هل جاءت روسيا الى سورية لحماية المسيحيين الأرثوذكس؟ اجبنا يا متحدث الرسمي باسم “حميميم”

د. عبد الحميد فجر سلوم

تناقلت وكالات الأنباء تصريحا للسيد أليكسندر إيفانوف المتحدث الرسمي باسم قاعدة حميميم يوم 24 تموز 2019 وذلك عبر قناته في تيليغرام، يقول فيه أن: (القوات الجوية الروسية تشن هجمات مركزة ومكثفة على محافظة إدلب ردا على قصف مسيحيين أورثوذكس في مدينة محردة .. وأن دخولنا إلى سورية هو لحماية المسيحيين فقط ، لكن رغم كل هذا القصف تستمر المجموعات الإرهابية بالاعتداء على محردة . يجب أن نجد حلا سريعا لهذا الأمر) .. هذا هو التصريح كما تناقلته بعض الوكالات..

إن كان هذا التصريح صحيحا فهو تصريح غبي ويتناقض مع كل تصريحات الرئيس بوتين بالماضي التي أكد خلالها عدة مرات أن التدخل الروسي في سورية كان لمنع انهيار مؤسسات الدولة.. وكذلك لمنع انتقال الإرهاب لاحقا إلى الاتحاد الروسي عبر آلاف المقاتلين من بعض الجمهوريات الروسية الإسلامية ومن بعض جمهوريات آسيا الوسطى القريبة من روسيا .. فكان القرار هو القضاء على هؤلاء في سورية حتى لا تتسنّى لهم العودة إلى بلدانهم وتشكيل خطر على أمن روسيا..

اليوم نسمع تصريحا غريبا من السيد إيفانوف الناطق باسم قاعدة حميميم.. وكأن الإرهاب هدّد واستهدف فقط الأخوة المسيحيين في سورية ولم يستهدف كل مكونات الشعب السوري، حتى يقول أنهم جاؤوا لحماية المسيحيين.. لم تتعرض محردة للقصف أكثر مما تعرضت له سلحب وجورين والجيِّد والعزيزية وغيرها من قرى الغاب، وهذه ليست قرى مسيحية.. الإرهاب لا يعرف مسيحي وغير مسيحي والفظائع التي ارتكبتها داعش وأخواتها وبنات عمومتها بحق المسلمين والإيزيديين أضعاف ما ارتكبته بحق المسيحيين، فلماذا هذا العزف الطائفي وما هي المصلحة الروسية بذلك؟. ولِمنْ هذه الرسالة؟.

هناك مسلمون في سورية وخارجها  قد يرون في هذا التصريح استفزازا لأنه يذكرهم بزمن الحملات الأوروبية على المشرق تحت يافطة حماية المسيحيين، بل هو لا يخدم على الإطلاق مصلحة المسيحيين بهذا التصريح لأسباب عدّة لا يتّسع المجال للحديث عنها، وما كان على المتحدث السيد إيفانوف الوقوع بهذه الغلطة.. ولا يجوز لمتحدث روسي رسمي أن يتحدث عن استخدام الدين لتبرير التدخل الروسي فهذا لا يخدم الموقف الروسي.. وكان حريا به أن يتحدث عن حماية كل أبناء الشعب السوري من موجة إرهاب ضربت سورية وأن التدخل لم يكن لحماية طائفة دون غيرها، وأن روسيا لا تميِّز بين الطوائف..

هذا الخطأ الذي وقع به السيد إيفانوف لم يقع به أي متحدث باسم التحالف الغربي ضد الإرهاب..

إذا هكذا، روسيا تدخلت في سورية لحماية المسيحيين.. وإيران تدخلت لحماية المقدسات الشيعية.. وتركيا تدخلت لحماية حدودها وأمنها القومي ومساعدة أهل السنّة (مع الاعتذار لاستخدام هذه التعابير) والولايات المتحدة تدخلت لحماية الأكراد.. والسعودية تدخلت نكاية بعلاقة النظام بإيران، وقطَر تدخلت لدعم الأخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة الممولة من قطر.. وإسرائيل تتدخل وتقصف متى ما شاءت وأينما شاءت تحت ذريعة متطلبات أمنها القومي.. وكأن سورية كَرْما داشرا لهذا وذاك ولا توجد بها دولة ولا حكومة!.. فماذا ترك كل هؤلاء للحكومة السورية؟.

