هكذا اصطَفَت الدولة الأردنية “معارضتها الخارجية” وتساءلت المنظمات الدولية عن شرعية محكمة “أمن الدولة”.. “رأي اليوم” تقرأ: من هم المعارضون في عمّان؟ وكيف توحّدت الحراكات على الرابع؟ أين هند الفايز وأحمد عبيدات وغيرهما من المشهد؟

برلين – “رأي اليوم” – فرح مرقه”

لم يعد مشهد احتجاجات الخميس من كل أسبوع في العاصمة الأردنية وحده المغري إعلامياً لتتبعه، ولكن المشهد الأكثر إدهاشاً في المشهد هو التصنيفات التي تقوم بها الدولة من جهة، والإسقاطات التي تحاولها جهات مدنية وحزبية من جهة ثانية.

تتبع التفاصيل المذكورة قد يقود لفهم ما يعتبره بعض الحراكيين “مُضحكاً وألعوبة من مؤسسات الدولة”، بينما قد يدرك بعض المحللين السياسيين أنه “ذو أهمية كبيرة” خصوصاً في الفجوة الكبيرة بين الأرض وفهم الدولة في التفاصيل.

تحليل المشهد الحراكي بالدرجة الأولى بحاجة بعض التوضيحات حول الموجودين في الشارع الأردني وخلفياتهم، والأهم الحديث ببعض التفصيل حول “الراكبين الجدد” مع الحراك، والذين تصنفهم الدولة كقادة بينما الشباب من الناشطين في الشوارع يصرون في حديثهم لـ “رأي اليوم” وفي منشوراتهم ومعلوماتهم على أن “لا أحد يقودنا.. وليس لأحدٍ الحديث باسمنا”.

التواصل مع عددٍ من الحراكيين المختلفين يوضّح سلفاً “عطب” الرواية المعارِضة التقليدية (وهنا الحديث عن شخصيات معارضة تنتمي لفئة “السابقين” من النواب ورجال الدولة) من جهة، ونظيرتيها الحزبية والنقابية من جهة ثانية، بالإضافة للرواية التي تتبناها المؤسسات الحكومية أو حتى التابعة مباشرة لمؤسسة العرش.

الفئة الباقية وغير المذكورة التي تروّج لها الدولة تحت مسمى “المعارضة الخارجية” يمكن إدراك انها بدأت تكتسب أهمية عملياً لدى الحراكيين بعد تصريحات وزيرة الاعلام جمانة غنيمات حول “المعارضة الخارجية” مع بدء حراكات يوم الخميس، كما لا تزال تكتسب زخماً مع إشارة ملكية تنفي ما يورده بعض من قررت مراكز القوى تسميتهم “معارضة الخارج” عن كون عاهل البلاد “زهق” أي ضجر وملّ من البقاء في الحكم.

المعارضة الخارجية مجدداً..

الرد الملكي، جاء بعد سلسة تصريحات ثم أفعال (تمثلت باستخدام العنف مع المتظاهرين قبل أسبوعين واعتقالات واسعة) تؤكد أحد أمرين: الأول أن الدولة مقتنعة فعلاً بأن من يقومون ببث فيديوهات من خارج الأردن تتحدث عن الشأن الداخلي بسقف مرتفع مؤثرين بالشارع الأردني. والثاني أن الدولة تقرر تكريس الافتراض الأول كحقيقة بدلاً من التعامل مع الوقائع على الأرض وهذا له أهداف كثيرة بطبيعة الحال، قد يكون أهمها “تفسيخ” المطالب الحراكية وإضعافها من جهة، ثم الورقة الإقليمية التي تظهر عمان كعاصمة مستهدفة من الخارج من جهة أخرى.

عملياً وبالتعريفات السياسية، يقرّ كثر من السياسيين أن “لا يوجد للأردن معارضة خارجية”، وحتى قبل أسابيع كان يتم الحديث عن “شخصية او اثنتين” موجودة في الخارج ويستثمر فيها “الجيران” تارة في إسرائيل وأخرى في السعودية وغيرها، إلى ان ظهر التقييم البارز للدولة على لسان وزير الاعلام – والذي أكد وزير الاعلام الأسبق الدكتور محمد المومني لـ “رأي اليوم” في حينه انه تم تأويله لاحقاً- عن “تعليقات مسيئة للأردن تأتي من الخارج”. الاكتفاء بهذا الشق من التقييم قد يكون مفيداً جداً في فهم الفرق في تعامل الدولة مع مشهد ما تصر على تسميته “معارضة”.

