هآرتس: المعقل الديمقراطي في شمال سوريا يحاول صد اردوغان

ardogan askari.jpg5555

بقلم: تسفي برئيل

في اليوم السادس لغزو تركيا لمحافظة عفرين الكردية التي تقع في شمال سوريا، يبدأ تحرك دولي في محاولة لصد الاندفاع. المانيا اعلنت أنها ستوقف ارساليات السلاح الجديدة، وستوقف صفقة اعادة صيانة الدبابات التي وقعت عليها مع تركيا. فرنسا طلبت عقد جلسة خاصة لمجلس الامن، في حين أن ترامب حذر اردوغان من التصادم بين القوات الامريكية والقوات التركية في الاراضي السورية. ليس واضحا من لهجة التحذير اذا كان الرئيس يقصد أن القوات الامريكية ستهاجم القوات التركية، لكن تركيا سارعت الى نفي أن تحذير كهذا ورد في المكالمة الهاتفية بين الزعيمين وقالت “إنهما تحادثا فقط حول الوضع في سوريا”.

معطيات دقيقة حول عدد القتلى والجرحى، لا توجد. ولكن الصور والتقارير التي ينشرها الاكراد في وكالات الانباء الكردية في شمال سوريا تظهر مدنيين جرحى ومن بينهم اطفال ونساء. في المحافظات الكردية في شمال سوريا تم استدعاء الشباب والنساء للتجنيد العام. الشباب حصلوا على سلاح وتدريب اساسي من اجل الدفاع عن المدنيين في حالة دخول قوات تركية الى داخل مركز محافظة عفرين، والتي كان يعيش فيها قبل الحرب نحو 170 ألف شخص، منهم حوالي 35 ألف كانوا يعيشون في المدينة نفسها. في الشبكات الاجتماعية للاكراد يعرضون حفلات غنائية لجوقة مغنين اكراد بملابس تقليدية يتعهدون بطرد الاتراك من بلادهم، منظمات نسوية تنشر شعارات تأييد للمقاتلين والمقاتلات الاكراد، ورؤساء قبائل عرب يعيشون في تلك المحافظات يؤكدون: “سنقف كتف الى كتف مع الاكراد ضد العدو التركي”، “سنقف معا ضد قاتل الامهات والاطفال اردوغان، حيث أن جميع اجزاء سكان شمال سوريا مصيرهم واحد، وليس بيننا أي فرق”، “سنكون سد يصد الدولة العثمانية”.

وحدة المصير بين المواطنين العرب والاكراد والتركمان، الارمن، السريان، المسلمون والعلويون الذين يعيشون في محافظات شمال سوريا، غير مفهومة بحد ذاتها. الاكراد يحاربون ضد الارمن في تركيا، والكثيرين منهم شاركوا في مذبحة الارمن التي حدثت في 1915، العلويون والمسيحيون  اعتبروا وما زالوا يعتبرون مؤيدين لنظام الاسد، الاكراد جزء منهم ليس لديهم جنسية سورية، كجزء من حملة التعريب التي بدأها حافظ الاسد، والد بشار، والتي خلالها اعاد الاسد مواطنين عرب الى الاراضي التي صادرها من اصحابها الاكراد.

ظاهريا وفرت الحرب في سوريا شروط جيدة لاندلاع حرب اهلية في شمال سوريا وتصفية حسابات بين ابناء الطوائف. ولكن ما حدث هو العكس. في المحافظات الثلاثة ذات الحكم الذاتي، عفرين والجزيرة والفرات التي اغلبية سكانها من الاكراد، تم انشاء في 2014 “الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي لشمال سوريا”، في المنطقة المعروفة باسم روجابا (غرب)، والتي تشكل المحافظة الغربية للحلم الكردي الوطني. هذه الفيدرالية صاغت دستور مشترك بحسبه منحت حقوق متساوية لكل طائفة اثنية وكل طائفة دينية، وحظيت النساء بمساواة كاملة في الحقوق، ومباديء الدستور استندت الى عقيدة عبد الله اوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في سجن في تركيا في جزيرة اميرلي قرب اسطنبول. اوجلان الذي تأثر من نظرية الفيلسوف اليهودي الفوضوي الذي تحول الى شيوعي، موريه بوكتشين، يسعى الى اقامة فيدرالية علمانية ليبرالية وديمقراطية في المنطقة، تقدس جودة البيئة وتكون في المستقبل جزء من سوريا – التي ستكون بنفسها دولة فيدرالية حسب هذه النظرية. حول هذه المباديء يختلف اوجلان من ناحية ايديولوجية مع القيادة الكردية في الاقليم الكردي ذي الحكم الذاتي في العراق الذي يسعى الى اقامة دولة كردية مستقلة.

