سفيان بنحسن: تونس: هل إلتقى قيس سعيد بالقاتل الإقتصادي؟

سفيان بنحسن

سنعتصركم ونفرغكم ثم نملؤكم من أنفسنا “جورج أورويل عن روايته  1984″، علينا جميعا أن نكون ظلا للعم سام نتبع خطواته ونسبح بحمده ونكون جزءً من شبكة عالمية تروج لمصالحه، علينا أن نكون دمى طيعة يحركها الدلنج ويتكلم نيابة عنها، علينا أن لا نفسد هذا المونولوج بأصوات نشاز وأن نذوب كالعصفور في قصيدة “فلسفة الثعبان المقدس” في روحه التي لا تنتهي ونصير بعض ألوهته وإمتداده وشبابه، علينا أن نملأ الفراغات في بيانات الخارجية التي يوزعها سعادة السفير ونترك له مفاتيح الكلمات يضعها كيفما شاء، فنحن أمة تحتفل بعيد الإستقلال دون أن تسعى لفك الأغلال ونحن أمة لا تخشى الموت لكنها تخشى الحياة الكريمة.

لا أذكر بيانا للخارجية التونسية بمثل هذا الوضوح والتحدي إثر الإفصاح عن تفاصيل “مظلمة القرن”، ولا أذكر حراكا ديبلوماسيا قادته تونس للتصدي لعربدة طغاة العالم، ربما هي المرة الأولى التي يتحدث فيها فصر قرطاج بلسان الشعب والأمة، لكنها قد تكون الأخيرة أيضا…  إن أمرا ما يحدث في أروقة قرطاج، والرئاسة التونسية التي عجزت عن التواصل مع الشارع وكشف الدسائس أمام الجماهير قد باتت هدفا لأكثر من جهة أولها العم سام وليس آخرها طوابير المطبعين الخونة الذين توجسوا خيفة من خطابات الرئاسة، فإعادة مصطلح التطبيع إلى تعريفه الأول “الخيانة العظمى” قد يثير الهلع في نفوس حشد من الجواسيس إنتشروا في مجالات السياسة والأعمال والإعلام والرياضة. والرد إن لم يأت من هؤلاء فسيأتي من أسيادهم في سفارات أمريكا وفرنسا وغيرهما وهنا فقط سيظهر ثبات القيادة من عدمه وسنعلم إن كنا امام ظاهرة صوتية كما إدعى المعارضون للرئيس أم أمام روح فارس عودة وأمام مقلاع لا يخشى فوهة الدبابة. الأحداث الأخيرة في تونس توحي بأن الجولة الأولى قد خسرها الرئيس وآلت إلى المطبعين ومن قبلهم إلى أسيادهم في البيت الأبيض والأراضي المحتلة، وإليكم قراءة سريعة في أهم الأحداث:

  1. موجة من التطبيع الرياضي غير المسبوق يهدف من خلالها اللوبي الصهيوني في تونس إلى إحراج الرئيس وضرب تعهداته عرض الحائط، يقابلها عجز القصر عن تحويل شعار الخيانة العظمى إلى قانون يطبق بحزم على المتجاوزين.

  2. إقالة مندوب تونس في الأمم المتحدة “المنصف البعتي” بعد أن صاغ الرجل مشروع قانون لإدانة صفقة القرن وإدانة أصحابها مؤمنا أنه يمثل نظاما ثوريا يحمل أصحابه أرواحهم على أكفهم

  3. إمتناع الرئيس عن تمثيل تونس في قمة الإتحاد الإفريقي التي سيحضرها محمود عباس من أجل حشد التأييد الإفريقي لقضية العرب في فلسطين والتعلل بوعكة صحية تمنعه من السفر خلال الأيام الأربعة المقبلة، أي أن الوعكة ستزول مع إنتهاء القمة

خلت لبرهة أن الفراغ الذي تركه غياب ناصر ثم صدام والقذافي لن يدوم وأن جيلا من “المناطحين لأمريكا” سيولد من رحم الديمقراطية الحديثة في تونس قبل أن تستحضر ذاكرتي تفاصيل ذكرها كاتب أمريكي في كتابه “الإغتيال الإقتصادي للأمم” confissions of an economic hit man  تحدث فيه عن دور كان يلعبه كقاتل إقتصادي يدافع عن مصالح اللوبيات الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ذكر جون بيركنز أن ترويض حكام العالم الثالث يتم على ثلاثة مستويات  كحد أقصى:

  1. الأول إرسال القاتل الإقتصادي ليملي على الحاكم ما عليه فعله تهديدا وترغيبا، وعادة ما تكون مهمة هذا القاتل كافية ليعود الحاكم إلى خيمة الطاعة متعظا بمصير من تحدى أمريكا في السابق كمحمد مصدق وآربينز غوزمان وسلفادور اللندي وغيرهم

  2. إن فشل مسعى القاتل الإقتصادي يأتي دور أبناء آوى jacalsوهم مجموعة من القتلة مهمتهم تصفية المتحدي بعمليات نوعية غامضة تسجل ضد مجهول وتنتهي بإسقاط النظام

  3. في حال فشلت الخطة الثانية يأتي الدور على الغزو العسكري لتغيير النظام بالقوة وهدم المعبد على أصحابه

