هل بدأت الديمقراطية الغربية بالتصدع؟ وهل ازمة اللاجئين هي السبب؟

fawzi-naji-

د. فوزي ناجي

في تقرير أوروبي نشر حديثا عن استطلاعات للرأي في جميع دول الاتحاد الأوروبي حول ثقة المجتمعات الأوروبية بمؤسساتها الديمقراطية ظهرت النتائج التالية:

أولا: معدل ثقة الشعوب الأوروبية بأحزابها السياسية لا يتعدى 16%.

حصلت الدانمارك على اعلى نسبة (37%) بينما تراجعت في المانيا الى 26% و كانت في بولندا 13% و وصلت الى ادنى مستوى لها في فرنسا (5%).

ثانيا: معدل الثقة في الحكومات و البرلمانات الوطنية لم تتجاوز 31%.

ثالثا: الثقة في السلطات المحلية وصلت 47%.

رابعا: ارتفعت نسبة الثقة في النظام القضائي لتصل 52%.

خامسا: بلغ معدل الثقة في الشرطة الوطنية 69%.

سادسا: حصلت المؤسسة العسكرية في الدول الأوروبية على اعلى نسبة ثقة بين جميع المؤسسات الديمقراطية و قد وصلت الى 71%.

تشير هذه النتائج الى عزوف معظم المواطنين الأوروبيين عن الأحزاب السياسية في السنوات الأخيرة و تمسكهم بالمؤسسة العسكرية. يشكل ذلك منعطفا خطيرا لا بد للعقلاء من المثقفين و السياسيين الأوروبيين من تدارسه بدقة لوصف العلاج الناجع للخروج من هذه الأزمة التي تهدد الديمقراطية الأوروبية و تسير بها الى حافة الهاوية.

لو اخذنا المانيا كمثال فسنرى بان عدد أعضاء الحزب الاشتراكي الاجتماعي الذي يتزعمه حاليا سيجمارجابرئيلتضائل تقريبا الى النصف حيث كان قد وصل الى 943 الفا عام 1990 بينما تناقص ليصل 460 الفا عام 2014.

ينطبق الأمر كذلك على الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة الألمانية انجيلا ميركل حيث كان عدد أعضائه 790 الفا عام 1990 بينما تضائل عام 2014 ليصل الى 457 الفا.

لا يشكل ذلك ظاهرة المانية فقط و انما تتشارك بها كل دول الاتحاد الأوروبي، حيث تناقصت اعداد أعضاء الأحزاب السياسية الكبيرة في معظم الدول الأوروبية و منها بريطانيا و فرنسا و إيطاليا.

لا بد لنا ان نتساءل عن أسباب التحول الفكري في المجتمعات الأوروبية و مدى علاقة ذلك بأزمة اللاجئين الحالية.

يمكن تفسير تراجع الدعم الشعبي للأحزاب التقليدية الكبيرة بالأمور التالية:

أولا: غياب الشخصيات التي تحظى بالتقدير و الاحترام قطريا، أوروبيا و عالميا في تصدر زعامة الأحزاب السياسية مثل فيلي براندت و برونو كرايسكي في سبعينيات القرن الماضي.

ثانيا: الصراعات على الزعامة و تباين السياسات داخل اجنحة الحزب الواحد. أي ان زعماء الأحزاب في الوقت الراهن لم يتمكنوا من اقناع زملائهم في المناصب القيادية الحزبية على توحيد مواقفهم في الأمور الرئيسية لأهداف حزبهم. حيث أدى ذلك الىهروب الكثير من أعضاء الأحزاب و مناصريهم من المواطنين العاديين.

ثالثا: فشل الأحزاب التقليدية في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل المجتمعات الأوروبية و المتعلقة بالقضاء على البطالة و إيجاد فرص عمل جديدة.

رابعا: السياسة الخارجية الخاطئة التي تُنفَق المليارات لتحقيقها بينما يعاني العديد من المواطنين من البطالة.

خامسا: استغلال القوى اليمينية لحالة تضائل الثقة بين المواطنين وحكوماتهم في سلخ انصار الأحزاب التقليدية و جذبهم اليها بتكوين أحزاب جديدةو تبني مطالب المهمشين في المجتمعات الاوروبية.

ما دام هذا التحول الفكري قد بدأ منذ عشرات السنين فان ربطه بأزمة اللاجئين الحالية ليس له أي سند علمي. ان الأزمة الحالية للاجئين كانت المفتاح الذي فتح صندوق المشاكل الأوروبية المزمنة و التي تم تجاهلها لفترة طويلة و منها:

أولا: تجاهل وجود القوى اليمينية و القوى العنصرية في المجتمعات الغربية و عدم التصدي لها بطريقة علمية ممنهجة و سياسة حازمة. ان ما يجري حاليا هو دفع فاتورة هذا التجاهل و ليونة المواقف الذي أدى الى انتشار و تقوية قوى اليمين و التطرف.

ثانيا: تفشي الأنانية الوطنية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذي يحول دون تنفيذ سياسات أوروبية موحدة. ان دخول العديد من الدول في الاتحاد الاوروبي و خصوصا من شرق و جنوب أوروبا كان يهدف الى الحصول على المكاسب الاقتصادية بدون المشاركة الفعلية في تحمل الأعباء.

ثالثا: عدم التصدي لحل الأزمات الاقتصادية داخل المجتمعات الأوروبية بالشكل الكافي الذي يمنع التطرف و الحقد على الحلقة الأضعف في المجتمع و هم الأجانب. لقد اصبح المواطن الأوروبي العاطل عن العمل ينظر الى الأجنبي كمنافس له في سوق العمل و تناسى بانه لولا وجود هذا الأجنبي و الذي حضر الى أوروبا و خصوصا الى المانيا بعد الخراب و الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانيةلما أصبحت المانيا القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا و من أقوى الدول على المستوى العالمي و قدمت و تقدم الدعم الاقتصادي للدول الأوروبية الضعيفة.

رابعا: عدم تحصين الحدود الخارجية الأوروبية و الاكتفاء بفتح الحدود الداخلية بين الدول الأعضاء.

لقد أظهرت ازمة اللاجئين العيوب السياسية و الاجتماعيةالأوروبية لكنها لم تكن سببها. اما الشعوب الأوروبية فبدأت صراعا داخليا اجتماعيا و سياسيا مريرا من اجل المحافظة على مكتسباتها الديمقراطية و عدم الانجراف نحو هاوية التطرف و العنصرية.

*أكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. بعد الفساد المالي الذي طال حتى كرة القدم وبعد الانحطاط الاخلاقي في التعامل مع القضايا السوريه والليبيه والفلسطينيه وبعد وقوف سلطات الغرب مع الارهاب الاسرائيلي والايراني والاسدي وارهاب ميليشيات فبراير اعداء الانسانيه فمن الطبيعي ان يحصل هولاء الساسه الفاشلون على نسب لا تذكر وان وقت التغيير ووقت المحاكمه التي تستوجب قطع رؤوس اشخاص وتقديم مجرمي ايران والاسد وفبراير وصالح للمحاكمه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here