خلافا للاقليم الكردي في العراق المسيطر عليه من قبل نخب عائلية وقبلية يبرز منها عائلة برزاني وطالباني، فان الاقاليم الكردية في سوريا بنيت على اسس سياسية قائمة على ديمقراطية مباشرة وتعاون مشترك. على سبيل المثال، يتعلم طلاب المدارس الاساسية حسب مناهج تعليمية مناسبة لطائفة ولغة كل طالب.

صلاحيات متساوية للرجال والنساء

كل واحدة من المحافظات التي تدير نفسها ذاتيا، وعلى رأسها تقف حكومة ورئيس منتخب ومجلس للشعب كنوع من البرلمان المحلي، تمثل فيه كل طائفة بصورة تتناسب مع حجمه. وفي كل واحدة من الوظائف الحكومية الكبيرة يتم اعطاء صلاحيات متساوية للرجال والنساء. في محافظة عفرين على سبيل المثال، تتولاها امرأة هي هاوي مصطفى كرئيسة للمحافظة، والى جانبها نائبين من الرجال. في كل واحدة من المحافظات جرت في 2015 انتخابات لمجلس الشعب والوظائف البلدية. بعد سنتين من ذلك، في ايلول 2017، جرت انتخابات للمجالس العامة والتي ترشح فيها 12.400 مرشح تنافسوا على 3700 وظيفة عامة. العدد الكبير من المتنافسين يشير الى ثقة كبيرة بالنظام السياسي، الذي يعطي قوة للجمهور بواسطة مجالس محلية، لجان احياء وحتى لجان شوارع، يديرون الشؤون المدنية. جهاز القضاء المحلي يعمل على المستوى القاعدي بواسطة لجان قضاء مدنية، التي تسمى لجان السلام والاتفاق، وهي تعمل كلجان للبت في النزاعات المحلية، وحتى المستوى الاعلى للمحكمة الدستورية المشتركة لكل فيدرالية شمال سوريا.

 في كل محافظة تعمل شرطة محلية “اسياش”، على رأسها يعمل الرجال والنساء معا، وكجزء من النظرية الاجتماعية المتطرفة لاوجلان، ايضا الاقتصاد هو في معظمه مشترك. التجمعات تقوم بفلاحة الاراضي المشتركة وتبيع معا الانتاج، ولكن هناك ايضا مصانع قليلة بملكية خاصة. السكان لا يدفعون الضرائب بشكل مباشر، ومعظم المدخولات تأتي من دفع رسوم التصاريح وتسجيل المركبات وخدمات اخرى يحصل عليها المواطنون، ومن بيع النفط الذي يتم تكريره بوسائل بيتية.