بين “تعليقات مسيئة من الخارج” و”المعارضة الخارجية”، تظهر مؤسسات الدولة وهي تتجه بتقصّد في المرحلة الحالية لايجاد الصيغة الأخيرة، رغم ما تدركه المؤسسات جيداً حين تضع في موازين القوى التعريفات المنطقية للتصنيف، حيث المعارضة يجب ان تكون “شخصيات ذات خلفيات فكرية وسياسية وخبرة واسعة في الشأن العام ومخاطَبة الجماهير ولديها بديل واضح للوضع الراهن”، هذا ما ليس موجوداً بوضوح في الخارج. ولكن الأمر الأكيد أن الروايات ذات السقف الأعلى هي دوماً المرغوبة لدى الجميع، وهذا ما تفشل الدولة في الوصول إليه، كما تفشل في إيجاد شخصيات مقنعة تدحضه، في حين يروج “الخارجيون” رواياتهم.

نحت مفهوم “المعارضة الخارجية” في الأردن جعل الحديث عنه متداولاً بالفعل، وان كان يسقط حراكياً وعلى الأرض بالمقابل، ولكن خطورة المفهوم في إيمان الدولة الحقيقي به (أو حتى الإيحاء بذلك)، وتتبّع أفرادٍ منتشرين خارج حدود الأردن واستخدام أدوات قياسٍ “تجارية” لتقييم وزن هؤلاء، وهو ما لا يصلح بالضرورة في التقييم السياسي.

في جانب التقييم، قد لا يذاع سرٌّ حين يقول الخبراء أن الدولة تعاني ندرة الأدوات الحقيقية والمهنية، لا بل وأنها حين تجدها تغرق في انكارها كما حصل مع تقرير حالة البلاد الذي عكف على اعداده الدكتور المسيّس مصطفى حمارنة لاشهر، ثم بدأت مؤسسة ديمقراطية كالهيئة المستقلة للانتخاب في انكاره. الحادثة المذكورة، لها أبعادها ولكن المهم انها نموذج صارخ على استمرار حالة الانكار حتى في المؤسسات المستحدثة، والتي يقودها أحد نجوم المعارضة السابقين الدكتور خالد الكلالدة.

بختام الحديث عن المعارضة الخارجية، يمكن التنبه والتتبع لكون الدولة بدأت تتعامل معها كأساس، وتتعامل مع الحراك كتابع، في حين تتجاهل “كرة الثلج” التي تتدحرج كل خميس من مطالبات حراك الشباب في الشوارع بالمزيد من الحريات إلى جانب تقليل الأعباء الاقتصادية.

من هم معارضو الداخل؟..

في الداخل بالمقابل، هناك ما يمكن تصنيفه بالمشهد اللافت، حيث شخصيات وكيانات توصف بالمعارضة أيضاً، إما تنزل للشارع أو تفكّر وتجتمع وتتناقش حول النزول مع الشباب الحراكي، هنا يبرز اسم النائبة السابقة هند الفايز مثلاً، وجماعة الاخوان المسلمين بشخصياتها القيادية المختلفة والمعارض التاريخي ليث شبيلات ورئيس الوزراء الأسبق احمد عبيدات وغيرهم. شباب الحراك يصرون بحديثهم لـ”رأي اليوم” انهم لا يحتكرون الشارع ولكنهم بالمقابل لا يتبعون لأحد ممن وردت أسماؤهم ولا غيرهم. الحراكيون وبذلك يذكرون الجميع انهم يتقدمون بخطوات براغماتية صرفة على معظم القوى السياسية والحكومية التي لم تفلح حتى اللحظة في البناء على أي مشترك حقيقي منذ الحراك الماضي.

