هل الخلاص في حل المجلس التشريعي الفلسطيني: أكثر المستفيدين وأكثر الخاسرين

د. هشام أحمد فرارجة

كم أصبحت عصية الحالة الفلسطينية في هذه الآونة على تخطي الحزبيات والفصائليات الضيقة والقفز عنها. فما أسهل وما أسرع أن تقرن فلسطينيا اليوم بفصيل أو تيار سياسي اعتمادا على موقفه من هذه القضية أو تلك, أو هذا القائد أو ذاك, أو هذا البلد أو ذاك. فالاحزاب والفصائل الفلسطينية أصبحت تضفي على نفسها رتابة في المواقف تكاد تكون غير معهودة ولا تطاق. فأنت كفلسطيني تدلل على هويتك الحزبية والفصائلية من خلال تبسيطك لمواقفك حيال قضايا معقدة وشائكة, ترديدا لوجهة النظر الرسمية لفصيلك.

عند تناول موضوع حل المجلس التشريعي الفلسطيني, لا بد من التحرر من قبضة الفصائليات ومحدودياتها, ولا بد من طرح عناصر ثلاثة متعلقة: فكرة الحل للمجلس, توقيته والطريقة التي يتم بها الحل.

 فمن حيث الفكرة, يقر كل من هو مطلع على الشأن الفلسطيني بأن المجلس التشريعي أصبح مؤسسة مشلولة وجسما تشريعيا لا يشرع منذ احتدام الانقسام الفلسطيني عام 2007. فلاكثر من عقد من الزمن, وهذا المجلس فاقد لصلاحياته وأهليته ومسلوب لارادته. ومن يجب أن يكونوا المعنيين أكثر من غيرهم بتغيير حال المجلس, حتى عن طريق حله المبكر, هم أعضاؤه الذين انيطت بهم مهمة سن القوانين والتشريعات, تلك المهمة التي لم يقوموا بها. وفي ذلك هدر للموارد المالية الفلسطينية المحدودة, وامتهان لكرامة الناخبين الفلسطينيين الذين شاركوا في الانتخابات التشريعية عام 2006. فأن تمر على انتخاب المجلس التشريعي فترة زمنية تتجاوز ثلاثة أضعاف الفترة المحددة له, بينما هو معطل, يعني أن في الامر ليس مجرد خطأ, وانما خطيئة.

فكم كان صائبا تحريك المياه الراكدة بحل هذا المجلس الذي لا يعمل أصلا, سوى لتوفير غطاء من الوجاهة لبعض أعضائه الراغبين.

ولكن أحيانا تتشوه فكرة رائعة عندما تطرح في زمان غير زمانها. لقد جاءت فكرة حل المجلس التشريعي متأخرة جدا. ومع مرور الوقت, وبتعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي, ازداد حجم الصعوبات المترتبة على حل هذا المجلس. والآن تحديدا, وقد وصل الانقسام الفلسطيني الى أسوأ مراحله وأكثرها تعقيدا وتشابكا, كان آخر ما تحتاجه الساحة الفلسطينية خطوة اخرى تجسد الانقسام وتجعل منه حقيقة مشرعنة بديمومة لا يعلم مداها الا الله.

والتوقيت يرتبط بالطريقة التي تم فيها حل المجلس. فعلاوة على الملابسات والاشكالات القانونية المحيطة بطريقة حل المجلس, ودون توافق فصائلي فلسطيني وتوافق بين سلطات الحكم الثلاث, التشريعية والتنفيذية والقضائية, تصبح أية خطوة احادية من أي من هذه السلطات لتذويب سواها والابقاء على نفسها قائمة خطوة مثيرة للعجب والتساؤلات. فكم سيكون رائعا وقع فكرة حل المجلس التشريعي على الشعب الفلسطيني لو كانت مقرونة أو مسبوقة بالاعلان عن الحل المتزامن لرئاسة السلطة الفلسطينية, توطئة لاجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في آن واحد معا!

أما وأن يتم حل المجلس التشريعي فقط, ذلك المجلس الذي تشكل حماس أغلبية أعضائه, فليس من الواقعية بمكان أن لا يتم النظر الى هذا الاجراء كخطوة استباقية لمنع حماس من تسلم رئاسة السلطة الفلسطينية في حال حدوث مكروه لرئيس السلطة الفلسطينية, السيد محمود عباس  وغيابه عن المشهد السياسي. ومن الاهمية بمكان التذكير أن الفترة الزمنية التي مرت على انتخاب رئيس السلطة, الذي تم عام 2005, هي أطول من الفترة التي مرت على انتخاب المجلس التشريعي.

