هكذا بدأت الاحداث في سوريا “مقاربة في الشعارات وتحولات المسار “.. هل يعتبر اللبنانيون من الدرس؟

الدكتورة حسناء نصر الحسين

بدأت الاحداث في سوريا بتظاهرات مطلبية حملت المطالبة بإصلاحات متعلقة بالوضع المعيشي بجانب مطالبات بالتعددية الحزبية في البلد وكانت الشعارات انذاك لا تتعدى سقف المطالب الاصلاحية، لتتحول تلك التظاهرات الى ساحات اعتصامات، وكان تعامل الدولة السورية سريعاً مع تلك المطالب الاصلاحية وقدم الرئيس الاسد في اكثر من خطاب خطة اصلاحية تحتوي تلك المطالب وكان حريصا على ارسال ممثلين شخصيين عنه للنزول الى الساحات والاستماع للناس المحتجين وتقديم كل التنازلات المرضية لهم، وحينها نُفذت العديد من المطالب الفورية منها اطلاق سراح المعتقلين وعمدت الدولة الى احتواء الشارع عبر خطوات عملية منها تغييرات وزارية والاعداد لانتخابات برلمانية بل وتغيير في الدستور، إلا أن كل هذا لم يرضي المعتصمين، وأثناء هذا التعاطي الايجابي من قبل الدولة السورية لمطالب المحتجين بدأت تبرز الممارسات التخريبية من استهداف لمؤسسات الدولة والاعتداءات على مراكز الشرطة .

وفي الوقت الذي لم يتعامل فيه المتحجون في الساحات مع ما قدمته الدولة السورية بدأت تتحول الشعارات من شعارات مطلبية محقة إلى شعارات بأسقف عالية وصلت حد المطالبة بإسقاط النظام وسرعان ما برزت الشعارات الطائفية،  وبدأت الدولة تفهم  ماوراء الأكمة وما خلف تلك الشعارات التي يرددها المحتجون في ساحات الاعتصام التي بدأت بمشاهد بسيطه وتحولت الى ساحات مترفه بكل صور الدعم ( خيم بلون واحد مفروشة بسجاد راقي بجانب الاكل والشرب وحتى الحلويات ) واُغرقت الساحات بكل وسائل الراحة ووسائل التواصل واحدث تلفونات البث، ولم تسلم هذه الساحات من اقتحامها من قبل قادة الارتباط بالخارج والذي قدموا انفسهم قادة لما سمى بالثورة في حينه، وهذا يشير إلى بداية حضور الدعم الخارجي للاحتجاجات وساحات الاعتصام، وكان مشهد التدخلات واضحاً عبر الاصرار على الهتاف  بشعار اسقاط النظام، لتبدأ انعطافة المسار المطلبي الى مسار انهيار الدولة، وتحولت ساحات الاعتصامات الى مراكز تنطلق منها حملات الاعتداءات وكل الممارسات العدوانية ضد رجال الأمن الداخلي واستهداف مراكزهم .

هذا المشهد هيء لأرضية دخول المندسين وعملاء الخارج ضمن المحتجين والمعتصمين بالساحات، لتمتد الأيدي الخارجية وتلعب بكل المشهد الحاصل عبر تحويره وتبديله والتحكم بكل مفاصله، وبدلاً من اشهار الاصوات المطلبية الحقة اشهرت الاسلحة وقنابل المولوتوف لتستهدف الدولة ومؤسساتها والممتلكات العامة والخاصة، ويبدأ معها تحريك الآلة الاعلامية الضخمة لتمارس دور التأجيج وصب الزيت على النار وتنقل الصورة على غير حقيقتها راسمة مسارات الانحراف بهذا المشهد الذي بدأ مطلبياً وانتهى بالذبح والارهاب الدولي .

تتصاعد الاصوات الخارجية بناء على استدعاءات الداخل المرتبط بتلك الاطراف والذي رأى في حضور الخارج ضرورةً لضرب رأس الدولة واستهدافه، ويبدأ معها الخارج تحويل سوريا الى محطة تجميع للإرهاب وصناعة الجماعات الارهابية بعد ان أدخل السلاح بكل انواعه للبلد وسلمها إما لجماعات تحمل الفكر المتطرف أو لجماعات أخرى هي أساساً خارجة عن القانون ومطلوبة من قبل الدولة السورية، وعندما فشلت الادوات المحلية في الداخل باسقاط الدولة بدأ الرفد بجماعات متطرفة من الخارج وأُغرقت سوريا من كل اصقاع الارض بكل جماعات التكفير والارهاب، وتبدأ معها الدولة السورية مشوار المواجهة لعدوان خارجي بذراعيه السلاح الاسرائيلي الغربي والارهاب العالمي .

المشهد اللبناني اليوم لا يذهب في بدايته بعيداً عن المشهد السوري مع الاشارة هنا الى تشابه البنية المجتمية بين الدولتين من حيث التعدد والتلون الطائفي، ويبدأ الحراك الشعبي اللبناني يتشكل في الساحات بشكله العفوي حاملا مطالب الناس المحقة ذات البعد الاصلاحي، وبنفس سرعة تشكل ذلك المشهد الذي بدأ بحراك شعبي مطلبي عابر للطوائف والاحزاب وبدأت معه الشعارات المطلبية، حصل التحول في مسار الشعارات لنسمع فيما بعد شعارات مهيجة للطائفية ( كلن يعني كلن)، وشعارات تستهدف المقاومة وسلاحها ( ما بدنا جيش بلبنان إلا الجيش اللبناني) في إشارة واضحة لاستهداف سلاح المقاومة في لبنان، ولتصل في الأخير الى شعار الشعب يريد اسقاط النظام لتعيد هذه الشعارات الى الاذهان صورة البدايات للمشهد السوري بكل تفاصيله .

