هذيان بولتون.. الصراع الأمريكي-الصيني على أفريقيا!

د. نبيل نايلي

“إنّ الاقتصادات الغربية عبارة عن قوى متنفّذة، إلاّ أنّها غير قادرة على مواكبة النّمو الصيني الدّاخلي أو منافسة الصين فيما كان يُطلق عليه اسم “العالم الثالث””.غلان فورد،    Glen Ford.

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العنان لمستشار الأمن القومي، مستشار الأمن القومي جون بولتون، John Bolton، “كلبه الحربي”، للسّخرية والتّطاول على الصين التي تحاول –حسب رأيه- “الحصول على ميزات تنافسية” في أفريقيا من خلال ممارسات “ماكرة” يُفترض أنها تشمل “رشاوى واتفاقات مشبوهة واستخدام خبيث للدّيون” وذلك لجعل الدول الأفريقية أسيرة “لمخطّطات بكين الجهنّمية.

وكان أن ألقى خطابه في مؤسسة هيريتيدج اليمينية الشهيرة، Heritage Foundation، المؤسّسة المتخصّصة في صياغة السياسات الاجتماعية التي تروق للأغلبيات البيض المتطرّفين. بولتون أمكنله أن يكون واثقًا من أنّ جمهوره لم يكن يعرف سوى القليل عن حالة العالم فعليا، ويجهل الحقائق في أدنى تقدير، بل ولا تعنيه أفريقيا كثيرا. ولم تكن لصاحب الشوارب الهزلية بولتون حاجة ليُفهم هذا الحشد، حتى أنّه لم يحاول مطلقا!!!

“إنّ التأثير الفعليّ لاستثمارات الصين في أفريقيا-كما يؤكّد بولتون، “ليس الاّ إضعاف نموّ أفريقيا الاقتصادي”. قال ذلك وهو فقط على بعد أبنية من موظّفي ومستشاري صندوق النقد الدولي، ذات الأشخاص الذين يكبّلون في الواقع معظم الدول الأفريقية والعالم النامي “أسرى” الإصلاحات الهيكلية” وضحايا القروض والظروف السياسية التي تعوق قدرة الحكومات على خدمة شعوبهم. بولتون كان له تقييم مغاير ومختلف بخصوص تأثير الصين على القارة الأفريقية التي يتزامن نموّها المطّرد و بروز بكين كمستثمر وحيد.

اقتحام أسواق جديدة للموادّ الخام أدّى إلى حفز صادرات أفريقيا، فتضاعفت قيمتها الحقيقية خلال السنوات العشرين الماضية. موظّفون كتبوا “إنّ المشاركة التجارية لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مع الصين وغيرها من الشركاء التجاريين الجدد قد قلّلت بكثير من تقلّبات صادراتها وساعد ذلك على تخفيف تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية في لعامي 2008 و2009، حين عانت الاقتصادات المتقدّمة من تباطؤ اقتصادي عميق وخفّضت الطلب على الواردات. في الوقت نفسه، زادت الصين في مساهمتها في نموّ صادرات أفريقيا جنوب الصحراء ، ممّا ساعد على تخفيف الأثر على نموّ أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال فترة “الرّكود العظيم”. في ما يخصّ الاستيراد أدّى الوصول إلى السّلع الاستهلاكية الصينية الرخيصة الثمن، من الملابس إلى الدرّاجات إلى تعزيز مستويات المعيشة الأفريقية وساهم في انخفاض وتيرة التضخّم “.

تمكّنت الصين و”اقتصاد القيادة، command economy” من إمتصاص الأزمة وتحقيق نتائج أفضل بكثير من بقية دول العالم في التعامل مع “المرض الأمريكي” -وذلك حين انهيار الأسواق المالية الرأسمالية عاميْ 2008-2009 . وعرض الصينييون – وهو ما يقرّ به الأمريكيون أنفسهم: نظام “بلا قيود، no-strings” ، مع عدم وجود شروط سياسية لقروضهم ومشاريعهم.

إنّ شهيّة الصين “الحيوانية” للموادّ الخام لتغذية نموّها المتنامي أمر أساسي لاستراتيجيتها التجارية العالمية. حتى أنّ شبكة بلومبرغ المالية أعلنت أنّ “استثمارات الصين في أفريقيا تتعدّى الصناعات الاستخراجية”. نواه سميث من جهته كتب: “إنّ القطاعات التي تلقّت معظم الأموال الصينية كانت خدمات تجارية، الاستيراد والتصدير، البناء، النقل، التخزين والخدمات البريدية، مع المنتجات المعدنية. في إثيوبيا، مثلا تستثمر الصينفي صناعة الملابس كخطوة أولى على طريق التّصنيع.

