هل تمهد المنطقة الآمنة شمال سوريا لحكم ذاتي للأكراد؟

عمر الردّاد

شهدت العلاقات الأمريكية التركية توترا غير مسبوق،حول ما بعد الانسحاب العسكري الأمريكي المزمع من شرق الفرات، في ظل تباين بالموقفين الأمريكي والتركي،تجاه مصير الأكراد ،حلفاء واشنطن في مواجهة الفصائل الإرهابية، ممثلة بداعش وجبهة النصرة،وأعداء تركيا ،في ظل مفاهيم تركية مرتبطة بطبيعة ومحددات الأمن القومي التركي،وجوهرها الحيلولة دون كيانية  كردية.

هذا التوتر الذي وصل لدرجة إصدار الرئيس الأمريكي تهديدات ب”تدمير” الاقتصاد التركي ،سرعان ما تبدد بعد الاتفاق على “منطقة آمنة” في شمال سوريا، كانت مطلبا تركيا منذ بدايات الأزمة السورية،حتى وان كانت لا تشمل كافة الجغرافيا التي تطالب بها تركيا،ويبدو أن روسيا لم تكن بعيدة عن هذا الاتفاق،لذا ستتركز الإستراتيجية التركية في التفاوض مع واشنطن وموسكو حول تطبيقات الاتفاق على توسيع المنطقة الآمنة،والتمييز بين الشعب الكردي والفصائل المسلحة الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وضمانات باستمرار الغطائين الأمريكي الروسي لعملياتها وكيفية سيطرتها على المنطقة الآمنة وإدارتها.

يبدو أن تركيا،باستثناء العقبات الإجرائية التي ستواجهها في التعامل مع المنطقة الآمنة، ستكون مريحة نسبيا،وان كانت ستبقى تحت رقابة أمريكية روسية، خاصة وان الطرفين الفاعلين في الأزمة”إيران والنظام السوري” ليسا بوارد المواجهة مع تركيا، فلإيران حساباتها المرتبطة بالمواجهة المتصاعدة مع واشنطن، وحاجتها لروسيا وتركيا،فيما ليس واردا بحسابات النظام السوري توسيع المواجهة مع تركيا، خاصة وان تركيا،وان لم تحسم موقفها من مستقبل النظام السوري،الا أنها ولحسابات تركية،ما زالت الأكثر دفاعا عن وحدة الأراضي السورية،وليس أمام سوريا الا المزيد من التفاهم مع الأكراد،الذين اختاروا التوافق مع السلطات السورية أمام تهديدات تركيا،رغم أن قرارهم النهائي لن يكون بعيدا عن الموافقة الأمريكية.

كيفية تعامل تركيا مع المنطقة الآمنة ستكون على المحك،في ظل تسريبات تركية أوردتها صحيفة “خبر تورك” تشير الى أن توافقا أمريكيا روسيا قد تم انجازه بالاتفاق مع الأكراد، يتضمن إنشاء منطقة حكم ذاتي شرق الفرات، جنوب المنطقة الآمنة التي سيتم إنشاؤها،وإنها أخذت المخاوف التركية بعين الاعتبار، وان الحكم الذاتي الكردي في سوريا سيكون على غرار كردستان العراق،وبلغت التفاصيل حدود الاتفاق بين أمريكا وروسيا على رفع العلم السوري في المناطق الكردية،مع عدم تواجد للجيش، او المقاتلين الأكراد في المنطقة،الذين سيتم تحويلهم لاحقا الى شرطة داخلية.

ورغم ان الاتفاق يقتصر على المناطق الكردية في الشمال السوري، الا انه غير معزول عن مقاربات روسية وأمريكية للحل ليس في سوريا ،وإنما في مناطق أخرى،وعليه فيمكن قراءة هذا الاتفاق ضمن المرجعيات التالية:

أولا: يعكس جوهر السيناريوهات الأمريكية السرية والعلنية للحل في سوريا،ويفسر احد أسباب التمسك الأمريكي بمناطق شرق الفرات،التي تم عزلها فعليا منذ الدخول الأمريكي العسكري الى سوريا،وإقامة أكثر من عشر قواعد عسكرية،ودعم الأكراد بمختلف أنواع الأسلحة.

ثانيا:كما يعكس الاتفاق جوهر الموقف الروسي تجاه الحلول المستقبلية لسوريا،والمعبر عنها في الدستور الروسي المقترح لسوريا الجديدة، والقائم على حكم برلماني وفدرالية، ستكون مراحلها الأولى في إطار اللامركزية، وهو ما يعني المحافظة على جغرافية الدولة السورية ووحدة أراضيها.

ثالثا:إن اتفاقا حول منطقة حكم ذاتي على أية رقعة من أراضي سوريا،يعني التمهيد وفتح الباب أمام مطالبات أخرى بإنشاء مناطق حكم ذاتي في ظل التنوع الديمغرافي للمجتمع السوري.

رابعا:أن حلولا عنوانها الحكم الذاتي في مناطق سورية،ستكون نموذجا مطروحا لتبرير حلول في مناطق أخرى “ليبيا واليمن” و ما يتم تداوله على هامش تسريبات حول صفقة القرن،والدولة الفلسطينية الموعودة،وهي ضمن صيغة”أعلى من حكم ذاتي واقل من دولة”، وهو ما يعزز صدقيه تحليلات تشير الى أن صفقة القرن ستبدأ من سوريا.

وبالخلاصة،فانه وبصرف النظر عن مصداقية السيناريوهات لمستقبل المنطقة الآمنة في سوريا الا انها،وبالتزامن مع تطورات أخرى،وعلى رأسها “الانسحاب” العسكري الأمريكي من سوريا ،وتصاعد الضربات الصاروخية لأهداف إيرانية في سوريا، واللجنة الدستورية التي تتابعها الأمم المتحدة،واستعادة الدولة السورية السيطرة على مساحات أوسع من أراضيها،وتخفيض مستويات التهديد للإرهاب،والانفتاح العربي على دمشق، تؤكد جميعها الانتقال الى مرحلة جديدة في سوريا عنوانها، انتهاء الحرب والبحث عن استعادة الاستقرار والسلام لسوريا،وفتح معارك عض الأصابع،وربما كسر العظم، بين كافة القوى الفاعلة والمعنية بالقضية السورية،لضمان مصالحها وتحقيق تطلعاتها الإستراتيجية لما يفترض ان تكون عليه سوريا الجديدة.

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اكبر الرابحين من الازمه السوريه هم الأكراد اخيرا؛ وهذا حقهم ستقام لهم مناطقهم ونفوذهم حق لا يجب ان يقف بوجه العرب من يطلب الحق والحريه لنفسه يجب ان يطلبها للآخرين هنيا” لاكراد سوريا وإقبال أكراد تركيا وهذا قادم لا محاله اذ راضي اردوغان أم ابى اكبر خاسر هي تركيا السياسه لا ترحم الأغبياء الي كل إنسان كان هذا واضح الي اَي نتجه ستصل لها الازمه السوريه سوريا ستفقد شرق وشمال سوريا الجولان ستبقي لإسرائيل هذه رغبه المعارضه السوريه أفراد من المجتمع السوري تريد وتؤيد ذلك ثمن لن تقبضه المعارضه السوري باي شكل من الأشكال علي الأقل فلايخفى الأكراد اخيرا؛ حقوقهم ولو جزئيا”

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here