هل تستحق إستقالة ظريف كل هذه الضجة التي أثيرت حولها 

أيهم الطه

حازت إستقالة وزير الخارجية الأيراني قبل يومين على أهتمام واسع عالميا وعربيا وهي على أهميتها الداخلية في ايران ودلالتها الخارجية إلا أنها تبقى جزء صغير من كل فلماذا نحاول أن نجعلها كل القصة ونوليها جل أهتمامنا ففي النهاية ليست الا تفصيل صغير ضمن سياق واسع .

وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد أعلن استقالته من منصبه معتذرا عن مواصلة عمله  عبر حسابه الخاص على ( موقع انستغرام ) قائلا ’’ “أعتذر لكم عن أي تقصير و قصور بدر مني خلال مدة خدمتي، وأشكر الشعب الإيراني والمسؤولين”.

 وكان ظريف قد تسلم مهام عمله في 15 اب -2013 فهو ليس اول وزير خارجية في ايران ولن يكون الأخير و

لابد أن نعي هنا أن استقالته  التي تم تناقل أخبارها في كل أنحاء العالم وصب عليها الكثير من المجهود والحبر في التحليل والتأويل لا تستحق كل ما اثير حولها .

وربما هي جزء من  ضريبة الضوء المسلط بشدة على هذه الدولة الهامة في المنطقة  التي سواء كنا نتفق أو نختلف مع سيادتها فلابد لنا من تحليل مايحدث فيها بواقعية وموضوعية بعيدا عن المناكفات العربية والعواطف الجياشة التي يحملها البعض سواء من محبي هذه الدولة أو كارهيها , لكننا لابد ان نتذكر أن أيران هي أحد الدول المحورية في المنطقة وهي تشكل مع تركيا سقف العالم العربي ولذا فنحن بحاجة الى الوعي والتروي عند التعامل معها ولابد من دراستها بشكل جيد تاريخيا وثقافيا وإجتماعيا وسياسيا قبل أن  نشرد في إطلاق أحكامنا على تصرفات رجالاتها .

ودراسة ايران بشكل معمق هي ضرورة لكل باحث أو قارئ حتى يتمكن من فهم سياق التصرفات في هذا البلد المؤثر في المنطقة أيا كان توصيفنا لهذا التأثير (سلبي – ايجابي ).

اذ لا بد ان نتفق ان ايران مؤثرة في معظم الدول العربية بشكل غير مباشر وب5 دول عربية على الأقل بشكل مباشر وهذا ليس وليد العقود الأربعة الماضية من عمر ثورتها بل وليد سياق تاريخي وجغرافي في المنطقة .

وما لاحظته في أغلب التحليلات التي خرجت في مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية هي انها كانت بعيدة عن الموضوعية في تناول تحليل استقالة ظريف وأنها كانت تنطلق من مواقف مسبقة تجاه ايران وسياستها في المنطقة قبل ان تنطلق من وقائع حدث الإستقالة ذاته  الذي لابد أن نلاحظ فيه أنه جاء عبر منصة اعلامية وليس عبر الطريق الرسمي الذي كان يفترض ان تسلكه هذه الإستقالة وأي قراءة بسيطة تؤكد انها كان يمكن ان تكون بشكل أكثر رسمية مالم يكن الهدف الأساسي منها هو أحداث ضجة اعلامية والأشارة الى التجاذبات السياسية الداخلية بين جناحي السياسة الأيرانية (اصلاحي -محفظ)

فظريف أراد لفت الأنظار الى الضغوط التي يتعرض لها خلال السنوات الماضية من قبل المحافظين كما انه اراد ان يكسب شعبية داخية و تذكير بدوره الدولي وما قدمه خلال عدة اعوام من عمله الدبلوماسي وانجازاته فيه  وعلاقاته الدولية , وهي نقاط يبدو أن الجناح الإصلاحي ربحها ليس فقط على الصعيد الشخصي لعمل محمد جواد ظريف وانما على صعيد التيار الإصلاحي بمجمله خاصة في ظل تململ شعبي من الأوضاع الراهنة في البلاد وانتقادات متزايدة من التيار المحافظ لنتائج السياسة الانفتاحية الأصلاحية التي يشرف عليها روحاني .

وقد تلقى ظريف ذاته وروحاني جزء كبير من هذه  الإنتقادات .

ولذا فإن ما يحدث في أيران هو ضمن صراع أجنحة السلطة والأحزاب و جزء من الحيوية السياسية الموجودة في هذا البلد , و ما قدم على انه سبب أستقالة ظريف وهو إستقبال الأسد في طهران دون ابلاغه أو دعوته

كان مجرد القشرة الخارجية وليس السبب الجوهري.