ما من شكّ في أنّ تغلغل الصين العميق في الأسواق الأفريقية سبّب الكثير من التفكّك في المنشآت الإفريقية الحالية، وأنّ سياسة الصين الخاصة باستيراد قواها العاملة لموظّفي المشاريع الكبرى يظلّ سبب حنق الأفارقة المحتاجين للعمل. وصحيح أيضا أنّ رجال الأعمال الصينيين قد غزوا زوايا ورؤوس العديد من الاقتصادات الأفريقية، ولكن من المتّفق عليه عمومًا أن سياسات الصين التجارية في إفريقيا ليست قسرية أو تتميّز بأنّها “رشاوى واتفاقات مبهمة واستخداما مشبوها للديون ” كما يزعم هذا البولتون. بدلا من ذلك ، وكما كتب ممثّل الــ  Black Alliance for Peace : “وفّرت الصين للدول الأفريقية مساحة صغيرة لممارسة سيادة وطنية أكثر فاعلية من أيّ وقت إبان القوى الاستعمارية الأوروبية التي حرصت على استنزاف العمالة والأراضي الإفريقية غير المستغلّة بشكل كبير “.

وكما لو أنّ أفريقيا والعالم بحاجة إلى تذكير، بإنّ الاستعمار الأوروبي هو من سلبها وأهلها مواردها لمئات السنين. ولا تزال القوى الاستعمارية تطالب ب”حقّ” الاستغلال الحصري للموارد المادية والبشرية للشعوب المستعمرة، وذلك لمعالجة مناطق بأكملها من العالم كممتلكات وطنية.

ولم تقدّم الولايات المتحدة إلاّ “المزيد من الأسلحة والمزيد من القواعد العسكرية والمزيد من التخريب” على حد تعبير أجامو باراكا. ومنذ تأسيس القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا في عام 2008 وضعت واشنطن رهاناتها الإستراتيجية على الهيمنة على إفريقيا من خلال تحويل الطبقة العسكرية للقارة إلى خادمة للإمبراطورية الأمريكية. فراهن الأمريكيون على ممارسة حق النقض على التحالفات السياسية الأفريقية بقوة السلاح، من خلال التسلّل العسكري المكثّف للمنطقة. وراهن المفكّرون الاستراتيجيون الأمريكيون على أنه إذا ما أصبحت الدول الأفريقية مغرمة للغاية بالنّموذج الاقتصادي الصيني، فإنّ واشنطن تستطيع أن تدعو “كلاب الحرب” الأفريقية التابعة لها لإحداث تغيير في النظام، أو زرع الفوضى و بثّ حروب الإبادة الجماعية، كما فعلت في أوغندا ورواندا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

الحقيقة الساطعة والمزعزعة أنّ الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تفتقران إلى القدرة على القيام باستثمارات في أفريقيا تفضي إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية للقارة. الشيء نفسه ينطبق على أمريكا اللاتينية، حيث الصين هي الشريك التجاري والمستثمر الوحيد. فالاقتصادات الغربية والقوى المتنفّذة ، غير قادرة على مواكبة النّمو المحلّي الهائل للصين أو التنافس مع الصين في ما كان يسمى ب”العالم الثالث”.

ليس للولايات المتحدة مشكلة إسمها أفريقيا فحسب، بل هي تعاني من مشكلة الرأسمالية الأكثر حدّة بسبب تاريخها العميق المتعلّق ب”التفوّق الأبيض” و”الانعزالية الجهولة”. باستثناء وضع الدولار الاصطناعي كعملة احتياطية عالمية، لم تعد الولايات المتحدة القوة الاقتصادية العظمى. يمكنها فقط أن تتدخّل بحسم الشؤون العالمية بقوة السلاح والتهديد العسكري.

فهل باتت الصين فعلا القوة الاقتصادية العالمية المتعاظمة، القادرة على الإطلاق وبمصداقية نظاما أو طريقا بحريا متعدّد القارات، multi-continental Belt and Road (and maritime) new order . نظام ليس اشتراكيا بل أكثر عدلا وتطوّرا بكثير من النظام الغربي الاستعماري الجديد؟

في ظل التقلّص التدريجي لمجالات نفوذ القوتين وتمدّدهما الإستراتيجي، باتت الفضاءات الحيوية العصية في السابق هدفا. هذا ما يختزله المحلّل السياسي ليوناردو كورزيو، Leonardo Curzio، بقوله: “نحن نشهد تغيّرا جذريا في الموقف الصيني. في السابق كانت الصين حذرة جدّا ومهتمّة فقط بالمواد الأوّلية والتصنيع، أما اليوم فالصينيون يأتون بكلّ عجرفة وبرسالة واضحة: نحن قوّة عُظمى ونريد نصيبنا من الكعكة.”

هل قدر الأفارقة “وصاية بديلة” أم سيوظّفون باقتدار هذا التنافس المحموم لصالحهم لضمان حرّيتهم وكسب نهضة أفريقيا؟؟!!!

باحث في الفكر الاستراتيجي، جامعة باريس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here