هل تنعكس انتخابات تركيا المحلية سلبا على اقتصادها؟

إسطنبول/الأناضول

توقع كثيرون داخل تركيا وخارجها هجوما يستهدف الاقتصاد التركي، يخلط الأوراق ويربك الحكومة، ويضع حزب العدالة والتنمية الحاكم في حالة حرجة أمام الناخبين، من أجل التأثير سلبا على صورة الحكومة الجديدة، وزعزعة الثقة بها، وإظهارها في مظهر العاجز عن إدارة الاقتصاد، وضبط أدائه، وخصوصا عملية التحكم بسعر صرف الليرة.
ثمة قطاع عريض داخل تركيا وخارجها، يمنون أنفسهم برؤية “اثنين” أسودا عشية الانتخابات المحلية، اليوم الأحد، فقد سبق أن تعرضت تركيا لهجمات اقتصادية خارجية استهدفت الليرة التركية، فتسببت في خسارتها ما يقارب ثلث قيمتها.
كما هو معلوم فإن الليرة التركية عملة (كونفيرتابل) قابلة للتحويل، يتم تداولها في الأسواق والبورصات العالمية، كما الأسواق المحلية، مما يجعلها عرضة لعمليات التلاعب من خلال البيع والشراء والمضاربات المفتعلة. لكن ذلك في الوقت ذاته يجعلها عملة عالمية، ويكسبها قوة ومصداقية، ومصدر أمان يشجع المستثمرين.

**

حرب دبلوماسية بأدوات اقتصادية
قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أجريت بتاريخ 24 حزيران/ 2018، تعرضت تركيا لهجمة شرسة قصدت اقتصادها وعملتها المحلية، وصفت ب “حرب العملات”، بسبب اتهامات الساسة والمسؤولين الاتراك جهات خارجية لم يسموها، بالوقوف وراء هذه الهجمات وتعمد ذلك بغية التأثير على نتائج الانتخابات، بتوجيه دفتها ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه رجب طيب أردوغان.
كان من العسير القول وقتها بأن الصراع، بين الحكومة التركية وبين من يسعون إلى تخريب الاقتصاد التركي قد انتهى أو توقف. رغم الاستجابة السريعة للقوانين والإجراءات والتدابير التي سنتها الحكومة وأدت إلى تحسن مباشر لمؤشرات سوق المال التركي في اليوم التالي للانتخابات، تبعه ارتفاع تدريجي لسعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية.
الهبوط الحاد والسريع يومها كان مرتبطا بمجموعة من العوامل الخارجية، يأتي في مقدمتها المضاربات المفتعلة في الأسواق الخارجية التي أدت إلى تذبذب كبير في سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية الأخرى.
سياسيا، لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام إدارته أدوات ووسائل اقتصادية، عندما تقتضي الحاجة، بل هدد تركيا بضربة تصيب الاقتصاد التركي بالشلل، إن هي لم تستجب للمطالب الأمريكية.
اتسمت مطالب ترامب وأعضاء إدارته لتركيا – بإطلاق سراح القس برانسون – بالفوقية والعنجيهية ، واستخدام لغة بعيدة كل البعد عن اللباقة الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول. بالرغم من أن القس برانسون كان قيد المحاكمة بتهم تتعلق بدعم حزب بي كا كا وتنظيم الكيان الموازي الإرهابيين، وممارسة نشاطات تجسسية استخباراتية لصالح دول أجنبية.

**

قراءة في مؤشرات السوق التركية قبيل الانتخابات
لا زالت تركيا قادرة على الاقتراض من الأسواق المالية الخارجية دون قيد أو شرط، وهذا أكبر دليل ومؤشر على الثقة التامة بالاقتصاد التركي حاضرا ومستقبلا. هذا بالرغم من التعاطي السلبي من مؤسسات الائتمان الدولية، كمؤسسة “ستاندارد أند بورز” و “موديس” تجاه تركيا، واستخدامها معايير مزدوجة عند تقييم الاقتصاد التركي. إذا سرعان ما تتجه إلى تخفيض درجات تركيا على مقياسها الائتماني عند أول تعثر في أداء اقتصادها، لكن عندما يتعافى ويتجه نحو النمو المضطرد والمستقر، فإن هذه المؤسسات تتعامل بدرجة عالية من الحذر والبخل في رفع درجة تركيا الائتمانية.
ربما أدى هبوط سعر صرف الليرة التركية إلى خسارة لدى المستثمرين الأجانب والمحليين، وخصوصا في قطاع البناء والعقار. لكنه في الوقت ذاته ساهم في دفع عجلة الصناعة من خلال زيادة الصادرات، حيث بلغ “مؤشر شغل الطاقة الانتاجية” KAPASİTE KULLANIM ORANI الخاص بالصناعة أعلى مستوياته، كما ارتفعت أرقام الصادرات التركية إلى مستويات مرتفعة وخصوصا في الثلث الأخير من عام 2018.
بالتوازي مع ذلك شهد قطاع السياحة نموا كبيرا محطما جميع الأرقام القياسية السابقة، حيث وصلت حجوزات الفنادق والمنشآت السياحية إلى درجة الامتلاء التام، فقد تجاوز عدد السياح الأجانب الذين قصدوا تركيا 39.488.401 سائحا، يضاف إليها الزوار من المواطنين الأتراك المقيمين في الخارج الذين بلغ عددهم 6.624.191 زائرا، ليصل العدد الإجمالي لزائري تركيا خلال عام 2018 إلى 46.112.592 زائرا، حسب معطيات وزارة السياحة والثقافة التركية. بينما كان الرقم المستهدف الذي حددته وزارة الثقافة والسياحة بالتنسيق مع رابطة وكالات السفر التركية TÜRSAB قد تم تحديده بأربعين مليون سائح.
دخول مطار استانبول الجديد حيز الخدمة، رسميا في السادس من شهر نيسان أبريل المقبل، حيث سيتم الانتقال الكامل من مطار أتاتورك، سوف يساهم في دفع عجلة الاقتصاد التركي وزيادة نمو الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 4.9% بحلول 2025. إذ يمنح الموقع الجيوسياسي الذي تتمتع بها تركيا فرصا لتحقيق مشاريعها العملاقة الطموحة ضمن خطة 2023، حيث تخطط حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، من خلال المطار الجديد وبقية المشاريع العملاقة إلى تحقيق طفرات اقتصادية غير مسبوقة، تمكنها من دخول نادي الاقتصادات العشر الأكبر عالمياً.