ولابد من التذكر  هنا أن كل من التيار المحافظ والإصلاحي يسيران ضمن سياق محدد هو  أيران مابعد الثورة ورؤيتها  الداخلية والخارجية  وما سوى ذلك فهو تفاصيل  لها مكانتها في السياسة

الداخلية أكثر منه في علاقاتها الخارجية  فهذا بلد عرف خطوط  تماسه مع العالم وحدد منطلقات أمنه القومي  في منطقة تشهد فراغ كبير في السياسة وعدم استقرار امني  , كما ان كلمة الشاه الراحل منذ عقود لاتزال سارية عن الفراغ الممتد في المنطقة  وسواء اعجبنا سعي ايران لملئ هذا الفراغ او لا فتلك مسألة أخرى لابد ان نتحمل فيها نحن اسباب ضعفنا وتفككنا كعالم عربي عاجز عن ملئ فراغ منطقته التي باتت ساحة يلعب فيها الأخرون سواء كانوا من الدول الأقليمية كأيران وتركيا او  كانوا لاعبين دوليين كروسيا واوربا والولايات المتحدة الامريكية .

فايران لاعب قوي ترك بصمات واضحة في المنطقة وأدار حركته فيها بشكل جيد مكنه من تحقيق الكثير من المكاسب وهنا لابد من التذكير ان ايران الشاه ماقبل الثورة الخمينية كانت توصف بشرطي المنطقة .

 ما لايمكن تجاهله في معادلات المنطقة هو  التواصل الجغرافي والتاريخي بين دولها و لذا فعلينا أن نحسن قراءة الخرائط والوقائع إن كنا نريد ان نرسم سياسة حقيقية ونخوض في تحليلات جدية بعيدة عن مهاترات المنصات الاعلامية وانحياز وسائل الإعلام  .

فمعرفة الحقائق وتوصيفها بالشكل الصحيح سواء احببناها ام لا يفيدنا نحن اولا في معرفة الأرض التي نتحرك عليها وتحديد توجهاتنا ورسم  مستقبلنا بعيدا عن الضجيج غير المفيد والأحلام التي قد تتحول الى كوابيس مزعجة .

كم تمنيت لو تناولت الشاشات العربية ما يحدث في المنطقة من منظور تحليلي واقعي يقوم على معطيات حقيقية أو تركته لمراكز دراسات متخصصة تسير وفق مناهج علمية , لا ان نجمح في خيالنا الى تحليلات هي اقرب الى التنجيم وقراءة الكف وضرب الودع منها الى دراسة معطيات واستخلاص نتائج .

لكن يبدو أننا كعرب نعشق افراغ مشاعرنا على كل شئ والتعبير عنها  مستخدمين ما نعتقد انه حقائق أمامنا لنكون كمن يرى السراب فيصدقه  فلا السراب سيتحول حقيقة ولا تصديقنا له سيفيدنا في شئ  .

وسواء قبل روحاني استقالة صديقه ورفيقه ظريف أو رفضها فذلك لن يغير شئ لا في المعادلات الاقليمية  ولا في المعادلات المحلية وما يبني عليه بعض العرب من أمال سيبقى مجرد أوهام بعيدة عن أي معرفة حقيقة لطبيعة الشعب الأيراني و طريقة تفكير سياسيه ومفكريه فهولاء رجال يفكرون بمصالح شعبهم ودولتهم قبل كل شئ .

ولابد من ألإشارة إلى أن هذا النظام قوي  بأكثر مما تؤثر فيه هذه الهزات وأن معظم من فيه يستشعرون الخطر الخارجي ويعلمون بأنه  معرض للمخاطر ومكشوف أمنيا  ,ولذا فالتجاذبات السياسية تبقى مفاعيلها محدودة  داخليا وأثارها بسيطة خارجيا  .

   وسواء كانت أستقالة ظريف هي مجرد فقاعة اعلامية او ابتعاد عن نهج السياسة الحالية واعتراض على تدخلات المرشد والعسكر  في ايران فهذا ايضا لن يغير في واقعنا العربي اي شئ فالمشكلة في ضعفنا الذاتي وعجزنا وليس في قوة الأخرين و محاولاتهم مد نفوذهم وسلطتهم وهذه من طبيعة الأشياء وحقائق الدنيا..  .

ودام الهرج والمرج في ديارنا عامرا .

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كل التحية والاحترام
    “فالمشكلة في ضعفنا الذاتي وعجزنا وليس في قوة الأخرين و محاولاتهم مد نفوذهم وسلطتهم “

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here