هل القصف الإسرائيلي للأراضي السورية صباح 1 /7/2019 هو من نتائج الاتفاقات الروسية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة؟

د. عبد الحميد فجر سلوم

لم يمضي سوى أسبوع واحد بالتمام والكمال على المؤتمر الأمني لِمستشاري الأمن القومي في روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل (الروسي نيكولاي باتريشوف سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، والأمريكي جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، والإسرائيلي مئير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي) وذلك يوم 25 حزيران 2019 في القدس المحتلة ، لمناقشة الوضع السوري، ومسائل أخرى منها النفوذ الإيراني في سورية، حتى شنّت إسرائيل أوسع عمليات قصف وعدوان ضد مواقعٍ فوق الأراضي السورية، وشملت مواقع قريبة من محيط العاصمة دمشق وأخرى في محافظة حمص في المنطقة الوسطى ، والرد كان ــ بحسب الأنباء السورية الرسمية ــ باعتراض الصواريخ الإسرائيلية في الأجواء السورية بالمضادات الجوية دون أن ينطلق صاروخ واحد سوري أم إيراني إلى الداخل الإسرائيلي.. وهذا أمرٌ غير مفهوم للكثير من السوريين وهو عدم الرد على الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية دون أن يقابلها رد فعل مماثل بقصف مواقع إسرائيلية في قلب إسرائيل، مع أننا سمعنا تهديدات عديدة بهذا الشأن بالماضي وأنه قد يُقصَف مطار بن غويون!.

صحيح أن إسرائيل كانت تقصف بالماضي متى ما شاءت وذلك قبل مؤتمر القدس الأمني ولكن توسيع رقعة القصف هذه المرة ليشمل محيط دمشق وحمص في آن معا، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من انعقاد ذاك المؤتمر، وبعد ثلاثة أيام من اجتماع بوتين وترامب في قمة العشرين في اليابان وبعد حوالي الأسبوعين من إسقاط إيران لطائرة “التجسس” الأمريكية فوق خليج عُمان،  كل ذلك يوحي بأن إطلاق يد إسرائيل وحريتها في القصف كان من بين الاتفاقات التي تمّ التوصُّل إليها خلال ذاك المؤتمر، والتي وصفها الكرملين الروسي بأنها اتفاقات مهمة، من دون الإفصاح عن مضمون أيٍّ من تلك الاتفاقات وإبقائها طي الكتمان، وكأنه مطلوب أن لا يعلم الشعب السوري بما يُخطّط لبلدهم ومستقبلهم، وأن هذا أصبح من صلاحيات ومهمة الأطراف الثلاثة الذين اجتمعوا بالقدس.. ذاك الاجتماع الذي شبّهتُهُ في مقالي السابق باجتماع يالطا عام 1945 بين تشرشل وروزفلت وستالين، والذي قرروا من خلاله مستقبل ألمانيا وشرق أوروبا..

وقد تُصعِّد إسرائيل من أعمالها العدوانية مستقبلا بالتنسيق الكامل مع واشنطن ( وتغَاضي موسكو) ضد ما تعتبره مواقع إيرانية في سورية كنوعٍ من الانتقام لإسقاط طائرة التجسس الأمريكية، وكنوع من الانتقام لأمريكا من إيران، ولكن ليس في منطقة الخليج وإنما في سورية.. وهكذا يتعمّق مفهوم تصفية الحسابات الإقليمية والدولية فوق الأراضي السورية، وتطول الأزمة، وكل هذا لا يمكن أن يخدم مصالح سورية وشعبها، ولا مساعي التسوية لهذه الحالة المأساوية التي دفع الشعب السوري أثمانها باهظة جدا من دماء أبناءه ومن لقمة عيشه وتدهورِ أوضاعه المعيشية والاجتماعية والاقتصادية..

أيٍّ تكُن طبيعة المواقع المُستهدفَة في سورية (إيرانية أم سورية) فإن ما قامت به إسرائيل صباح 1/7/2019 وما تقوم به دوما فوق الأراضي السورية، هو عدوان موصوف بكل قوانين العالم، وقوانين الأمم المتحدة، والقانون الدولي، واعتداء صارخا على الأمن القومي والسلامة الإقليمية لدولةٍ عضو في الأمم المتحدة وتدعى (الجمهورية العربية السورية) . ومهما تحدثت روسيا عن حرصها على أمن سورية فإن حديثها يسقط تماما ونحن نرى إسرائيل تنتهك أمن سورية في كل مرة ولا تقوم روسيا بأي رد فعل(مع أنها قادرة على ردع إسرائيل إذا ما شاءت) بل أن صواريخ إس 300 التي سلمتها لسورية منذ خريف 2018 ، تبدو وكأنها غير موجودة، لأن استخدامها مرهون بالقرار الروسي، وهذا ما أكدته كافة الوقائع حتى اليوم.. فإسرائيل لا تخشى على الإطلاق تلك الصواريخ، فماذا يعني ذلك؟.