**

الركود الاقتصادي العالمي
لا تزال أجواء الأزمة الاقتصادية العالمية تلقي بظلالها الثقيلة على غالبية الاقتصادات العالمية ، ففيما عدا ألمانيا، فإن جميع اقتصادات الدول الأوربية تقريبا تعاني من حالة ركود مزمن.
الاقتصاد الصيني أيضا ليس بأحسن أحواله، فهذه المرة الأولى، منذ سنوات طويلة، التي تتراجع فيها الصادرات الصينية، بالرغم من تراجع “اليوان” الصيني.
تقوم استراتيجية إدارة الرئيس ترامب على ضرب الثقة بجميع الاقتصادات الأخرى، وعلى رأسها الاقتصادين الرئيسيين الصيني والأوربي. وقد يكون هذا السبب الذي دفع النظام المؤسس في أمريكا لاختيار دونالد ترامب المؤهل لقيادة هذه الحرب العالمية الاقتصادية، التي يريدون من خلالها زعزعة الثقة بكل اقتصادات العالم، حتى لا يبقى أمام الآخرين خيارا سوى الدولار الأمريكي.
يملك الأمريكان القدرة على اللعب في الملعب الأوربي بكل سهولة ودون عوائق تذكر، وذلك من خلال ذراعين أساسيين، الأول اجتماعي، بواسطة نقابات العمال ومنظمات المجتمع المدني، والثاني سياسي من خلال الضغط على ألمانيا وحصارها اقتصاديا.

**

أسواق تركيا الخارجية
بالنسبة لتركيا هناك ثلاثة أسواق استراتيجية رئيسية يعتمد عليها الاقتصاد التركي:
1. السوق الأوربية: تشكل أوربا السوق الرئيسية للمنتجات التركية، حيث تشكل صادرات تركيا للدول الأوربية ما يعادل 55% من مجموع صادرات تركيا.
2. السوق الأفريقية: بدأت تركيا في السنوات الأخيرة بالتركيز والاهتمام الشديد بالقارة السمراء، حيث تتوزع السفارات التركية على خمسين دولة إفريقية. كما أن أكثر من خمسين عاصمة ومدينة إفريقية تصلها الخطوط الجوية التركية برحلات مباشرة من استانبول.
3. روسيا والجمهوريات التركية التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي: شهدت السنوات الأخيرة نموا مضطردا في العلاقات بين تركيا وروسيا على جميع المستويات، وتأتي العلاقات الاقتصادية في مقدمة ما توليه قيادة البلدين من أهمية خاصة.
يبلغ مجموع هذه الأسواق الرئيسية الثلاثة ما يزيد على مليار وثلاثمائة مليون نسمة. وهذا سوق كبير واعد، يكفل استمرار نمو الاقتصاد التركي بشكل متصاعد مضطرد.

**

احتمالات وقوع أزمة اقتصادية في تركيا
من خلال المعطيات الاقتصادية أعلاه، لا توجد بوادر أزمة اقتصادية مهددة لتركيا تلوح في الأفق القريب. لكن إذا وضعنا في الحسبان أن “أزمة الليرة” كانت مفتعلة، و تمت بأياد خارجية، بهدف التأثير على مجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة، عندها لن يكون مستبعدا حصول أزمة مؤقتة مصدرها خارجي، يتم افتعالها قبيل الاستحقاق الانتخابي. خصوصا وأن الرئيس الأمريكي ترامب كان صريحا، ولم يجد حرجا في تهديد تركيا، والتصريح علنا باستخدام العصا الاقتصادية ضدها، الأسلوب ذاته الذي يتبعه “الكاوبوي” الأمريكي لترويض الصديق قبل العدو.
رغم جميع المخاطر غير الاقتصادية، فإن الاقتصاد التركي يبدو قادرا على تجاوز أية أزمة قد تلوح في الأفق بأقل الخسائر.
أيام جميلة وفترة طويلة من الاستقرار تنتظر تركيا في المرحلة المقبلة، حيث لا توجد انتخابات ولا “اقتصاد انتخابي” لمدة أربع سنوات، مما سيشكل عاملا أساسيا لدعم العجلة الاقتصادية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here