“هاملت” الرزاز يتفيأ بالمؤسسة العسكرية على الحدود الشمالية: رئيس الوزراء وصل متأخراً ومارس “استعراضه المشروع” واعاد اعتبار الناطق الرسمي.. مطبخ واشنطن يختفي لصالح عمّان وتماهٍ حكوميٌّ مع الموقف الشعبي واستدراك سريع ورصد للتواصل الاجتماعي

برلين ـ “رأي اليوم” ـ فرح مرقه:

خير ألف مرة لحكومة الدكتور عمر الرزاز أن تصل الحدود الشمالية – كما فعلت – متأخرة، من أن تظل ولايتها العامة وبالتالي مصداقيتها تتسلل من بين أصابعها عبر تصريحات وزير الخارجية أيمن الصفدي المتلاحقة من واشنطن. رئيس الحكومة قام بدوره المطلوب، وإن متأخراً، خصوصا بعدما تلاحقت المناشدات له شخصيا بفتح الحدود الأردنية، مترافقة مع تذكيره بأصله “الشامي”.

زيارة الدكتور الرزاز للحدود الاردنية السورية وتفقّد مرافق الحدود مع مجموعة كبيرة من القيادات العسكرية والامنية، ضمن وفدٍ كبير، تلازمت مع تغطية اعلامية جيدة ولواحدة من المرات القليلة، وظهر منها وجهٌ ضروريٌّ لحكومة تقود مرحلة يفترض انها “حرجة للغاية”. رئيس الحكومة يتفقّد كل التفاصيل بدءاً من الحدود وامنها، وحتى المستشفى المتنقل والمعدات الطبية بالاضافة لاستخدامه المفردات التي استخدمها الاردنيون خلال الايام القليلة الماضية وهم يطالبون بـ “فتح الحدود”.

الرزاز عملياً وبزيارته التي رافقته فيها وزيرة الدولة لشؤون الاعلام والاتصال جمانة غنيمات والقيادات الامنية والعسكرية، خفف بصورة واضحة من الانتقادات التي انهالت عليه وعلى فريقه خلال الايام الماضية تحت مسميات مختلفة؛ بدأت مع حملة “افتحوا الحدود” ولم تنتهي مع تذكير الرزاز ذاته بان حدود الاردن المفتوحة كان لها الفضل في وصول عائلة الرزاز الى عمان من سوريا.

ربط الحركة البطيئة للحكومة (مع استثناء وزير الخارجية الذي يمثل مؤسسة القصر الان) في ملف الجنوب السوري بأصول الرئيس الرزاز، أدى رسالة سلبية للغاية على الصعيدين الانساني والسياسي، وهو أمرٌ لو استمر اكثر لوجد فريق الرزاز نفسه امام مأزق كبير وبوقت قصير جداً.

الربط الشخصي لا يقلل فقط من انسانية الرجل ويتهمه بمنع فرصة استفاد منها هو وعائلته عن آخرين ومن ذات الاصول، وانما- وهو الاخطر- يتهمه بتغيير صارخ في توجه الدولة في التعامل مع الازمة السورية، وهو الامر الذي كلفته تتضاعف حين يكون الحديث عن الرزاز، في وقت هو فيه سلّم سلف ادارة ما هو خارج الحدود ومنذ استلامه المنصب لمؤسسة القصر، والشواهد اكثر مما ينبغي.

الذكاء لا ينقص رئيس الحكومة، والرجل يدرك جيداً اهمية وسائل التواصل الاجتماعي ودورها، ومن الواضح انه تنبه جيداً على ردود فعل مغايرة لمضمون آخِر مشاركاته قبل الزيارة على وسائل التواصل. الدكتور الرزاز أرسل أمنياته لطلبة الثانوية العامة (التوجيهي) تزامناً مع بدء امتحاناتهم (السبت)، فجاءته الردود من الطلبة انفسهم بأنهم بخير وليسوا بحاجة دعواته وان عليه ان يلتفت بدعائه للمحتاجين السوريين على الحدود.

الرئيس تواصليٌّ بامتياز حين يتعلق الامر بمنصة كـ”تويتر”، وادراكه لمعنى “رأي عام” كالمذكور مع متابعة بسيطة لاخبار المبادرات الفردية والجماعية في محافظات الشمال لارسال مساعدات للسوريين، يبدو انها ذكّرته جيداً بضرورة تفاعله مع الرأي العام من جهة، والتنسيق مع مطبخ واشنطن- الذي أطلّ منه وزير الخارجية أيمن الصفدي عدة مرات منذ بدء الازمة في الجنوب قبل نحو اسبوع- على تبادل الادوار، من جهة ثانية.

بهذه الصورة، التحرك السريع كان واجباً على الرئيس، لينفي عن نفسه التهم الضمنية من جهة، وليخفف من الاحتقان الذي بدأ يتصاعد تدعمه سلسلة من المواقف الحزبية والنقابية والشعبية ، بالاضافة لكونه كان يحتاج “استعراضاً” اعلاميا سياسيا كالذي قام به في محاولة لاسترداد جانب من ولايته على الرقعة الجغرافية القريبة من جهة اخرى.

