هل إنتقمت إيران لحكومة مصدق

ali moukhtari

علي مختاري

لا يزال الإيرانيون  يتذكرون  بمرارة عملية الإطاحة بحكومة مصدق  الوطنية سنة  1953  والتي اعترفت مؤخرا  وكالة الاستخبارات الأمريكية أنها المسؤولة عن العملية  التي أطلق عليها اسم (أجاكس )، والتى جاءت نتيجة قيام حكومة مصدق في طهران بتأميم الشريكات النفطية من اجل وضع حد للاحتكارات الأجنبية على البترول الإيراني، ولكن المخابرات الغربية  ويدها  الخفية  استعادت  سيطرتها من جديد على القطاع النفطي بإسقاط   حكومة مصدق المنتخبة ديمقراطيا، ورغم الفشل الذي حيـق بحكومة مصدق إلا أن الخطوة الجريئة كان لها  الأثر البالغ  في  دفع عملية التأميم الذي عرفته الدول النفطية في المنطقة العربية والعالم الثالث عموما، ورغم الاختلاف الإيديولوجي بين حكومة مصدق ذات الميول اليسارية وحكومة روحاني  الإسلامية  إلا أن  الهم الوطني والتمسك بالحقوق  والثوابت الوطنية الأصيلة  في وجه الهيمنة الغربية على المنطقة يبقى واحدا ،وإذا كانت حكومة مصدق قد فشلت في عملية التأميم آنذاك نتيجة الاختراق الغربي للمجتمع الإيراني والدعاية الغربية القوية التي نجحت في تأليب الشارع الإيراني ضد حكومته الوطنية، فان حكومة روحاني قد نجحت في الحفاظ على حق إيران  في امتلاك الوقود النووي الذي يعتبر الأساس الجديد للطاقة البديلة للسنوات المستقبلية ،ومثلما  لم يقدم مصدق تنازلات للقوى العظمى  عن تأميم القطاع النفطي، لم تقدم حكومة روحاني تنازلات عن حق إيران في  تخصيب اليورانيوم داخل التراب الإيراني، الفرق فقط أن حكومة مصدق لم تكن ذات قرار مكين في الشارع الإيراني.

