هل تنجح أيادي امريكا الناعمة فيما فشلت فيه أياديها الخشنة في ايران ولبنان والعراق؟

أحمد عبد الرحمن

ربما اعتقد البعض لوهلة أن امريكا ” العظمى ” وبما تملك من إمكانيات هائلة وسطوة غير مسبوقة قد رمت المنديل، وقبلت بالهزيمة في عديد الساحات التي تواجدت فيها منذ سنين طوال أمام المحور المعادي لها في المنطقة، والذي تقف على رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها ومن خلفهم الحليف الروسي والصيني!!

فالإخفاقات الأمريكية في عديد الملفات كسوريا والعراق واليمن وصولا إلى فنزويلا ،ربما اوهمت البعض بان راعي البقر الأمريكي قرر نقل معاركه الكبرى إلى ساحات أخرى كالصين مثلا، والتي تمثل التهديد الاقتصادي الأكبر لأمريكا حول العالم، أو روسيا التي تعيد انتشارها وتموضعها بقوة اكبر وتأثير أكثر في اكثر من مكان .

ولكن ما شكل مفاجأة للكثيرين أن الحاوي الامريكي ما زال يملك الكثير من الأحجيات في جرابه الذي يختص بمنطقة الشرق الاوسط حصرا !! ، وأن ادواته التي دربها وأنفق عليها وأدّخرها لليوم الأسود قد حان وقت عملها وإفاقتها من سباتها .

ونحن هنا نقصد ما جرى ويجري من احداث في العراق ولبنان بالتحديد ، حيث ان ما بدا انه حراكا شعبيا مطلبيا انطلق قبل أسابيع للمطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تحول بقدرة قادر إلى حراك سياسي يشوبه الكثير من العنف، ويستهدف جهات معينة كانت على الدوام في الصف المناوئ للأمريكي والإسرائيلي وحلفائهما .

وإلا ما المبرر لأن تتحول مطالب المتظاهرين في لبنان من إصلاح النظام السياسي الذي يقوم على المحاصصة الطائفية، وحل مشاكل الكهرباء والنفايات والفقر وانهيار العملة، إلى مطالب سياسية تستهدف في جزء منها “سلاح المقاومة” التي حررت الأرض وهزمت العدو أكثر من مرة ،وشكلت وما زالت الدرع الواقي لهذا البلد الصغير في وجه التغول الصهيوني المجرم .

وكيف نفهم أن من يقود ويحرك هذه التظاهرات أو جزء كبير منها هم ممن يُتهمون بالتعامل مع العدو الإسرائيلي ،وصدرت بحقهم أحكام قضائية وقضوا سنوات طويلة من أعمارهم في السجون الذي غادروه بمراسيم مشكوك في امرها.

ولماذا تُقحم السفارة الأمريكية نفسها في قلب هذه التحركات ،وتمارس الضغوط وتوجه الأوامر لبعض القائمين عليها وتُسهم إلى حد بعيد في استمرارها بدون ان يلوح في الأفق أي بوادر للحل او الانفراج .

وهذا الأمر يتكرر وإن كان بشكل أكثر وضوحا في العراق ، فالأمريكي الذي دمّر العراق بحجة السلاح النووي الوهمي ، وقتل مئات الآلاف من العراقيين، وارتكب بحقهم جرائم حرب يندى لها الجبين، استطاع كما يبدو وعبر وكلائه وما أكثرهم في هذا البلد المنقسم على نفسه من تحويل دفة تلك التظاهرات التي بدت أيضا بانها مطلبية إلى مطالب سياسية ونزعة عدائية باتجاه الجمهورية الإسلامية في إيران .

فمن دمر العراق ونهب ثرواته وقطّع أوصاله وارتكب فظائع سجن أبو غريب هي امريكا وليس إيران !! من مهّد الطريق لداعش ليؤسس خلافته المزعومة ودولته الدموية هي امريكا من خلال أدواتها الاستخبارية ودعم حلفائها العرب في المنطقة !!

فلماذا تُهاجم إيران وتُحرق قنصلياتها ويُقتل حلفائها من الحشد الشعبي وهي التي دافعت ودعمت وقدمت آلاف الشهداء ،وفتحت مخازن أسلحتها للعراقيين ، فيما الأمريكي وادواته آمنين مطمئنين لم يمسهم سوء !!

إذا كان هذا الحراك مطلبي، ويهدف إلى الإصلاح وإعادة الحقوق إلى أصحابها ،وإنصاف المظلوم ومحاسبة الفاسدين والمجرمين، فالعنوان الأكبر لذلك هي أمريكا ووكلائها وعملائها وليس إيران.