الحكومة السورية هي المسئولة عن حماية كل أبناء شعبها بكافة مكوناته، وكافة المقدسات الإسلامية والمسيحية وغيرها، وروسيا جاءت لمساعدة الحكومة السورية في تحقيق هذه الأهداف.. هكذا يجب أن يكون الخطاب السياسي والإعلامي، وإلا ففيه إساءة للحكومة السورية ذاتها..

تصريح الناطق باسم قاعدة حميميم يعيدنا إلى زمن السلطنة العثمانية حينما كانت هناك اتفاقات بين روسيا القيصرية وبين السلطنة العثمانية لحماية المسيحيين الأرثوذكس في الأراضي الخاضعة لهذه السلطنة.. ولكن ذاك الزمن ولّى وولّت معه كافة تلك الاتفاقات.. واليوم باتت هناك دولا مسؤولة عن حماية كل مواطنيها.. ولا يجوز لأي دولة أجنبية أن تأتي لهذه الدولة أو تلك سواء في العالم العربي أم في أفريقيا أم غيرها تحت يافطة حماية ” المسيحيين” كما كان يحصل بزمن الغزو الاستعماري الغربي..

ثم ها هي إسرائيل احتلت كل أراضي المسيحيين في فلسطين وهجّرتهم من قراهم وديارهم التاريخية، وحاصرتهم بالكنائس في أيار عام 2002  في كنيسة المهد في بيت لحم حينما اجتاحت مدينة “جنين”  ولم نرى روسيا ولا غيرها تدخلت عسكريا في فلسطين لحماية المسيحيين .. بل كم مرة طالبت السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس بحماية دولية للفلسطينيين من انتهاكات إسرائيل ولم يستجب لهم أحدا!. لماذا؟. لأن الأمر يتعلق بإسرائيل، وأمام إسرائيل كلهم راضخون.. بل كلهم يؤكدون وفي كل مناسبة أن أمن إسرائيل خطا أحمرا لديهم، وأولهم روسيا.. علما بأنه لا أحدا يهدد أمن إسرائيل وإنما العكس فإسرائيل هي من تهدد أمن الجميع، وطائراتها تنتهك باستمرار السيادة اللبنانية والسورية وتقصف وتعود وكأن شيئا لم يكن بالنسبة لروسيا وغير روسيا..

في سورية اليوم هناك حربا ما زالت مستعرة، وأكبر ضامن لحماية الأخوة المسيحيين وغير المسيحيين من مكونات الشعب السوري هو قيام روسيا بجهود جدية وحثيثة وحقيقية وصادقة لوضع نهاية لهذه الحرب المأساوية التي أبادت البشر والشجر والحجر، ودفَع أثمانها غاليا أولاد الفقراء، والمضي بعزيمة وإصرار نحو الحل السلمي الذي ينطلق من قاعدة أنّ سورية للجميع وهي أكبر من الجميع ولا يوجد أحدا أكبر من سورية، وعليه يجب أن يكون الحل على مقاس مساحة سورية ومستقبل أولادنا وأحفادنا والأجيال القادمة، وليس على مقاس روسيا أو أمريكا أو تركيا أو إسرائيل أو أي طرف بعينه.. ويقطع الطريق أمام أية حروب مستقبلية..

نريد لأولادنا وأحفادنا أن ينعموا بحلٍّ عادل ودائم ومُرضٍ للجميع وغير متحيِّز أو مُجيَّرٍ لمصلحة طرف بعينه.. وهنا تتجلّى معاني الوطنية.. وهناك قرارات دولية واضحة وتساعد بهذا الشأن.. وإلا فلن يكون حلا عادلا، وبالتالي لن يكون حلا دائما وسوف تتجدد الحروب مستقبلا لدى الأجيال القادمة، وسوف تأتي كل القوى الخارجية من جديد لحماية هذا وذاك وتفقد سورية سيادتها وقرارها وتصبح رهينة بين أيدي القوى الخارجية..