مقابل رأي الحراكيين، لا تزال المؤسسات الحزبية والمدنية تحيا أزمة داخلية حيث لا يمكنها اتخاذ قرار اذا ما كانت تستطيع تحمل كلفة الحراك وسقوفه العالية في المطالبات، في حين يصر البعض على ضرورة مواكبة الحراك و”قيادته”. بغض النظر عن سقف توقعات الحزبيين والمعارضين التقليديين المرتفعة بخصوص تأثيرهم في شارعٍ لا يكاد معظم افراده يعرف منهم الا فترة انهزامات وزيادة في الأعباء، الا ان أزمتهم الداخلية تجلت بتواجد شخصيات من كل طرف سياسي بصفتهم الشخصية في محيط الدوار الرابع في الخميس الأخير. الحديث عن حزبيين من التيار الشيوعي ومن الإسلاميين وغيرهم.

بهذه الصورة، تكون حتى شخصيات المعارضة الداخلية عملياً بعيدة عن مستوى التأثير في الحراك، رغم ما تضيفه من زخم “الوجوه” والتوجهات، كما وزخم محبي ومؤيدي هذه الشخصيات، ولكن الحراكيين في هذا المجال لا ينسون التذكير بليلة الخميس الأول حين تعاملت معهم كل القوى السياسية والمدنية من منهج التشكيك.

من الحراك إذن؟

تشكيك الدولة والمؤسسات الحزبية والمدنية بهوية من ينزلون الى الشارع، قد لا يكون عملياً “تخويناً” قدرما هو في الواقع ضعف آخر في المجسات المحلية من جهة، ومن جهة ثانية وأكثر أهمية لأن لا عنوان واحد لهؤلاء، حيث هم مجموعة الشباب الذين ابتدعوا “ستراتهم الصفراء” قبل الفرنسيين في رمضان الماضي، ويرفضون في كانون الأول ان يتم فعلياً التلاعب بإرادتهم الأولى وقرروا النزول مجدداً.

متابعة الناشطين على الدوار الرابع في رمضان، تظهر جيداً انهم انفسهم الموجودين في الشوارع اليوم، مع إضافة بسيطة هي انهم ارحب صدراً لتقبّل إخوانهم من المحافظات، في الوقت الذي تنازل فيه الاخيرون عن الصورة النمطية لـ “سذاجة مطالب” أبناء العاصمة، لتنجح الدولة بتهميشها مطالب حراك رمضان بدمج حراكات المحافظات او ما عُرف بحراك 2011 مع حراك العاصمة.

المشهد اليوم أخطر على مؤسسات الدولة ويزيد في الفجوة بينها وبين الشارع، فأبناء العاصمة يستخدمون أدواتهم المتقدمة جداً في تدويل قضايا لا تتابعها المؤسسات الأمنية المنشغلة في “ريتينغ” المعارضين في الخارج، حيث تتابع منظمات دولية حقوقية وتتواصل وتسأل عن اسم “رامي سحويل” (المعتقل الدوري لدى الدولة) وتهتم بقضيته مع السفارات في عمان وتبدأ تحركاً حقوقياً ضد محكمة أمن الدولة الخاصة في الأردن، سيخرج للعلن قريباً.

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. تحليل يقترب من الواقع كثيرا والحراك على الرابع يمثل حالة تفاعل سياسي واجتماعي نحن بحاجة له بعد عقود من الجمود السياسي والاجتماعي مررنا بها ولا يمكن لمجتمع ان يتقدم ويتطور الا من خلال الصراعات السياسية والاجتماعية التي قد تكون سلمية في المجتمعات المتقدمة وتعبر عن نفسها بإنتخابات حقيقية هي بديل عن الثورات العنيفة او بأشكال سلمية اخرى كما في حراك الرابع او صرعات عنيفه كما في الدول المتخلفة سياسياً واجتماعياً .
    ان محاولات اتهام الحراك بإرتباطه بأي جهات خارجية هو تراث توارثناه من أيام معاويه بن سفيان باتهام علي بن ابي طالب ورفاقه بعلاقتهم في شخصية عبدالله ابن سبأ (شخصية اخترعها الاقطاعيون ضد الكادحون)،ولا زلنا حتى اليوم نشاهد اتهام أي حراك تقدمي بالارتباط بالخارج.
    ان حراك الرابع منارة تعكس ارقى ما في الاْردن من فكر حي تقدمي قياساً بمؤسسات متخلفة غير قابلة للتطور وتشكل العائق ضد تطورنا السياسي والاجتماعي.
    ان على كل شريف ان يشارك في هذا الحراك حفاظاً على وطنه ونفسه والى مجتمع اكثر عداله وتحضر.

