هل حقا ان الولايات المتحدة تريد كشف الفساد والفاسدين في العراق؟

سعد ناجي جواد

فجاءة وبدون سابق إنذار أصدرت الحكومة الأمريكية (وزارة الخزانة) قرارا بوضع اربعة مسؤولين ومتنفذين عراقيين على لائحة الأشخاص المشمولين بالعقوبات. وشملت العقوبات اثنين من المحافظين السابقين، احدهما برلماني حالي، وقائدين لفصيلين من الحشد الشعبي. وهذا العدد المتواضع لا يمثل سوى واحد بالمليون من المسؤولين الفاسدين والمنتهكين لحقوق الإنسان الذين عاثوا تدميرا في العراق بعد الاحتلال، (ولو ان هناك اخبارا تقول ان اسماء أخرى سيجري الإعلان عنها في القريب العاجل من قبل السلطات القضائية الأمريكية). في نفس الوقت اعترف رجل أعمال من اصل عراقي يعمل في مجال النفط بالذنب أمام محكمة بريطانية بدفعه رشاوي كبيرة لمسؤولين عراقيين كبار وعديدين لترويج عقود لمد انابيب و استثمارات نفطية في جنوب العراق. كما تزامن مع هذه الأحداث صدور مقال لباحثة شابة تحدثت فيه عن عِظم الفساد في اقليم كردستان العراق وخاصة في قطاع الاتصالات الذي بدوره يشمل هذا القطاع في كل أنحاء العراق. هذه الأخبار تمثل غيضا من فيض في بلد وصل فيه الفساد إلى درجات غير مسبوقة و لا يمكن ان يصدقها العقل. وفي كل يوم يظهر علينا من يخبرنا بنوع جديد من أنواع الفساد الذي انتشر في العراق، لعل اخر أمثلته الحديث الذي ادلى به القائد العسكري الكبير في جنوب العراق والذي قال فيه ان كل محاولات قواته لمكافحة تجارة المخدرات القادمة من دول الجوار تصطدم بنفوذ وحماية شخصيات كبيرة ومتنفذة في الساحة السياسية العراقية.

الاسئلة التي تتبادر إلى الذهن حول هذا الموضوع كثيرة، وتجري على كل لسان تقريبا. السؤال الأول هو هل ان مهمة كشف الفساد والجرائم في مجال حقوق الإنسان في العراق من صلاحية ومهمة الدول الخارجية؟ السؤال الثاني لماذا لم تقم الحكومات العراقية المتتالية بعد الاحتلال بأخذ هذه المسالة على عاتقها ومحاسبة الفاسدين والمتورطين؟ أو على اقل تقدير اتخاذ إجراءات قانونية بحق الأشخاص الذين تدينهم المحاكم الأمريكية والأوروبية؟ والسؤال الثالث هو ماذا ستفعل الحكومة العراقية تجاه هذه القرارات والتي شملت برلماني يتمتع بالحصانة البرلمانية؟

ربما يكون أفضل اجابة على هذه الأسئلة هو رد فعل الحكومات العراقية المتعاقبة على إجراءات قضائية سابقة اتخذتها حكومات اجنبية ضد متورطين في الفساد في العراق، مثل ما حدث في عام ٢٠١٠ عندما حكمت محكمة بريطانية على رجل أعمال بريطاني بالسجن والغرامة المالية الكبيرة لبيعه اجهزة خادعة للعراق على أساس انها كاشفة للمتفجرات. وقيل في تلك الفترة ان المحكمة البريطانية سلمت موفدا من الحكومة العراقية تفاصيل واسماء المتورطين من الجانب العراقي، ولكن العراق لم يفعل شيئا لسببي بسيطين الأول هو ما اشيع عن ان الموفد العراقي إلى لندن كان هو احد المتورطين في هذه الصفقة الفاسدة والثاني هو ان الاسماء الأخرى التي تورطت في العملية شملت سياسيين ومتنفذين في الحكومة العراقية آنذاك من الأحزاب الدينية الحاكمة. وهذه الحادثة وغيرها من الحوادث، مثل تقارير لجان المراقبة المالية الأمريكية حول العراق، كلها لم تلق آذانا صاغية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة مما يوكد حقيقة تجذر الفساد إلى درجة كبيرة من ناحية، واشتراك الغالبية العظمى من السياسيين فيه وضعف المحاكم العراقية في مواجهة هذه الآفة من ناحية أخرى.

