ام عاجلا، وبينما تمنينا ان يخرج عاقل من حماس ليحسن الوضع، بدأت المناكفة بين أطراف النزاع ولم يعد المواطن الذي خرج ضد الجوع هو جوهر الموضوع، وصار الصراع الدموي بين الفصيلين هو أصل ما يجري، وكل يستغله الى جانبه.

الكثير من التصريحات المعيبة خرجت من كلا الطرفين، والكثير من الإجراءات غير المدروسة اكدت ان نوايا حماس ليست بالنوايا الحسنة، كما اكدت ان فتح وجدت من اثارة الشارع ضد حماس فرصة أخيرة.

بين كل هذا، خرج الشهيد عمر أبو ليلى ليغير مجرى الاحداث. وكرفاقه من قبله حول البوصلة الى رام الله من جديد.

ولكن لم تكن العملية النوعية التي قام بها الشاب الباسل، ولا العملية التالية لاستشهاده اهم بالنسبة لأطراف السلطة الفتحاوية من تأجيج نار الضجة في غزة.

فكما أخفقت حماس في تعاملها مع الموقف بالبداية، أخفقت سلطة رام الله مرات متكررة، عندما لم تجعل من موضوع عمر أبو ليلى هو الموضوع الأهم، ومرة أخرى عندما لم يخجل ارباب تنسيق سلطة رام الله من الإعلان بأنهم تعاونوا ورتبوا مع الاحتلال عملية الإمساك بالشهيد. لم ينكر متحدثي السلطة هذا بل أعلنوه كما اكدت وسائل الاعلام الإسرائيلية هذا.

في المقابل خرج نتانياهو نفسه ليهنئ جيشه على قتل الشهيد عمر، وأعظم ما رأيناه من أبو مازن كان زيارته لعاطف أبو سيف.

ما الذي يريد أبو مازن قوله لنا؟ ان شعبه هو فقط أبناء فتح الابرار؟

ولكن عمر أبو ليلى من أبناء فتح الابرار ومن مجموعة “فوضناك”، اعلام فتح ونياشينها تزين سرير الشهيد البطل يتداولها الاعلام في كل مكان.

عمر أبو ليلى كان فتحاويا محبا مبايعا لأبو مازن. هل تأكيد أبو مازن لعدم تبنيه لهذه العملية ولرفضه للمقاومة المسلحة يعني مروره عن الامر كأن شيئا لم يحدث؟

في وضع مزري كهذا، تكثر التعقيدات في الانتماء الفتحاوي، فبينما تتفاخر فتح في شهيدها، يتنصل رئيس فتح من هذه الشهادة، بل يؤكد من خلال اجهزته على ضلوعه ومساهمته الفاعلة في إيجاد الشاب واغتياله.

ومع هذا يستمر اعلام سلطة فتح في الهجوم على حماس وقمعها للحراك الشعبي.

بين كل هذا يرثي كل مواطن شريف عمر أبو ليلى، مرة رافعا رأسه بأن هذا الوطن لا تزال امهاته تخرج من ارحامها ابطالا، ومرة متطأطئا رأسه لتلك الارحام التي انجبت انذالا، كبروا ليتوجوا أنفسهم بخيانات لا تتوقف.

كيف يقف أبو مازن اليوم امام نفسه، ولقد خرج الرئيس اللبناني نبيه بري ليرثي الشهيد عمر أبو ليلى؟

كنت حتى هذه اللحظة أستهزيء من جدية عبارة أبو مازن بشأن التنسيق الأمني بأنه مقدس، لأفهم الان انه جدي بالمطلق، والتنسيق الأمني عنده اهم من كل واي فلسطيني….بل التنسيق الأمني حتى اخر انسان فلسطيني اذا ما تطلب الامر ذلك….. والشهيد عمر أبو ليلى والشهداء الأربعة الاخرون في نفس اليوم شهداء على ذلك.

المجد والخلود لشهدائنا الابرار….

فستبقى فلسطين طالما هناك رحم يخرج منه عمر…

كاتبة من القدس

http://nadiaharhash.com

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. كلام جميل ومعبر عما يجول في صدري
    خلص المقال بسرعة
    كان جدا ممتعا

  2. برافو برافو
    مقالك قمة بالروعة
    مشكروة على تذكيرنا بالحقيقة المرة

  3. نعم من قتل عمر هو التنسيقالأنتي والتجسس لصالح العدو وهم يفتخرون بذلك, لكن هنالك الكثير من يدافع عنهم ويعتبرهم قدوة
    لايخفى ختى على المعاقين عقليا ان من قتل عمر هو ماجد فرج وزبانيته ورئيسه
    تشكري على جكيع ما تفضلتي به من تعابير تعبر عن نبض الشارع الفلسطيني والعربي

  4. The bitter truth…is clear …we appreciate your courage,honesty and the your pointing to the source of epidemy!!!!

  5. كما أنت دائما صادقة وغيورة كلمة الحق دائما علي لسانك تقال ومن مداد قلمك تجري ، بارك الله فيك وبك .

  6. الأستاذة نادية
    تحية لقلمك المسنير
    أن الأوان لتسمية الأمور بمسمياتها
    التنسيق الأمني هو تجسس لصالح إسرائيل
    أعضاء السلطة بما فيهم محمود عباس انما جواسيس وخونة
    السلطة الفلسطينية عدو للشعب الفلسطيني

  7. أحسنت قولا عبرت عن كل الفلسطينيين وكل العرب وكل المسلمين , بارك الله بك.

  8. ما العمل… هل ننتظر استشهاد أحد المناضلين حتي نكتب بعض الكلمات بالتعزيه…أم علينا واجب مقدس كما هو واجب الشهيد. بالعمل النضالي العملي وليس فقط من خلال مقالات لا تغني من جوع
    نعم للبندقيه. ورفض الاخيانه. أوسلو. وأصحابها
    نعم للعصيان المدني حتي تعود القياده الفاشله العميلة الفلسطينيه الي البوصلة التحريرية الفعليه العسكريه
    .. فلسطين المنكوبة علينا واجب مقدس بتحريرها كامله وشاملة فهل من مجيب ؟؟؟

  9. فستبقى فلسطين طالما هناك رحم يخرج منه عمر…
    ==================================
    رحمة الله على شهدائنا الأبرار و الصبر و السلوان لذويهم,,,,, و اللعنة الأبدية على من باعوا شرفهم بثمن بخس….يعجز اللسان عن وصف مصيتنا مع هؤلاء العجزة

  10. لم أجد ما أعلق به يا نادية ..كوني كما أنت …. لظل أهله فتوهجي …………………

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here