نواف الزرو: هجوم اسرائيلي مزدوج على الكنائس العربية في المدينة المقدسة الكنائس العربية المسيحية تتوحد في مواجهة تصعيد اجراءات الاحتلال

 

نواف الزرو

في خضم المعركة المحتدمة بشراسة منذ سنوات ما بين الاحتلال والكنيسة العربية الارثوكسية حول الممتلكات والبيوعات المزيفة والحقيقية منها على حد سواء، صعدت سلطات الاحتلال من هجمتها على الكنائس العربية المسيحية  من خلال نية اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في الكنيست مناقشة قانون يتيح لسلطات الاحتلال مصادرة أراضٍ باعتها الكنائس منذ العام 2010، وكذلك على نية بلدية الاحتلال في القدس جباية ضريبة “أرنونا” من الكنائس، فالهجوم الاحتلالي بات في هذه الحالة مزودجا على الارض والممتلكات، وكذلك على خزينة الكنائس، مما يعني ان الاستهداف الاحتلالي للوجود العربي المسيحي ممثلا بالكنائس المقدسية اصبح استهدافا شاملا يهدف الى شطب وجود ودور هذه الكنائس. وقد ادركت القيادات العربية المسيحية اهداف واخطار هذه الخطوة الاحتلالية فاعلن رؤساء الكنائس في القدس- الاحد 2018-2-25- في خطوة تصعيدية من جهتهم- إغلاق كنيسة القيامة حتى إشعار آخر، احتجاجًا على نية السلطات الاحتلال الإسرائيلي مصادرة أراضي وأوقاف كنائس القدس، وهي خطوة نادرة لم تتكرر منذ عام 1948. وعمم رؤساء الكنائس رسالة هاجموا فيها الخطوات الأخيرة التي تنوي سلطات الاحتلال المختلفة اتخاذها، والتي تستهدف الكنيسة، واعتبروا في الرسالة أن هذه الخطوات هي استهداف ممنهج للأقلية المسيحية في الأراضي المقدسة. وجاء في الرسالة “نتابع بقلق شديد الهجمة الممنهجة ضد الكنائس والأقلية المسيحية في الأراضي المقدسة من خلال خرق واضح للستاتيكو (للوضع القائم). وأشاروا في الرسالة إلى أن سلطات الاحتلال تقوم بخطوات غير مسبوقة “تخرق اتفاقيات قائمة والتزامات واتفاقيات دولية، والتي تبدو كمحاولات لإضعاف الوجود المسيحي في القدس”.

بل ان الحقيقة الكبيرة في هذا السياق كما يجمع قادة العرب المسيحيين في القدس وفلسطين هي ان الصراع مع الاحتلال ليس فقط حول الابعاد الدينية والارض التابعة للكنيسة الارثوذكسية، وانما هو اعمق واخطر من ذلك، وفي هذا البعد كان الاستاذ المحامي جواد بولس قد اوضح في مقال له نشر في صحيفة القدس -2017-8-25-بعنوان”القضية ليست مجرد مسألة كنسية، بل هي جزء من وطن”في الواقع وعلى الرغم من ضعف ردود الفعل على ما نشر من صفقات بيع خطيرة، بدأنا في الآونة الأخيرة نلحظ تبرعم وعي يشي بتذويت جهات مسيحية وإسلامية جديدة لأبعاد القضية، وإقرارها بأن مسألة بيع عقارات الكنيسة الأرثوذكسية هي قضية وطنية خطيرة ويتوجب على جميع القوى والجهات الرسمية والسياسية أن توليها اهتمامًا فوريًا وجديًا. كثيرون تنبهوا بشكل خاص إلى أن سيطرة جمعيات استيطانية يهودية يمينية على عقارات إستراتيجية في «باب الخليل» و»باب حطة»، كما جرى مؤخرًا، إضافة إلى سيطرتهم على عقارات أخرى داخل الأسوار، سيفرغ من مضمونه الفعلي الادعاء حول حق إحلال السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية وبضمنها على منطقة البلدة القديمة، وسيجهض، في الوقت نفسه، المكاسب التي حققها المقدسيون في معركتهم الأخيرة، لأن السيطرة اليهودية على ذينك البابين ستحكم الخناق على منطقة المسجد الأقصى”.