يذكرنا الكاتب بمصير رئيس بنما في سبعينات القرن الماضي عمر توريخوس الرجل الذي أصر على تحدي الإرادة الأمريكية لكنه أسرّ للكاتب بأنه يعي جيدا أنه هالك لا محالة لكنه قد عزم على أن يسلك الدرب حتى النهاية وأن يؤمم القناة ويدعم الطبقات المهمشة في بلاده بعائداتها. صدقت نبوءة توريخوس ونجح أبناء آوى رجال السي آي إيه في تفجير طائرته سنة 1981، وكان مصير زعيم الإكوادور خايمي رولدوس مشابها بعد أن فشلت مهمة القاتل الإقتصادي في ثنيه عن عزمه على التحرر من ربقة العم سام، ويذكرنا الكاتب أيضا بالشهيد صدام حسين الذي فشل القاتل الإقتصادي في ترويضه في الثمانينات ثم فشل مفتشو الأسلحة النووية وكانوا من ال jacals في تحديد مكانه وإستهدافه فكان المرور وجوبا إلى المستوى الأخير أي الغزو العسكري.

تعود تفاصيل هذا الكتاب إلى مخيلتي وأنا أرقب ما يبدو أنه تراجع للرئاسة التونسية عن مواقفها القوية بسبب ما نعتقد أنها ضغوطات شبيهة بالتي تحدث عنها الكاتب، هل إلتقى قيس سعيد بقاتل الإقتصادي كالذي إلتقاه عمر توريخوس؟ وهل نجح القاتل في إقناع قيس أن يستوحش طريق الحق لقلة سالكيه؟ ما حقيقة المرض الذي أقعده عن ممارسة نشاطه؟ ولماذا أقيل المنصف البعتي وقد أبلى بلاء حسنا في محاولة إحراج الإدارة الأمريكية؟ هل جاء نص إقالته من قرطاج أم من البيت الأبيض؟ ثم هل يقعد المرض رجال السياسة؟ تردد السؤال بداخلي مرارا وأنا أستحضر كتابا آخر حمل عنوان “الصحة والسلطة” لكبير أطباء الكريملين يفغيني شازوف الذي باشر حالة عبد الناصر حتى اليوم الأخير ونصحه بالخلود إلى الراحة وعدم إجهاد النفس في العمل لكن الزعيم الذي كان يدرك أنه يقود أمة لم يتمكن من الحصول على إجازته المرضية وإنهمك في عمله المضني متناسيا “تصلب الشرايين وإحتشاء القلب”، فلماذا أقعدت نزلة برد رئيسنا ومنعته من حضور القمة الإفريقية والوقوف مع عباس في معركته الدبلوماسية؟

يأبي العقل أن يصدق أن العالم سيغفر لقيس وصفه للتطبيع بالخيانة العظمى، فإما أن يرتد عما قاله وإما أن يهيء نفسه لإنتقام أبناء آوى، ولا ندري أي طريق سيسلك الرئيس في قادم الأيام، لكن إن كتب لهذا النص أن يصله فهذه نصيحتي عله يأخذ بها “أحكم البلاد بقلب فارس عودة، وكن كابوسا يقض مضاجع المطبعين، قد منحتك الحياة فرصة وقفة عز أمام إمبراطوريات الشر وأذنابها فحاذر أن تكون كما قلت يوما “سطرا مخجلا على صفحات التاريخ” وإعلم أن توريخوس ومصدق وغوزمان وصدام والقذافي كان بإمكانهم المفاوضة على حياتهم لكن الفارس النبيل لا يولي ظهره لسياط الفرار في معارك الشرف والإباء”

Benhassen.sofiene@yahoo.fr

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. ألا تعتقد يا أخ مالك أنّ أعوان الخير أكثر بكثير من أعوان الشّر مع رئيس مخلص مثل قيس سْعـيّد؟

  2. لو كنت ناصحا ال ئيس قيس لنصحته بان يكون براغماتي لا يستطيع لوحدة مواجهة جبروت امريكا عليه ان يرسي اسس الديمقراطيه والحرية في تونس لعلها تستمر لأنني أخاف عليه لأن تونس حديثة عهد بالمريخ الديمقراطيه والافاعي والثعالب مسيطرين لغايه الآن ولا بد من السير ببطء لانه لن يجد على الخير اعوانا

  3. يعني تريد من التونسين الذين يعيشون انهيار اقتصادي الذين لا يملكون لا نفطا ولا غازا كدول الجوار ودول الخليج ان يرموا بانفسهم في المحرقة الصهيونية وان يعلنوا الحرب على امريكا وعلى الكيان الصهيوني الغاصب في المقابل هرولة دول الخليج للتطبيع … تونس لا تستطيع ان تنتصر لوحدها في حرب خاضها المرحوم صدام حسين و القذافي وخسروا فيها رغم ان بلدانهم نفطية وتعج بالثرات البيتروكيمايائية .. لا تطلب من الاستاذ قيس سعيد ان يرمي نفسه و يرمي شعبه في محرقة من اجل ان ترضى عليه الشعو ب العربية … نعم نحن ضد التطبيع التي وصفها رئيسنا بالخيانة العظمى و ضد “سرقة القرن” و مع الشعب الفلسطيني ظالما و مظلوما ولا تطلبوا منا اكثر من ذلك فالعنتريات الاولى ان يقوم بها الدةل الكبرى كمصر و الخليج الذين يملكون اوراق ضغط على الكيان الصهيوني وليس تونس المحدودة جغرافيا و “ثرواتيا” ان صح التعبير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here