الدكتور عمر الرزاز منذ اليوم الاول يبدو انه قرر سلفاً السير على خطى هاملت (في المسرحية الشهيرة للكاتب الانجليزي ويليام شكسبير) ويعلن انه “يكون او لا يكون”، فهو حين يقرر ان يتواجد على الحدود لا يتواجد وحيدا ولا “يرفع عتباً” كما في المحكية الاردنية، وانما يتواجد وبكثافة ويفرض نفسه وفريقه. الأمر الذي انعكس لاحقا على قيادة في الجيش، ليصرح قائد المنطقة الشمالية ان الجيش ينفذ قرار الحكومة بعدم ادخال اللاجئين في وقت يعلم اصغر مراقب فيه ان الحكومة لم تكن الاولى التي اتخذت القرار، فالاخير اتخذ في غرف العمليات وبالتنسيق مع فريق واشنطن التابع للقصر والذي يقوده الملك عبد الله الثاني.

القرار قد يكون اتخذ اصلا باللقاء الاستخباري في العقبة، او حتى اثناء زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للملك، الا ان الامر لم يعد ذو اهمية بعدما استعاد (او هكذا بدا) رئيس الوزراء الاردني خيوط المشهد مجددا، كما اعاد لللناطقة الاعلامية غنيمات اعتبارها بعدما غابت تماما عن المشهد، حين كان زميلها الصفدي يستأثر بكل المايكروفونات في موضوع سيادي ومن واشنطن.

غنيمات ظهرت على الحدود، وأدلت بتصريحات تكرر عمليا ما قاله الرزاز نفسه، الا ان ذلك بحد ذاته ليس مهما، في وقت كان الهدف منه ابراز الحكومة ودفعة واحدة في موقف متماهٍ مع الشارع ولكن بتعديل بسيط فالحدود الاردنية ستكون مفتوحة باتجاه مختلف، حيث بينما الشارع كان يطالب بفتح الحدود لاستقبال اللاجئين، جمّل الرزاز موقف الصفدي بتأكيده ان الحدود مفتوحة لايصال المساعدات للاجئين في بلادهم “التي تبعد اساسا بضعة امتار وتمكّن الاردنيين من ايصال المساعدات لهم باليد”.

رئيس الوزراء لم يكتفي بذلك، وانما تبنى ومأسس المساعدات الفردية التي كان يقوم بها الاردنيون كبديل عن تحرك الحكومة، فأعلن الرزاز حملة اغاثة وطنية. تحرك رئيس الحكومة ذكّر بما قام به نائب رئيس الوزراء الاسبق الدكتور ممدوح العبادي بالتزامن مع اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لاسرائيل.

العبادي حينها دعا الناس ليتظاهروا في الشوارع ويعبروا عن غضبهم، مزاوداً بذلك باسم الدولة على اي جهة كانت تحاول الدعوة لاعتصام او تظاهرة وحوّل مسار المشهد من حراك شعبي لحراك رسمي. الرزاز تصرّف بالطريقة ذاتها.

الرسالة الأهم من زيارة الرزاز للحدود الشمالية، والاستعراض المشروع كله، كانت رسالة المؤسسة العسكرية التي تبعت تصريحات الرئيس بالقول “لن نستقبل اللاجئين تماشيا مع قرار الحكومة”، التصريح المذكور يمكنه ان يكرر وبصورة واضحة ان الرجل وبصورة نادرة تدعمه مؤسسات الدولة، وفي حالته المؤسسة العسكرية ليست استثناءً.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. شيء وموقف جميل لو تواجد أيضا الأشقاء والأثرياء العرب من دول الخليج العربي على الحدود الأردنية السورية لممارسة دورهم الإنساني والاغاثي تجاه الأخوة الملهوفين السوريين في هذا الظرف العصيب كما يفعل الأردن حكومة وشعبا .

  2. مرة اخرى من يدعو لفتح الحدود فليذهب هو بنفسه الى درعا ويساعد النازحين هناك ومن الافضل ان يبقى هناك ولا يعود لان اغلبية من يدعون لفتح الحدود هم من الاخوان المسلمين ومن مناصري جماعات المعارضة والارهابيين. نحن مع قرار الحكومة بإغلاق الحدود لان الاردن استقبل ما يقرب من مليوني سوري ولا يستطيع استقبال المزيد.

  3. يا اخي قرار فتح الحدود ام اغلاقها بوجه اللاجئين قرار امني سيادي بالدرجة الاولى وقد اصبح بالفترة الاخيرة بالاضافة لذلك قرار ذو ابعاد اقتصادية لا يملك الرزاز وحده حق البت فيه …….. بالاضافة الى تخلي مشيخات الكاز — بعد ان فشلت مخططاتهم — بالفترة الاخيرة عن الدفع للاجئين والدفع عنهم او مقابلهم !!!!!؟؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here