وفي ندوة دعى إليها المجلس المركزي الأرثوذكسي والشباب العربي الأرثوذكسي في رام الله، وشارك فيها حضور واسع، برزت من بينه، بشكل لافت، قيادات فصائل وطنية فلسطينية وشخصيات قيادية وإعلامية مهمة، أجمع المنتدون على أن قضية الوقف الأرثوذكسي هي قضية وطنية؛ وتحت هذا العنوان كتب بعدها الصحافي عمر حلمي الغول مقالًا مهمًا قال فيه إن «حماية أراضي الوقف الأرثوذكسي هي مصلحة استراتيجية فلسطينية وهي معركة وطنية بامتياز»، كما أكد من خلال رؤية وطنية شاملة على ضرورة “ملاحقة كل من ساهم في تسريب أو بيع عقار من عقارات الكنيسة عبر القضاء الفلسطيني.. والعمل من قبل الكل الوطني، شعبيًا ورسميا، على عزل البطريرك ثيوفيلوس”، وتركت هذه الندوة بحضورها المتنوع والمميز شعورًا بأن القوى الوطنية لا تقبل ما يقوم به ثيوفيلوس ورجاله، وأن هنالك بشائر خير وأمل على أن العتمة السائدة في “أم الكنائس” قد تنقشع قريبًا. وفي تزامن مع تلك الندوة وبما يدعم تلك البشائر، كتب غبطة البطريرك ميشيل صباح مقالة مهمة جدًا بعنوان “بقاء المسيحية في القدس.. والتصرف بالوقف” شرح فيها معنى وجود الكنيسة والوقف وعلاقة ذلك بأبناء الكنيسة، لكنه أكد بشكل واضح على أن “في يومنا هذا يسمع المؤمنون عن صفقات بيع وتأجير من قبل الكنيسة لها تبعات سياسية خطيرة عليهم وعلى الكنيسة.. بعض الأوقاف في باب الخليل وضعت في أيدي جماعات متطرفة من أهدافها إقصاء الفلسطيني المسيحي أو المسلم على السواء”. اما غبطة البطريرك ميشيل صباح، فقال: «فالوقف هنا في فلسطين؟ الوقف أرض والأرض في فلسطين هي موضوع صراع. والوقف أرض فلسطينية، وتمريرها إلى شعب آخر في حالة حرب هو عمل حرب. هو خروج على الشعب، وعلى المؤمنين، وخروج على الكنيسة التي رسالتها رسالة عدل وسلام. تبديل ملكية الوقف، أي أرض الكنيسة هو عمل حربي، هو تجريد الكنيسة وتجريد المؤمنين وتجريد فلسطين جزء منها”.

فالقصة في المدينة المقدسة إذن في الحاصل الاستراتيجي ليست في الحقيقة الصراع على المسجد الاقصى أو الصلاة فيه، وليست كذلك قصة البوابات الالكترونية التي اجبرت هبة الاقصى حكومة نتنياهو على ازالتها، أو قصة انتهاكات واقتحامات يومية للحرم والاقصى، أو قصة انتهاكات اجرائية لكنيسة القيامة مثلا، أو قصة مضايقات ضريبية ابتزازية للقيامة والكنائس المسيحية عموما، وانما هي قصة صراع شامل وجذري ووجودي على الارض والتاريخ والهوية والسيادة والمستقبل، فهم-اي بني صهيون- يسعون منذ بدايات مشروعهم من اجل  اختطاف القدس وتسويقها “مدينة يهودية عاصمة لاسرائيل الى الابد”، خالية من الوجود العربي الاسلامي والمسيحب، وكان نبيهم مؤسس الحركة الصهيونية ثيودورهرتزل قد عبر عن هذا الجوهر في إحدى خطبه في المؤتمر الصهيوني الأول [ 29 – 31/ أغسطس – آب/ 1897 ] حيث قال: ” إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء .. فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسأحرق الآثار-ويقصد العربية الاسلامية طبعا- التي مرت عليها قرون”.

  ولم تتوقف الحكاية عند هرتزل، وانما تواصلت عبر العقود والساسة والحاخامات اليهود، ومن هرتزل الى بن غوريون، الى بيغن، الى بيريز، الى شامير، الى رابين، فشارون فباراك فاولمرت فنتنياهو، ثم جاء الرئيس الامريكي ترامب  ليتوج المشروع الصهيوني التهويدي للقدس باعترافه ومنحه”القدس عاصمة لاسرائيل”، وهم يؤدلجون هجومهم التهويدي بنصوص توراتية مزيفة….؟!

واليوم، وما بين زمن هرتزل وبعد نحو قرن وعشرين عاما، فان العنوان الذي يسود المشهد المقدسي هو:

ان الصراع على القدس والمقدسات في اوجه وعلى أشده، فنحن امام موجات متلاحقة من الهجمات الاحتلالية التهويدية التزييفية التي تهدف الى تغيير معالمها التاريخية والحضارية والدينية والتراثية…ألخ، في الوقت الذي يتحرك فيه المقدسيون –طليعة الشعب العربي الفلسطيني في هذه المسألة- في مواجهة مخططات واجراءات الاحتلال…في صراع بات من الواضح انه مفتوح الى زمن تتغير فيه الاحوال الفلسطينية والعربية نحو مزيد من الوحدة والتماسك والاصرار على هزيمة مشروع الاحتلال.

كاتب-باحث- ومؤرخ

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here