  2. معقول معارضة الخارج بتاثر بالحراك ؟ ما بضن … معارضة الخارج كلام بكلام وكل يوم وجه جديد . وكل واحد بذم بالثاني … شوربه يا ست فرح ما بتنفعنا

  3. الحراك الحالي اكاد اقسم انه غير مدفوع من احد لا من الخارج ولا من الداخل ولكن مدفوع فقط من حرقة الشباب الاردني على رؤيتهم شمعة الوطن التي تنير الجميع بنورها تنطفئ امام اعينهم ولا يسطيع احد ان يمنعها او يفعل لها شيئاً .. فالله درّك يا وطني ما اصبرك !!!

  4. مع الاحترام للكاتب
    هذا التقرير بعيد كل البعد عن واقع الحال عن حقيقة ما يجري في الحراك على الدوار الرابع زفي المحافظات
    فهو حراك الشباب دونما ارتباط بالأحزاب ولا النواب ولا المخابرات ولا الاخوان ولا النقابات ولا الخارج. وان حاول هؤلاء وبعض الشخصيات التظاهر انهم يقودونه وهذا غير صحيح فانا واحد من عناصر الحراك
    انه حراك وطني أردني لابناء الشعب ومن يشاركون به انما يشاركون بأشخاصهم وليس بأحزابهم
    وان الدولة بالأردن تبحث عن امرين:
    من هي قيادة الحراك واقول ليس له قيادة وانما ضمير وطني لدى المشاركين يشدهم الى بعضهم بعضا
    وتبحث عن كيفية تفكيك الحراك ول تستطيع وسوف يتوسع وينظم اليه المتقاعدون والمزارعون والافراد العاملين في أجهزة الامن
    انه حراك وطني لا يقوده أحد سوى الضمير الوطني
    فلا تشغلوا أنفسكم
    بمعرفة القيادة ولا بكيفية التفكيك
    واعود للقول ان التقرير أعلاه لا علاقة له بما يجري او لم يوصف الحالة
    د احمد عويدي العبادي المشارك الدائم بحرك الرابع بعمان
    الاحد 30/12/2018

  5. اكبر ظلم في الاردن هو ظلم فرض الضرائب العبثي والانتقائي الذي دمر عائلات وشردها!!!

  6. ليس هنالك في الاردن معارضة خارجية او داخلية بالقدر الذي ذكره التقرير ،بل هناك اصوات ترتفع انتقادا لسياسة الدولة الاردنية خارجيا وداخليا..فمثلا ابطال معارضة الخارج اصبحوا معروفين للدولة العميقة كمضر زهران ونايف الطورة واسامة فوزي ومحمد صيام وخالد كساسبة ولؤي حتاملة وعوني حدادين وهؤلاء جميعا يعتاشون من نقدهم واليوتيوبات المذاعة..ثانيا معارضة الداخل او ما يعرف بحراك الرابع ليس لهم مطلب موحد ومشكوك باصواتهم واجندتهم بسبب ارتباطهم بالسفارات الاجنبية في الاردن ما عدا حسب اعتقادي النائب السابق هند الفايز وسعد العلاوين وحسام العبدللات واحمد النعيمات..اما الاشخاص كاحمد عبيدات واحمد عويدي العبادي وسالم الفلاحات فهؤلاء معروفة ولاءاتهم ..اما حزب جبهة العمل الإسلامي فهم يعملون سياسة لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل هناك مصالح مشتركة مع الدولة العميقة وهم الاقوى على الساحة الاردنية ويعملون بدهاء.

  7. مجلس نواب الاردن هو من يتحمل مسئولية كل شىء يدور في الاردن وهم الذين اوصلوا الوطن والشعب الى هذه النقطة الحرجة وخاصة رئيس المجلس فهم لا يهمهم الا انفسهم وكلهم يبحثوا عن مكتسبات خاصة بهم ….

  8. المعارضه هي الشعب الذي يتحمل سرقات ونهب الفاسدين , الشعب الذي يريد مسؤولا كفؤا وأبن شارع , الشعب الذي فقد الثقه بحكوماته ولا يثق بألأساس فيمن يقال انهم يمثلونه في البرلمان .

  9. يا سيدتي مقالك موسع جدا جدا وتتضيع الفكره منه ومضمون التحليل والمقال . لو تكرمت علينا بتقصير المقال وإعطاء الفكرة أفضل وشكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here