بالعودة إلى القرار الامريكي الأخير، فهو أولا لا يمكن ان يحقق أي شيء على ارض الواقع حيث ان اغلب الذين شملتهم القرارات لا يملكون حسابات في البنوك الغربية، واذا ما كانت لديهم فانها في الغالب مسجلة بأسماء غير اسمائهم. أضف إلى ذلك ان ما سيخسرونه في حالة وجود مثل هذه الحسابات الخارجية يمكن ان يعوضوه بأيام قليلة طالما انهم مستمرين في أعمالهم ومناصبهم. ثانيا، ان الولايات المتحدة تسترت ولا تزال تتستر على فاسدين كبار ومنتهكين لحقوق الإنسان في العراق، وهربت بعضهم من السجون (وزير ومحافظ سابقين) لسبب بسيط هو انهم من المتعاونين معها وقدموا لها خدمات كبيرة قبل وبعد الاحتلال، ولانهم يحملون الجنسية الأمريكية. ثالثا، وهذا امر مؤسف تماما، ان تصدر هكذا إدانات من الإدارة الأمريكية التي كان ممثلها بعد الاحتلال، سيء الصيت بول بريمر، اول من بدا وأسس لمسيرة الفساد في العراق وتستر عليه وعلى الجرائم التي ارتكبت في مجال حقوق الإنسان من قبل القوات الأمريكية والبريطانية في أبو غريب والبصرة، ولم يتم محاسبة بريمر أو أي من الأشخاص الذين عملوا معه على هذه الجرائم. أقول ان هذه القرارات كما صدرت سوف يعتبرها من شملتهم (وساما) لهم يتفاخرون به على أساس انها صادر من قوة محتلة وملطخة يدها بدماء الشعوب، وتقف إلى جانب طرف احتلالية استيطانية مثل الكيان الصهيوني وسيعمدون إلى استغلالها لتحسين صورتهم والتغطية على فسادهم وجرائمهم.

ان من يجب ان تصدر عنه مثل هذه القرارات والإجراءات هو الحكومة العراقية. وان من يجب ان يدين الفاسدين هو قضاء عراقي نزيه. و في ظل سكوت الحكومة العراقية والقضاء العراقي عن الفساد و الانتهاكات التي تمارسها مليشيات تعمل ضمن النظام الرسمي، سوف لن يكون هناك أي علاج للظواهر السلبية التي عانى منها العراق منذ بداية الاحتلال البغيض و لحد هذا اليوم.

  • https://www.theguardian.com/uk-news/2019/jul/19/uk-oil-executive-basil-al-jarah-admits-role-in-international-corruption-conspiracy

  • •https://moderndiplomacy.eu/2019/07/17/iraq-corruption-menaces-both-average-citizens-and-outside-investors/

Print Friendly, PDF & Email

20 تعليقات

  1. أبو أحمد
    سلام الله عليك أستاذ دكتور سعد جواد المحترم
    أسعدني جدا مقالك الهادف المترابط ,لقد وضعت العنوان دالا على مضمون ما ورد فيه , فأنت اليوم كعادتك ذلك الفارس الشجاع العربي الذي امتطى صهوة جواده طالبا من الشعب أن ينفض غبار الخدر والكسل ويواجه محنته المخيفه بنفسه , فما حك جلدك مثل ظفرك ,وليست القوات الأجنبية قادرة على ازاحة الفساد لأن الفساد نما وترعرع في أحضان الاحتلال ومباركة الاتفاق النووي الذي تسارع في اصداره أوباما فأطلق يد الفرس فتوحشوا على دول الجوار من العرب خصوصا العراق وسوريا ولبنان واليمن. حياك الله أستاذنا.

  2. وبعد …. الدكتور سعد جزاه الله خيراً أورد معلومة يعرفها كل العراقيين ، والأخوة الأعزاء الذين ادلوا بدلوهم في التعليق على ماأورده الدكتور سعد لم يتعدى الثناء المستحق لكاتب المقالة ، السؤال الأهم ( ماهو الحل ) بعض الأخوة اقترحوا ثورة شعبية عارمة وهذا لم ولن يحصل في المجتمع العراقي بعد الاحتلال حَيثُ الطائفية والمذهبية أصبحت تعلو على الوطنية ، الجيش الذي كان يُمكن ان يكون هو الأداة للقضاء على الفساد المستشري في العراق باعتباره مؤسسة وطنية اصبح جيش طائفي وميليشياوي بعد ان تم تسريحه من قبل بريمر بعد الاحتلال ، الحل لم ولن يأتي من داخل العراق ، الحل يكمن في تطبيق مقولة (وداوها بالتي كانت هي ألداء) واللبيب من الإشارة يفهم . تحياتي