رد الفعل الروسي على العدوان الإسرائيلي صباح 1/7/2019 جاء على لسان وزير الخارجية لافروف لقناة “روسيا اليوم” ، وكان ردّا مُمغمغا لا يرقى إطلاقا لمستوى العدوان، ولم ترِد في تصريح لافروف كلمة واحدة من قبيل شَجبِ أو إدانة أو استنكار، وإنما اكتفى بالقول أن روسيا : ( تدرس الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مواقع فى سوريا الليلة الماضي، ودعا كافة الأطراف إلى احترام القوانين والمواثيق الدولية.. وأضاف: إن الجانب الروسي بصدد دراسة الحقائق فيما يتعلق بالتقارير عن غارة جوية إسرائيلية على دمشق .. وأكّد على أهمية احترام وتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مشيرا إلى أن موسكو تعتبرها منطلقا لتقييم أي أفعال تقوم بها أي جهة في المنطقة ..) ..

 للمؤسف أن لافروف يطالب ” كافة الأطراف” باحترام القوانين والمواثيق الدولية وهو أول من يعلم أن هناك طرفا واحدا هو من ينتهك دوما القوانين والمواثيق الدولية ولا يوجد طرفا غيره يفعل ذلك، فلماذا يخاطب سورية وإسرائيل سوية وكأن سورية تنتهك القوانين والمواثيق الدولية كما تفعل إسرائيل؟. اليسَ لتحقيق نوع من التوازن في تصريحاته بالشكل الذي لا يُغضِب إسرائيل المعتدية وعلى حساب الضحية السورية؟.

المطلوب من روسيا اليوم قبل الغد نشر كافة تفاصيل الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع الطرفين الإسرائيلي والأمريكي في مؤتمر القدس الأمني يوم 25/ حزيران 2019 ، ومن حق الشعب السوري بأكمله أن يعرف ما هو محتوى ومضمون تلك الاتفاقات لأن الأمر يتعلق بوطنه ودولته ومستقبله، فهل ستفعل روسيا ذاك؟. إن فعلتهُ فإنها تعفي نفسها من الشكوك، وإن لم تفعله فمن حق الشعب السوري أن يشكك بالنوايا الروسية وأن يثير التكهنات عن تقاسم نفوذ ومصالح فوق الأراضي السورية بين كل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، لاسيما أن روسيا جعلت من إسرائيل شريكا في تقرير مستقبل سورية حينما وافقت بالمشاركة في المؤتمر الأمني الثلاثي في القدس المحتلة وتصدّرت جدول الأعمال الحالة السورية..

بل من المثير جدا للاهتمام تصريح الرئيس بوتين شخصيا خلال حواره يوم الخميس 20 حزيران 2019 مع المواطنين الروس عبر ” الخط المباشر” وقولهِ : ( أنه يجب أن تشارك مصر  و”إسرائيل” والأردن وغيرها، من دول الشرق الأوسط في تسوية الأزمة السورية لأنها تعاني من تدفق اللاجئين).. والمُلفِت للانتباه أنه وضَع ” إسرائيل” من بين الدول التي تعاني من تدفق اللاجئين السوريين، وهذا كلام عجيب غريب، لأنه يجافي الحقيقة بالمطلق، وإن كانت هناك بعض التنظيمات العميلة لإسرائيل تعالجت جرحاها في المشافي الإسرائيلية، فهذا لا يعني أن اللاجئين السوريين تدفقوا لإسرائيل.. ومن طرفٍ آخر فحينما يتحدث بوتين عن دول أخرى في الشرق الأوسط غير مصر والأردن، فهو يقصد تركيا، وأن تركيا يجب أن تشارك أيضا في تسوية الأزمة السورية.. مشاركة كل هذه الدول (لاسيما إسرائيل وتركيا تحديدا إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا) في تسوية الأزمة السورية يعني حُكما أن التسوية يجب أن تراعي مصالحهم جميعا، وهذا لن يكون إلا على حساب المصالح السورية وعلى حساب الشعب السوري والجغرافية السورية، ومِن هنا أكّدتُ بمقالي السابق أن ما يجري في المنطقة هو يالطا جديدة لتقاسم النفوذ والمصالح على حساب سورية وعلى حساب شعبها وشعوب المنطقة .. وإن غدا لناظره قريب..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. من برهوم للسيد طلال إسماعيل انا لم أفهم ما هو المقصود بتعليقك فهل يمكن التوضيح؟ . العالم تعرف أن إسرائيل هي صاحبة قرار في أمريكا ولكن سورية لا تملك من القرار شيئا لدى موسكو . إسرائيل فاعل في أمريكا ولكن سورية مفعول بها من طرف روسيا . هل هذا هو قصدك؟

  2. من يقارن علاقة سوريا بروسيا كعلاقة اسرائيل بأمريكا مخطئ وملتبس على الأقل و مغرض أو جاهل على الأكثر !!!.

  3. ببساطة الشعب السوري المؤيد للحكومة لم يعد يثق بالرئيس بوتين ووزير خارجيته لأنهم يلعبون على كل الحبال. . ويتفاخرون بصداقة إسرائيل ويتعهدون بالدفاع عنها. بوتين لا تعنيه مصالح الشعب السوري وإنما تعنيه فقط الجغرافية السورية وموقع سورية وثرواتها.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here