هل تقع الحرب الكبرى في الشرق الاوسط؟

د. طارق عبود

  تعيش منطقة الشرق الأوسط هذه الفترة غليانًا محمومًا، حيث تختلط الأوراق مجددًا في هذه المرحلة الحساسة من الحرب العالمية على سوريا. ولا سيما بعد اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره الانسحاب من سوريا. والتخفّف من أعباء الوجود الأميركي في المنطقة، لما له من أكلاف إقتصادية وبشرية.

  يعتقد الإسرائيلي أنه المعني الرئيس بالخريطة الجيوسياسية التي تتشكّل اليوم في الإقليم بعد انتصار سوريا وحلفائها في الحرب، لذا يواصل نتتنياهو عدوانه المتكرر.  وقد أخذت الاعتداءات الأخيرة شكلًا استفزازيًا وخطيرًا، ما يشكّل تحديًا للأطراف العاملة في سوريا.

  يحاول الأميركي التعويض للإسرائيلي عن – تركه وحيدًا- في المنطقة، بعدما كان ظهيرًا وازنًا له طيلة السنوات الخمس الماضية بشكل مباشر، وذلك عبر تكثيف المؤتمرات والعناوين الفضفاضة التي يغري بها أيتامه الذين تركهم على قارعة الطريق، ابتداءً من الناتو العربي، وليس  انتهاءً بالمؤتمر الدولي الجديد «مستقبل السلام والأمن» في الشرق الأوسط، الذي دعا إلى تنظيمه وزير الخارجية الأمريكي في وراسو عاصمة بولندا، والذي يفترض أن يمهّد لقيام «حلف وارسو»  جديد ضدّ إيران هذه المرة، ويحمل في طياته رسالة إلى الروس. وهو يمثّل العنوان الأبرز في التصعيد الأمريكي الحالي السياسي والاقتصادي ضد إيران، وهو يأتي بعد ثلاثة أشهر من دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية “الشاملة” التي قالت واشنطن إنها ستكون الأقسى في التاريخ. وكانت جولتا وزير الخارجية جورج بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون للمنطقة في سياق التطمينات نفسها التي حرص الثلاثي المعترض على شكل الانسحاب وتوقيته، ماتيس وبومبيو وبولتون على بيعها “للحلفاء” وما شكّلته من صدام في غير مكان، ولا سيما مع الجانب التركي.

حرب بين الحروب

  تأتي الاعتداءات الإسرائيلية لتخدم أكثر من وظيفة، منها، لفت نظر الأميركي والعالم الغربي  لتأكيد «دورها الوظيفي» في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية والدولية المعلنة، وكونها الأداة التي ما زال باستطاعة الجميع الاعتماد عليها، إضافة إلى أنّ الاسرائيلي خائف وغير مطمئن ويريد من أيٍّ كان أن يوقظه، للخروج من كابوس تراكم القوة الذي يشكّله محور المقاومة يومًا بعد يوم. إضافة إلى محاولة الهروب إلى الأمام من المأزق الداخلي الذي يعيشه نتنياهو، وهو لعب في الوقت الضائع من المدة المتبقية  للانسحاب الأميركي من سوريا.

ولكنّ السؤال الأكثر حضورًا اليوم في أذهان أصحاب القرار في المنطقة هو:  ما هو العمل  للجم الإسرائيليين، وإعادة أقدامهم إلى الأرض، بعدما تمادوا كثيرًا في غيّهم وعجرفتهم؟

 وإلى أين سيدفع هذا السلوك الإسرائيلي العدائي منطقة الشرق الأوسط، إذا لم يضع محور المقاومة حدًا لهذه العربدة؟

في الحقيقة هناك أكثر من سيناريو قد يحدث لمعالجة هذه المعضلة:

الأول: هو استمرار القصف بالشكل الذي هو عليه، وما يرتبه ذلك من انتهاك فاضح للسيادة السورية، إضافة الى الخسائر المعنوية والمادية التي يتكبدّها الجيش السوري والحلفاء.

الثاني: هو الرد على العدوان، وما يرتّبه ذلك من خسائر معنوية ومادية على الجانب الاسرائيلي، يشبه إلى حدّ ما شكل الرد في أيار من العام 2018، أو أكثر إيلامًا، ما سيدفع نتنياهو إلى التفكير جديًا لمراجعة خياراته. وما ستكون ماهية الرد على الردّ وحجمه ومدته الزمنية، ومروحته. وما يفرضه ذلك من تحديات على الطرف الآخر..

الثالث” أن يتدخل الجانب الروسي بأحد شكلين:

الأول: تفعيل منظومات الS300 التي منحها للجيش السوري ما يتيح إسقاط طائرات معادية فوق سماء فلسطين أو لبنان من خلال الدفاعات الجوية السورية.

الثاني: إبلاغ الإسرائيلي وتحذيره بوجوب الامتناع عن الاعتداءات، كما تم منعه من التحليق  بطائراته فوق الأراضي السورية بعد حادثة إسقاط طائرة إيل 20 في أيلول الماضي فوق اللاذقية..

يحصل أن يشبه نتنياهو طفلًا أخرق، سمح له الكبار الدخول إلى مخزن للبارود، وهو يحمل ولّاعة يعبث بها، وقد يؤدي أي خطأ أو تصرّف صبياني إلى إشتعال المنطقة بالنار.

  إنّ استمرار الحال على ما هو عليه قد يؤدي إلى ضربة تحت الحزام، ما يفتح الطريق إلى حرب واسعة وطاحنة ليست في مصلحة الإسرائيلي بطبيعة الحال، لأنّ مروحة عدائه لمحور المقاومة من سوريا الى ايران إلى المقاومة في لبنان، وانتهاءً بالمقاومة الفلسطينية قد استفحل، وهذا ما قد يخرج الأطراف جميعها عن المساكنة وكسر حالة الستاتيكو،  وهو ما  سيصل  بالمنطقة إلى ما لا تحمد عقباه.

ولكن ، هل سيسمح الروسي، بعد الحرب العالمية التي تم خوضها بنجاح في سوريا أن يفرّط بكل إنجازاته، كرمى لعيون نتنياهو، او من أجل إخراجه من المأزق الذي يعيشه، ويقف متفرجًا على المنطقة، وسوريا اولًا، تشتعل مجددًا، ما قد يطيح بكل ما تحقق منذ العام 2015، إلى اليوم؟

يقول الإمام علي بن ابي طالب “إذا هبتَ من الشيء فقع فيه” طالما أنّ الإسرائيلي لا يريد الحرب المفتوحة والشاملة. فلا ضير أن يتذوّق الإسرائيلي من الكأس المرة التي يريد من الآخر أن يشرب منها يوميًا.

  • أكاديمي وباحث في قضايا الشرق الأوسط

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أعتقد أنه “آن الأوان” أن يعد طرمب بكل جدية “تصميما “لملجأ أيتام” بألاسكا لإيواء أيتامه المشردين بمن فيهم صهيانة فلسطين المحتلة” !!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here