ويبدو أن أمريكا وبعد النجاح الملحوظ في التجربتين اللبنانية والعراقية حتى الآن ،من خلال إسقاط الحكومات وشل الحياة السياسية والاقتصادية بشكل كبير، واعتبار ذلك ضربة لإيران وحلفائها ،قد حاولت نقل هذه التجربة لقلب العدو الاكبر لها من خلال استغلال زيادة سعر ” البنزين ” في إيران وخروج بعض التظاهرات الرافضة لذلك .

حيث كان الاستغلال الامريكي واضحا من خلال التحريض الممنهج والرسمي على لسان وزير الخارجية ” بومبيو ” ،وكذلك من خلال التغطية الإعلامية المبالغ فيها، والتي شابها كثير من الفبركة والكذب لبعض القنوات الغرببة والعربية المعروفة بتوجهها المؤيد للأمريكي والمعادي للإيراني .

ولكن ما نجح جزئيا في العراق ولبنان لأسباب مختلفة ،فشل فشلا ذريعا في إيران ،واستطاعت الجمهورية الإيرانية من خلال المنظومة السياسية والأمنية القوية تفكيك جزء كبير من الأزمة وإحلال الأمن والهدوء بدل العنف والتخريب .

وبناءً على ما تقدم يمكننا أن نستنتج أن كثير مما جرى وما سيجري لاحقا ،يأتي في إطار الحرب السرية التي تدور رحاها في عديد الساحات في الإقليم بين أمريكا وإسرائيل وحلفائهما من جهة وبين إيران وحلفائها من جهة أخرى .

ومن الواضح أيضا أن المحور الأول قد حقق بعض النقاط في هذه المواجهة ، وذلك من خلال إفقاد المحور الثاني لبعض أوراقه المهمة ودفعه لينشغل بجبهته الداخلية بدلا من التفرغ لمواجهة المشروع الامريكي الصهيوني في المنطقة .

ولكن يمكن أن يكون هذا الانتصار وهميا وطارئا ولا يقف على أرضية صلبة ومتينة ، ولأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة ، ولكن من اهم تلك الأسباب ان المحور المعادي لأمريكا لم يكشف عن كثير من اوراقه بعد !! فهو يلتزم بأقصى درجات ضبط النفس رغم ما يعانيه من ضيق بفعل الهجمات التي تستهدفه من كل جانب .

إلا أن هذا المحور يملك من الإمكانيات والأدوات ما يمكنه من قلب الطاولة على رؤوس الجميع وفي مقدمتهم أمريكا !! ولكن يبدو انه حتى الآن يناور بالحد الادنى من تلك الإمكانيات ، ويستخدم القليل القليل من تلك الادوات .

الفترة الحالية قد تبدو للبعض صعبة وقاسية وحاسمة لتحديد مصير المنطقة ، وقد ترسم خطوط جديدة لانتشار القوى والمحاور المتنازعة في أكثر من مكان وعلى أكثر من ساحة !!

ولكن كل ما نرجوه من الله أن تصب أي تطورات أو تغيرات  مرتقبة في مصلحة الشعوب العربية والإسلامية المقهورة والمنكوبة، وأن تنتهي الأزمات والنكبات من قاموس أمتنا إلى الأبد ،وان تنعم شعوبنا بحياة حرة كريمة آمنة كباقي شعوب العالم .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. من المفيد أن نذكرالكاتب بأن أهداف انتفاضة العراق الاساسية هي ازالة النظام المتعفن الذي زرعته الولايات المتحدة في البلاد وتغيير الحكام الفاسدين الذين جاءوا على ظهر دباباتها والذين استفادت ايران من انعدام ولائهم للوطن لتبسط نفوذها وهيمنتها على العراق. فالانتفاضة هي لاستعادة السيادة والكرامة وضد كل من يريد أن يجعل من العراق ضيعة تابعة له سواء كان أمريكيا أم ايرانيا أم من أي بلد آخر. لذا فالادعاء بان الولايات المتحدة استطاعت تغييرأهداف الانتقاضة لتصبح ضد ايران لا معنى له وينم عن عدم معرفة بحقيقة الانتفاضة، وهو في جميع الاحوال محاولة للتقليل من قيم الثوار ووعيهم واستخفافا بالتضحيات التي قدموها لحد الآن من أجل تحقيق أهدافهم المشروعة في وطن حر يعيش شعبه في رفاهية وأمان. إن من مصلحة ايران وكافة دول الجوار والقوى الاخرى، كبيرها وصغيرها بعيدها وقريبها، أن تكف عن التدخل في شؤون العراق، ففي العراق رجال ونساء هم أشد حرصا على وطنهم وشعبهم من اي جهة اجنبية و هم افضل من يعرف الحلول لواقعهم.

  2. أيادي أمريكا الخشنة ؛ “أدمتها الأشواك” ؛ في حين أن “أياديها ألناعمة ” ؛ “ستصاب بالشلل المزمن” !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here