  3. يا راجل قلها و توكل على الله ،، العراق مستعمرة ايرانية و القرار العراقي بيد طهران ،،، و امريكا و ايران حبايب بالعراق منذ ان قبض السيستاني 200 مليون دولار و أفتى بحرمة مقاومة الاميركان ،،

  4. الفساد هو السوسة التي تنخر في عظام الدولة لتسقطها ومن الصعب في مكان القضاء عليه لان الكل مسوس.

  5. دكتور كمال مجيد المحترم.. الصراحة نفتقد مقالاتك الراقية في جريدة رآي اليوم الغراء! هل تنشر مقالاتك في منابر اخرى؟ مع كل تحياتي لك وللدكتور سعد.

  6. لماذا لم تقم الحكومات العراقية المتتالية بعد الاحتلال بأخذ هذه المسالة على عاتقها ومحاسبة الفاسدين والمتورطين؟

    لانها هى اصل الفساد و فروعه و ثماره ……………. كيف يحاسب الفاسد نفسه ؟؟؟؟……..

  7. هل ان مهمة كشف الفساد والجرائم في مجال حقوق الإنسان في العراق من صلاحية ومهمة الدول الخارجية؟

    نعم …….,.. فى بلد كله فاسد من قمة راسه الى اخمص قدميه

  8. الى الاخ ابن العراق
    لماذا تعتقد بأن الدكتور سعد لا يتفق معك ؟ مع علمي انه لمح في مقالات سابقة واكد على ضرورة توحيد جهود الشعب ضد الفساد وضد الاحتلال. بالتأكيد لا يمكن انقاذ العراق الا بـ (( الثورة العارمة للشعب العراقي )) كما تقول. ولكن الثورة تحتاجقبل كل شئ الى توحيد الشعب تحت قيادة حكيمة .
    كمال

  9. الاستاذ الكريم البروفيسور كمال مجيد جملتك الاخيرة توحي بأنك تعتقد ان الأشخاص الذين صدرت بحقهم هذه العقوبات انما استهدفوا لكونهم يقفون ضد الاحتلال ، وهذا ما لا اعتقد انك تقصده. الذين صدرت بحقهم هذه العقوبات أناس فاسدون و قتلة وسراق، والدكتور سعد كان واضحا عندما قال ان هؤلاء الفاسدون المتجاوزون على حقوق الانسان سيحاولون ان يبيضوا صفحتهم بادعائهم بأنهم استهدفوا لكونهم معادين للولايات المتحدة وهم ليسوا كذلك أبداً، ولديهم الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة اذا سكتت عن فسادهم وتجاوزاتهم.

  10. أصل الفساد في العراق وسببه هي أمريكا نفسها فهي التي تصنّف العراقيين من هم الأخيار ومن هم الأشرار , وفق معيار واحد ووحيد , عملاؤها هم من الفريق الأول ومناوئوها من من الفريق الآخر أي من المغضوب عليهم ولا الضالين .

  11. يا دكتور أنت إنسان واعي وفاهم كيف يمكن ان تتصور ان فاسدين يمكن ان يوقفوا فسادا، وكيف يستطيع قضاء ينخره الفساد محاربة هذه الظاهرة. الولايات المتحدة مستعدة للسكوت عن اكبر حيتان الفساد في العراق ، وهي حقيقة تفعل ذلك، على شرط ان تضمن ولاء هؤلاء الفاسدين. فقط الثورة العارمة للشعب العراقي تستطيع ان تنقذ البلاد والشعب من هذه الآفة الفتاكة