هناك من لديهم المقدرة على أن يعيشوا خارج سورية، ولا تفرق معهم، فثرواتهم هائلة (جمعوها من رواتبهم ولم يكونوا مسرفين مثلنا يصرفون كل الراتب) وبإمكانهم أن يشتروا أغلى القصور والفلل والشقق الفاخرة والسيارات الفارهة، في دبي وأبو ظبي والكويت وقبرص وباريس ولندن وواشنطن ونيويورك، وفي روسيا، وبيلا روسيا، ورومانيا وهنغاريا وغيرها.. ويستثمرون في شتى الميادين.. ولكن ماذا عن الفقراء الذين هم أكثر من 85% من أبناء الشعب السوري، فإلى أين سيذهبون!. هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقية بالحل السلمي العادل والدائم حتى لا تتكرر الحروب ويدفعون الأثمان غاليا من جديد.. وهؤلاء هم أعداء الإمبريالية الحقيقيون وليس من يدّعون معاداة الإمبريالية بالكلام بينما لا يعجبهم إرسال بناتهم وأولادهم للدراسة إلا في بلدان الإمبريالية كما بريطانيا والولايات المتحدة.. ويؤلفون الكتب ضد الإمبريالية وبناتهم وأولادهم يحملون الجنسيات الإمبريالية ويقيمون في دول الإمبريالية؟.

المطلوب من الرئيس بوتين العمل على الحل السياسي والإسراع في ذلك لأنه بقدر ما يسرع في الحل السياسي فإنه يوفر وينقذ حياة العشرات من الضحايا الذين يفقدون حياتهم كل يوم، من مسيحيين وغير مسيحيين..

الرئيس بوتين ذاته يدرك أن الحرب طالت، والناس ملّت منها وتريد وضع حدٍّ نهائي لها، والخلاص من هذا الموت العشوائي من كافة الأطراف.. كَمْ كان حزينا أن يقضي أبٌ وطفلتيه بصاروخ من التنظيمات التكفيرية المسلحة سقط فوق سيارتهم في بلدة “ناعور جورين” في منطقة الغاب الغربي قبل بضعة أيام فقط!.. من يأكل العصي ليس كمَن يعدّها.. ومن يأكل العصي هم الفقراء وأولاد الفقراء..

الرئيس بوتين يدرك أنه كلما تأخر الحل السياسي في سورية كلما أصبح الوضع الحالي القائم أمرا محتوما، وقد تُعلَنُ بعده الحدود الإدارية رسميا في مناطق قوات سورية الديمقراطية الكردية ، ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون التركيتين، والمناطق المنزوعة السلاح في محافظة إدلب التي تم الاتفاق عليها بين الرئيسين بوتين وأردوغان في سوتشي في 17 أيلول 2018 ..

في موقع “روسيا اليوم”  وعلى الخط المفتوح، كان هناك استطلاعا منذ بضعة أيام حول سؤال يقول : هل تؤيد إعلان الكرد للفيدرالية في شمال سورية؟. أجِب بـِ ” نعم” أو “لا” .. والغريب أن يوضَع هذا الاستطلاع على موقع روسيا اليوم وهو تصويت استفزازي يرمي إلى تهيئة الرأي العام لإقامة فيدرالية كردية في شمال سورية مدعومة من الولايات المتحدة ومن إسرائيل، وأخشى أن يكون من روسيا أيضا، لأن بعض المسؤولين الروس هم أول من اقترح نظام الفيدرالية في كل سورية منذ العام 2013 ..

بل كانت هفوة وزير الخارجية السورية وليد المعلم حينما صرّح لقناة ” روسيا اليوم” في 27 أيلول 2017 قائلا: (بأن إقامة نظام إدارة ذاتية للأكراد في سورية أمر قابل للتفاوض والحوار، في حال إنشائها في إطار حدود الدولة).. وكان الأجدى القول بأنه لا يمكن الحديث عن إدارة ذاتية للأكراد، أو الاعتراف لهم بذلك، إلا في إطار حل سياسي سوري شامل تتوضح من خلاله معالم كل شيء ويتحدد من خلاله مصير التواجد الأمريكي والتركي فوق الأراضي السورية..

وقد غَفِل عن أنه مجرّد الاعتراف بنظام إدارة ذاتية في ظل الظروف التي تعيشها سورية  وغياب سيادة الدولة السورية عن كافة أراضيها، فإن هذا سوف يتطور لاحقا إلى فيدرالية بدعم أمريكي وإسرائيلي.. وهذا ما يخطط له الأكراد اليوم بكل وضوح بعد عدة سنوات من الإدارة الذاتية.. وأنه لا يمكن المقارنة بين الحالة الكردية السورية والحالة الكردية العراقية.. وهذا يحتاج إلى بحث مستقل.. ففي سورية من يقف خلف الإدارة الذاتية هي الولايات المتحدة الأمريكية وتحت حمايتها، وهذا سينسحب على ” الفيدرالية” إذا ما تحققت، وستكون مفتاحا لتقسيم سورية، وهذا ما يحقق تطلعات إسرائيل وأطماعها.. في العراق ليست لهم أطماعا بالتقسيم وإلا لحصَل ذلك من قِبل الولايات المتحدة.. أما في سورية فهذه الأطماع قائمة نظرا لمجاورتها لإسرائيل، وهذه من مصلحتها أن ترى سورية مقسمّة بجانبها وهكذا لا تقوم لها قائمة..