وازاء هذا التدهور الخطير في العلاقات الفلسطينية الداخلية, فانه لا يمكن الاشارة الى أي طرف فلسطيني مستفيد, استراتيجيا, على المدى البعيد. وأما من الناحية الحزبية المؤقتة, فقد يتفاجأ القائمون على حل المجلس التشريعي أن يعلموا أن أكثر المستفيدين من هذه الخطوة هي حركة حماس, وأن أكثر المتضررين هي حركة فتح, وخاصة الرئيس عباس. فيجب أن لا يكون مفاجئا أن تستثمر حماس هذه الخطوة لطرح نفسها كالطرف المعتدى عليه والمظلوم في الساحة الفلسطينية, ومن ثم لشحذ طاقات كوادرها وأعضائها وتعبئتهم لتجنيد المزيد من الاعضاء والمناصرين واكتساب المزيد من الشعبية في الشارع الفلسطيني.

ومن ناحية اخرى, فان المواطن الفلسطيني العادي سوف ينظر الى حركة فتح, التي تقرن خطأ بالسلطة الفلسطينية, كالطرف المتفرد بجميع السلطات, وللرئيس عباس كالقائد الذي يحتكر جميع مفاصل الحكم والسلطات بيده. ولا شك أن شيوع انطباع من هذا القبيل سوف يضعف كثيرا من شعبية فتح في الشارع الفلسطيني, وسوف يعمق من درجة الانتقاد للرئيس عباس.

وليس مبالغة القول أنه لو اجريت انتخابات فلسطينية في هذه الآونة, والتي لن تجرى بالطبع لاسباب عدة, فان كاتب هذه المقالة تماما كما رصد نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2006 بدقة, يرى أن حماس ستنجح في انتزاع نتائج مذهلة ومدوية, ربما تفوق كل التوقعات, وذلك لان الظروف العامة المحيطة تبد أكثر ملاءمة من ذي قبل.

الاكثر لفتا للانتباه هو أن احتمال اجراء انتخابات فلسطينية, حتى بعد ستة أشهر من اعلان حل المجلس التشريعي, يبدو بعيد المنال جدا. فاجراء الانتخابات يتطلب توافقا وطنيا على كافة مقتضياته, اجرائيا وتوقيتا. وكما هو معلوم للجميع, فان الشرخ المزمن بين السلطة السياسية في قطاع غزة وتلك القائمة في الضفة الغربية يجعل من امكانية حدوث مثل هذا التوافق أمرا مستهجنا, ان لم يكن مستحيلا الآن.

وضمن مثل هذه الظروف الداكنة, لا حاجة للاحتلال الاسرائيلي, أصلا, أن يعلن عن عدم قبوله باجراء انتخابات فلسطينية في القدس, كونه يعتبرها عاصمة اسرائيل الابدية والموحدة, خاصة بعد اعلان الرئيس الامريكي, دونالد ترامب بهذا الخصوص.

ومن جانبها, سوف تتفرغ حركة فتح, ليس للتنافس مع حركة حماس, في حال اجراء انتخابات, وانما للتنافس فيما بينها, اعدادا للمرحلة التي تتلو رئاسة الرئيس عباس. ففتح التي تعتقد أنها قد ضمنت أن حماس لن تتسلم رئاسة السلطة في حال غياب الرئيس عن المشهد تبدأ باعداد العدة لهذه المرحلة المستقبلية, ولكن من خلال تنافسات داخلية واصطفافات محاورية, لن تساهم الا في تراجع موقع حركة فتح في الشارع الفلسطيني.

وبدوره, يكون الرئيس عباس, من خلال حل المجلس التشريعي, قد ساهم في توريث الشعب الفلسطيني تركة أثقل مما يحمله هذا الشعب اليوم.

أما وقد وقعت الفأس في الرأس, كما يقال, فان الابداع الفلسطيني يمكن أن يحول هذه الصورة القاتمة المظلمة الى حالة ناصعة, مشرقة. هذا يتطلب من رئاسة السلطة الفلسطينية, من ضمن ما يتطلب,توجيه خطاب شامل لعموم الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج, وشرح الدوافع التي أدت الى حل المجلس التشريعي, رغم ما يتخلل هذه الخطوة من اشكالات, وايضاح الاجراءات التالية لهذه الخطوة, بما فيها الاعلان عن اجراء انتخابات رئاسية متزامنة مع الانتخابات التشريعية والبرلمانية, بما فيها انتخابات المجلس الوطني, حيثما أمكن.

ان من أهم متطلبات الاستقرار في مجتمع ما هو اعتماد مبدأ تداول السلطة وتوازن السلطات. وما أحوج الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة لكل مقومات التوافق حتى يتمكن المركب الفلسطيني الذي تعصف به الخطوب من كل حدب وصوب من عبور هذه المرحلة المفصلية بأمان وسلام.

استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here