فوق مستوى المحافظة تعمل الادارة الفيدرالية، التي تستند الى الدستور الفيدرالي (الذي تم تعديله في 2016)، المسؤولة عن السياسة الخارجية وتنسيق النشاطات العسكرية والتصدير وتخطيط الاقتصاد. ومن اجل أن تعمل المحافظات حسب الدستور الفيدرالي الذي يمنع تعدد الزوجات والاكراه في الزواج، وحتى يشجع الزواج المدني. على رأس الادارة الفيدرالية يقف رئيس ورئيسة بصورة مشتركة وكذلك مجلس شعب ينتخب فيه ممثلون من المحافظات ذات الحكم الذاتي. الجهة التنفيذية التي تعمل كحكومة فيدرالية هي المجلس الوطني الكردي، التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي انشأ الى جانبه وحدات الدفاع الشعبي التي تعمل كقوة عسكرية تتشكل من وحدات من النساء والرجال وهدفها الدفاع عن المحافظات الكردية في وجه الهجمات من الخارج. هذه الوحدات تعتبر من قبل تركيا منظمات ارهابية متشعبة عن حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر في تركيا منظمة ارهابية. هذه الوحدات تعمل بصورة مستقلة (ولكن غير منفصلة) عن المليشيا الكردية باسم “قوات سوريا الديمقراطية”، التي اغلبية المقاتلين فيها من الاكراد والاقليات العربية، والتي انشئت على ايدي الولايات المتحدة كقوة برية في حربها ضد الدولة الاسلامية (داعش).

الخوف من احتكاك عنيف

الآن يبدو أن جزء من هذه الوحدات، التي تواصل الحصول على المساعدة العسكرية والمالية من الولايات المتحدة، ستنضم الى وحدات الدفاع الشعبي للنضال من اجل صد الغزو التركي في عفرين. لقد اوضح البنتاغون أنه سيفحص طرق المساعدة للمليشيات الكردية اذا انتقل المقاتلون للقتال في عفرين، ولكنه نفى نيته وقف المساعدات كليا، مثلما نشر في تركيا مؤخرا. من هنا ايضا جاء الخوف من حدوث مواجهة واحتكاك عنيف بين القوات الامريكية التي تلتزم بالقوات الكردية وبين القوات التركية.

المشكلة الاساسية للمحافظات الكردية ذات الحكم الذاتي في نضالها ضد تركيا هي غياب التواصل الجغرافي الذي يصل بينها، وبهذا يمكنها من اقامة خط دفاع عسكري مشترك. التناثر الجغرافي لها على طول الحدود السورية – التركية خلق مناطق فاصلة سيطر عليها داعش، والذي تم استئصاله حاليا، وفي اجزاء اخرى سيطرت قوات الجيش التركي مع الجيش السوري الحر، الذي تحول الى جهة تعمل برعاية تركية. إن غزو عفرين، المحافظة الاكثر غربا، استهدف بناء على ذلك ليس فقط “محاربة التنظيمات الارهابية الكردية” حسب تعريف تركيا، بل ايضا منع كل امكانية لخلق تواصل جغرافي كردي واقامة دولة كردية مستقلة على طول الحدود. ولكن حسب الاستراتيجية والايديولوجيا التي توحد معظم الاكراد في سوريا، ليس لهم أي نية لاقامة دولة كردية مستقلة تهدد تركيا. بهذا يبدو أنهم نجحوا في اقناع الولايات المتحدة وروسيا وسوريا، التي سحبت قواتها من المناطق الكردية في بداية الحرب. روسيا تعترف بأن بقاء نظام الاسد وسيطرته على كل الدولة متعلق بدرجة كبيرة بقدرته على دمج المناطق الكردية في الدولة.

السيناريو المناسب اكثر من ناحيتها هو الذي يمكن الاكراد من ادارة فيدراليتهم كجزء من الدولة السورية تحت حكم الاسد. ايضا الولايات المتحدة ترى في شكل النظام الكردي في سوريا وفي مباديء الدستور الكردي أسس تستحق الدفاع عنها، ليس أقل من الاقليم الكردي في العراق. هنا يكمن الخلاف الشديد بين اردوغان وبين نظرائه في واشنطن وموسكو، الذين كل واحد منهم لاسبابه الخاصة يرى في الاكراد حليف. السؤال الآن هو الى أي حد ستكون الدول العظمى مستعدة للذهاب من اجل صد طموحات اردوغان دون احداث شرخ غير قابل للالتئام في العلاقة معه.

المصدر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here