ولم تكن تأوي إلى ركن شديد آنذاك، أما حكومة روحاني فلها الشرعية السياسية والشعبية والدينية، وتستند إلى تحالفات دولية روسيا والصين ودول البريكس ،ولها أذرعها في المنطقة حزب الله والحوثيين  وشيعة البحريين والاقيات الشيعية في دول الخليج وترتكز على وحدة وطنية  قوية لما وجهت أنظار الإيرانيين نحو الهدف الاستراتيجي وهو إعادة إحياء الإمبراطورية الفارسية من جديد  برغم الحصار الاقتصادي  وارتفاع نسبة التضخم، أفشلت جميع المناورات الغربية  للقيام بانقلاب جديد داخل إيران  حينما أتقن الإيرانيين اللعبة السياسية والدولية جيدا فلم تتطور الخلافات بين الإصلاحيين والمحافظين إلى ما كانت تهدف أمريكا وحلفائها بقيام مظاهرات طلابية تعقبها مظاهرات شعبية تؤدي إلى إسقاط النظام عقب انتخابات تجديد الولاية الثانية لأحمد نجاد، لقد اظهر الساسة في إيران أنهم من نسل كسرى وورثة الإمبراطورية الساسنية، عندما أبدو جلدا وصبرا واثبتوا كفاءة  منقطعة النظير  في إدارة لعبة المفاوضات الدولية  وربح الوقت والحفاظ على الأهداف  والثبات على المواقف وقراءة التوازنات الدولية  والإقليمية بذكاء وبراغماتية  الدولة  والمصالح  والحفاظ على الأهداف  الإستراتجية. ومهما تباينت ردود الفعل الدولية والإقليمية عن نتائج مفاوضات جينيف(5+1) بين الخمسة الكبار الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا مع إيران،  بين مرحب ومرتاح  ومستاء من نتيجة  الاتفاق الإيراني الغربي الذي وضع  حدا لعقود من القطيعة الغربية الإيرانية ،ولكن الأكيد والواضح أن الحكومة الإيرانية  حققت الأهم  وهو الاعتراف بها كدولة نووية  في نادي الكبار وذلك بقبول الغرب مبدأ التخصيب داخل إيران  وبنسبة 5%لا تهم نسبة التخصيب ولكن المهم والأساس هو الاعتراف الدولي بإيران كقوة دولية جديدة نووية في الشرق الأوسط  وشريك أساسي وفعال في المجتمع الدولي، ورفع العقوبات الأوربية والأمريكية عن الاقتصاد الإيراني بصورة جزئية، الذي كان ولايزال يئن تحت  وطأة العقوبات وكذا الإفراج عن الأرصدة  والودائع الإيرانية من قبل المصارف والبنوك الأوربية والأمريكية ورفع العقوبات عن البنك المركزي الإيراني  مما يعطي الاقتصاد الإيراني  الناشئ مزيدا من الوفرة المالية والقدرة التنافسية في السوق الدولية خصوصا أن السوق الإيراني سوقا واعدة ولا تزال  بكرا على الاستثمار الأوربي والأمريكي على السواء ،لقد أثبتت الديمقراطية الإيرانية نجاعة وقدرة على التكيف مع المعطيات الدولية فلما جاء احمد نجاد رفع السقف عاليا أمام الغرب  ورفض الرضوخ للضغوط الغربية  واظهر  تحديا كبيرا للدولة العبيرية  وازدراء للمحرقة اليهودية في المحافل الدولية والإقليمية  ولكن لما  انتخب الإصلاحي روحاني  تنازل عن  سقف الخطاب العالي لسلفه ولم يتنازل عن أهداف الدولة الإيرانية ،إن التداول السلمي للسلطة في الجمهورية الإيرانية  -وان كان غير مكتمل الأركان حيث ولايزال المرشد الأعلى ممسكا بجميع قواعد اللعبة والإستراتجية -هو الذي منح إيران القدرة على المناورة وربح الوقت ورفع السقف وخفضه حسب المزاج الدولي  والإقليمي

وحسب الانتخابات الأمريكية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين من بوش والمحافظون الجدد إلى فريق اوباما وكيري وسياسة الاحتواء والقوة الناعمة، في حين لايزال العقل السياسي العربي في بؤسه  وعنجهيته المعهودة  لم يتبدل ولم يتغير ينفق المال ذات اليمين وذات الشمال من أمريكا إلى فرنسا طمعا في  تحقيق الأهداف عن طريق شراء ذمم الساسة  والمسؤولين  وصناع القرار، وإذا كانت السياسة  فن الممكن وفن المناورة ولكنها أيضا  صراع إيرادات  بين الدول   التي ستبقى دائما عبيدا لمصالحها  وأهداف شعوبها في التنمية والحياة الكريمة، والسياسة أيضا فن المفاوضة والثبات على الموقف  وإدراك للموازين القوى الدولية وتغيراتها  ومعرفة لمواطن القوة الذاتية وتوظيفها  وإدراك لمواطن الضعف لدى الخصم والضغط عليها، أما العرب أيتام عبد الناصر  فقد مولوا حروبا  من اجل تقديم العراق هدية لإيران، واليوم يقودون حربا أخرى بطريقة فجة في سوريا  يدفعونها لأقصى حد لتدير ظهرها للعروبة قاطبة  وتكون خالصة الوجهة لإيران أكثر من أي وقت  مضى انه حقا البؤس العربي في أقصى تجلياته، فالسياسة ليست مزاجا للزعماء ولكنها رسم سياسة أوطان  وأقدار شعوب لمستقبل بعيد.

Mokhtari_alli@yahoo.com

كاتب من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here