تصريحات وزير الخارجية السورية رحّب بها كافة القادة الأكراد لأنها مقدمة لتحقيق طموحاتهم الكاملة لاحقا..

ومن جهة أخرى فها هي تركيا تسعى لإقامة منطقة عازلة أو آمنة داخل الحدود السورية شرق الفرات، وتهدد انه في حال عدم التوصل الى اتفاق مع الأمريكان على هذه المنطقة فإن تركيا سوف تقوم بعملية عسكرية شرق الفرات.. وحتى اليوم فشلت كل المفاوضات بين الجانب التركي والجانب الأمريكي حول شروط إقامة هذه المنطقة العازلة.. ولذا فإن أردوغان يرفع الصوت ويهدد باجتياح تلك المناطق ..

كل هذه الظروف والتطورات لن يضع حدّا لها سوى الحل السياسي الشامل والعادل والمقبول من كل فئات الشعب السوري.. فلماذا كل هذا التأخير في هذا الأمر المصيري؟.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. يقول الكاتب نقلا عن وكالات وبالبحث عن هذه الوكالات فتبين هي واحدة عن النصرة ويسمونها حزب التحرير ,, واخرى تسمى ستيب ايجنسي التي تعمل من اميركا ,, وزمان الوسط من معارض حمصي ,, والدرر الشامية ,, مما يعني انه اعتمد على وكالات النصرة وقسم من معارضة بينما بالبحث الدقيق عن صفحة حميميم الروسية الرسمية فلا صحة للخبر فلم نجدها ,, فالمصداقية مهمة بنقل الخبر ,, والاعتماد على مصادر كاذبة يؤدي لفتنة مثلما بدأت المشاكل بسوريا وزرعت الكذب واعتقاد الناس ان كل شيء سيتغير خلال اسابيع فوقفوا بصف من اعتقدوا انهم سيغيروا فوقعوا بفخ فتنة صراع داخلي طال ووجد الارهاب بيئة مناسبة ,, وهكذا حصل تدمير سوريا وكان بداية الاعلام المفتن سببا كبيرا بهذا ,,

  2. تحليل رائع وفعلا اولاد الفقراء يموتون بالحرب وأولاد المسؤولين يتباهون بسياراتهم الرياضية الفارهة ومستوى حياتهم الباذخة بلا حياء ولا خجل ولا حتى مراعاة لمشاعر الشباب على الجبهات ولا مراعاة لذوي الشهداء. وقاحة أبناء المسؤولين لا نظير لها. صورهم على غوغل مع سياراتهم الرياضية باهظة الثمن ومع كلابهم المدللة أكبر إهانة للفقراء الذين يلهث واحد هم خلف رغيف الخبز وأولئك يصرفون على كل كلب ما يكفي عائلة .

  3. إذا ثبت فعلا أن أليكسندر إيفانوف قد قال بأن “القوات الجوية الروسية تشن هجمات… ردا على قصف مسيحيين أورثوذكس في مدينة محردة” مضيفا بـ “أن دخول [روسيا] إلى سورية هو لحماية المسيحيين فقط” فهذا أمر جلل لا يحتمل السكوت عنه لأي سبب وتحت أي ظرف.

    في حال ثبوت حقيقة مثل هذا التصريح فإنني أهيب بالقيادة السياسية في دمشق أن تطلب توضيحا رسميا من السلطات الروسية ورفضا معلنا لما قد صرح به رجلها في حميميم. إن قوة سوريا وديمومتها يكمن في تنوعها وتعدد انتماء ابنائها، أبناء الوطن الواحد. عبقرية سوريا تنبع من التزامها بالرسالة الانسانية. هكذا كانت وهكذا يجب أن تبقى. لقد هُدِرَت دماءُ السوريين الطاهرة لتبقى سوريا مهداً للتسامح والتضامن تحت راية التعددية والمساواة والمواطنة.

    مع كل الشكر والاحترام للدكتور سلوم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here