  12. كعادته يبدع الاستاذ و المفكر الجليل سعد جواد بتحليله للأوضاع المزرية و المتفاقمة التي فرضت على العراق الأبي و شعبه الشهم منذ الاحتلال الغاشم في ٢٠٠٣. من الأكيد ان الجواب على سؤال المقال ان كانت الولايات المتحدة حقاً تريد كشف الفاسدين هو كلا ثم كلا. ان السبب الرئيسي لاحتلال العراق كان لتدمير طاقاته و عروبته و كرامته، و من اجل ضمان تحقيق ذلك سلمت واشنطن السلطة لزمر من الأرجاس همهم الوحيد جمع المال الحرام و السعي لنخر عزة الشعب و سرقة أموال الوطن باًي وسيلة ظالمة كانت.. هؤلاء الساقطون قد لا يدركوا أي عذاب الليم ينتظرهم، سورتان في القران الكريم بدأت بالويل: “ويل للمطففين” و “ويل لكل همزة لمزة”, المطففين هم المحتالين سراق أموال الناس. الحل الوحيد للمأساة العراقية هو إعصار جماهيري من العزة و الكرامة يقلع الزمر الآثمة التي تحكمت بمقدرات العراق منذ الاحتلال، فكما يقول الله تعالى “وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا و جعلنا لمهلكهم موعدا” صدق الله العظيم.

  13. لقد سلط المقال الضوء على جوانب مهمة فيما بتعلق بالفساد في العراق وفي الوقت نفسه اثار تساؤلات مهمة تتعلق بالموضوع مدار البحث. فهل سيستفيد الحكام في العراق من هذه الأفكار؟

  14. استاذنا الفاضل الفساد في العراق ليس من صنع أميركا فقط يجب ان نعترف ان الأحزاب السياسية العربية والكردية السنية والشيعية التي جاءت بعد الاحتلال هي التي أسست للفساد في العراق، ربما ما تفعله الولايات المتحدة هو خطوة في الاتجاه الصحيح، و ربما تتبعها خطوات مفيدة، دعنا نامل ذلك

  15. احسنت د سعد وبارك الله فيم على الأقل انك تطلعنا على الخبايا التي لا نعلم عن قيم كبير منها واقصد خبايا السياسيين الفاسدين وغيرهم

  16. سلمت يداك على المقال المكتوب، استاذنا الفاضل، اذ اشرت بشكل واضح لمفاصل وحيثيات مهمة حول الفساد والمفسدين في العراق. رعاك الله

  17. الأخ د يعد أنا مثلك اتساءل ألم تجري كل أعمال الفساد تحت بصر وسمع الامريكان الذي يمثلون السيد المهيمن في العراق ؟ وأني اتواصل مع اصدقاء العمر من الاساتذة في بغداد والبصرة وكركوك والموصل وكردستان وهم يحكون لي فضائع الفساد في انحاء العراق ويبقى السؤال الملح ما هو الحل؟ لا يخفى عليك ان مخطط الاحتلال الذي رسم في تل ابيب وواشنطن يقضى بتحويل العراق الى كيان هزيل ومخترق تحكمه احزاب سبعة سبق الاتفاق معها في مؤتمر لندن عام 2002 واربيل عام 2003 قبل الاحتلال وتم تطبيقه على يد حاكم العراق بول بريمر وسيظل هذا الحال الا بمعجزة تفرض التغيير. انا متشائم ولا امل في الاصلاح وسيظل الحال كما هو ربما لعقود قادمة والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي المخدر بالخرافات مع كل تقديري

  18. عزيزي البروفيسور سعد
    سؤالك الاول هو ((هل ان مهمة كشف الفساد والجرائم في مجال حقوق الإنسان في العراق من صلاحية ومهمة الدول الخارجية؟ )) سؤال وجيه ذلك لأن المتورطين مازالوا في الحكم . علما ً بأن تدريبهم قد تم من قبل بريمر، الذي سرق، هو ايضا ً ، عدة بلايين حين كان الحاكم الفعلي، وذلك حسب تصريح بحر العلوم ، العضو في مجلس الحكم البريمري. من الضروري الاشارة الى أن امريكا سوف لا تشمل السيستاني بهذه العقوبات بالرغم من استلامه الخمس من معظم السرقات وذلك خوفا ً من اصداره فتوى تحرم الاحتلال. ولا تشمل مسعود البارزاني لأن معظم ما يسرقه من البترول يصل الى اسرائيل. ارجو منك ان تتفق معي بأن تكون عقوبات امريكا على الفاسدين جزئية ذلك لأن السلطة (( الدولة والحكومة والبرلمان )) مضمونة بيد اتباعها. انا اتوقع بأن الحملة ستتوجه نحو الذين يقفون ضد الاحتلال وضد العدوان على ايران بحجة محاربة الارهاب.
    مع الشكر والتقدير
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here