وبنفس الادوات الاعلامية التي حورت المشهد السوري تحضر في المشهد اللبناني لتمارس نفس الوظيفة التي مارستها إبان الاحداث في سوريا، وتتعاطي مع المشهد اللبناني بنوع من التأجيج ورسم مطالب تبدأ باسقاط النظام ولا تتوقف باستهداف المقاومة اللبنانية وقائد هذه المقاومة، ولا تختلف كثيراً  صور استهداف الجيش والامن اللبناني بالشكل الذي يذهب بالاحداث الى منحى فوضوي يدفع بالدولة لانتهاج خيارات لم تكن تفكر في اللجوء اليها .

وعلى نفس شاكلة الغرف السوداء التي كانت تُدار منها صناعة الشعارات في سوريا يسير الوضع الثوري في لبنان، للتحول الشعارات إلى أخطر سلاح يعطي قراءة لطبيعة الادارة لهذا الحراك والراكبون على اكتافه بهدف حرف مساراته وإيصاله الى حالة الصدام مع الدولة بكل مؤسساتها .

ومع ما قدم من أوراق اصلاحية واقتصادية وخطاب هادئ من قبل قادة الدولة في لبنان يحمل في ثناياه مساعي الاستجابة  للمطالب الشعبية، إلا أن التعاطي غير الايجابي من الحراك والرفض لذلك الخطاب وكل ما قدم على المستوى الرسمي يضع العديد من علامات الاستفهام حول ما وصل إليه الحراك الشعبي اللبناني وهذه الجزئية تطابق تماما مع ما جرى في المشهد السوري .

في الخلاصة.. لا تختلف كثيراً بدايات الصورة ولا يتباين المشهدان فتحول مسارات الشعارات وبروز الحضور الخارجي في مسار الحراك الشعبي واحد، ولعل الملفت هنا أن الخارج المتدخل هو واحد في كلا المشهدين، وتحضرني هنا صورة السفير الامريكي في دمشق روبرت فورد ونزوله التضامني مع المتظاهرين في ريف حماة في الاشهر الاولى للاحداث ومطالباته بتنحي الأسد ليتوجه بخطابه المملوء بالسموم والمتخم بالعفن الامريكي الى المتظاهرين، ولن استغرب هنا إن جاء يوماً مشهد السفيرة الامريكية في بيروت إليزابيث ريتشار وهي تقود التظاهرات في وسط بيروت وتلقي على المتظاهرين خطاباتها الثورية على شاكلة الخطاب الذي ألقاه روبرت فورد في ريف حماة بسوريا .

وأمام هذا الدرس السوري كلي أمل من كل اللبنانيين أخذ العبرة والتقاط العظة مما جرى في سوريا فالدرس السوري مليء بما يساعد اللبنانيين على تجاوز هذه المرحلة ..ولا أرى الله لبنان أي مكروه .

علاقات دولية – دمشق

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يعني الخوف من “الفوضى الخلاقة” و قيام المتربصين الامريكان و الصهاينة باستغلال الموقف، أن يسكت اللبنانيون و يقبلون باستمرار أمراء الطوائف و بطاناتهم في نهب و سرقة البلد؟ و أن يستمر الفساد و نهب الموارد و امتصاص دماء اللبنانيين الى نهاية التاريخ ؟ و لماذا يقبل حزب الله بأن يكون جزءا من حكومة طوائفية فاسدة و يقوم بالتغطية على فسادها بدلا من تعريته؟ هل يمكن أن يكون السبب أن إيران (بسبب حساباتها الخاصة) لا يناسبها حاليا فتح ملفات عجز امراء الطوائف عن اخراج اللبنانيين من النفايات التي تحاصرهم و انعدام الطاقة الكهربائية و الخدمات الأخرى؟ و هل يمكن حل أي مشكلة بالهروب منها؟ و إلى متى؟ أم أن حزب الله نفسه (و رغم تقديري و تقدير كل عربي غيور لكل ما قام و يقوم به من مواجهة مشاريع اسرائيل و أمريكا و عملائهما) هو في النهاية محصور بطائفة و لا يمكنه طرح نفسه كممثل للتطلعات الحياتية المشروعة لكل اللبنانيين؟ أليس على الحزب واجب أن يكون في طليعة من يقدمون الحلول بدلا من أن يرضى بأن يكون جزءا من المشكلة؟. هل تدرك الكاتبة و هي تطرح ما حصل في سوريا ان السبب الوحيد الذي يدفعنا الى الوقوف مع النظام في سوريا هو أن المعارضة هي أما مأجورة او متخلفة أكثر من النظام نفسه؟ و لماذا انتظر النظام و سكت عن الفساد و القمع طوال نصف قرن حتى بلغ السيل الزبى و فات الأوان فعلا ليقدم وعوده بالاصلاح؟ و هل يثق أي عاقل عربي موضوعي في قدرة النظام على إصلاح نفسه؟ خصوصا أن الدمار الذي لحق بسوريا و شعبها يتحمل النظام المسؤولية الاكبر عنه!! لم يعالج نفسه من الفساد و الجمود و القمع حتى اذا ما ثار الناس لم يستطع اسكاتهم و لا منع آل سعود و آل خليفة من شراء و لاءهم، و لا حتى الدفاع عن نفسه (فضلا عن الشعب و البلد) ضد قطعان داعش، و لولا القوات الروسية و قوات حزب الله لما استطاع البقاء.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here