نورالدين خبابه: الفتنة في الجزائر والفطنة في السويد!

 

nour-eldeen-khababa88 (1)

نورالدين خبابه

ما أجمل اللغة العربية وما أبلغ سحر بيانها، فبمجرد حرفين التصقا “كن” هناك قدرة خارقة تسير الأكوان، لا يعرف مدلولها الا من وُهب الحكمة ونزعت على عينيه الغشاوة.

لو أردنا أن نخط تمهيدا قبل أن نتطرق الى موضوعنا ، لقلنا أن العجائب والغرائب في اللغة العربية تكمن بين حرف وآخر وقصص وحكايات يمكن سردها.

فلو أراد عارف باللغة والتاريخ شرح كلمة العرب، لألف كتبا حولها وظل يدرسها للأجيال في الأطوار المختلفة… ولو أضاف آخر نقطة فوق العين لألف مجلدات ومسرحيات عن الغرب، ولو أراد ثالث الحديث من خلال تقديم الباء على الراء “العبرية” لألف أفلاما ومسلسلات تاريخية وظلت تلهج بها الألسن وتقام حولها المهرجانات.

فلا شكّ أنّ هناك سرّ عجيب يقف وراء هذه اللغة العربية، لا يعرفه الاّ من عشقها، وأصابته سهام حبّها وجعلته يتغزل بالكلمات ويصنع منها الأدب، ويعزف عن أوتارها ويستخرج منها المقامات وينثر بها القصائد والحكم.

اليوم حديثي حول الفتنة في الجزائر والفطنة في السويد… وبين الكلمتين علم وجهل، وتقدم وتخلف، وفطنة وفتنة باختصار.

لعلكم تابعتم ما يجري من مهازل في الجزائر قبل أيام، ولاحظتم كيفية التخبط وتضارب التصريحات، فقد أعلن أحدهم أن “الجزائر أحسن من نيويورك” وآخر “الجزائر خير من السويد” ولوكانا ممن يدفعون من قوت أولادهم لإطعام الفقراء، ويساهمون من بنات أفكارهم في رفع الغبن على الشعب لكان كلامهم جائز.

لقد ابتلينا في الجزائر كما يعلم أهل الفطنة بفتنة عظيمة، ودفع من خلالها شعبنا فاتورة غالية، لا نزال لم نتخلص الى اليوم من تداعياتها…ولاتزال العائلات الموجوعة لم تكفكف دموعها الى اليوم، ومنهم من لازال يبحث عن فلذة كبده في ظل شح الأخبار …كما أن هناك الألوف المؤلفة لاجئة في أوطان الناس دون أن يكترث أحد بمآسيهم أو مجرد ذكرهم.

استغلت جهات معلومة عامل الرعب والخوف والأحزان… وأصبحت توظفه عبر وسائل الاعلام المختلفة لمنع الفطنة في الجزائر. وقد تحدثت في مقال سابق حول هذا الموضوع: “كيفية اخافة الشعوب عن طريق استخدام الأحزان في الذاكرة”.

فكل من أراد معرفة الحقيقة حول ما جرى من مآسي، أو أراد المساهمة في نفض الغبار على ملفات الفساد، أو تطرق لمحاربة العنصرية، والجهوية التي تنخر جسم المجتمع… وحاول كشف الزيغ والدجل الذي يراد أن ينطلي على الشعب تمهيدا لما هو أشد… اتهم بنشر الفتنة في البلاد، مع أن هناك فرق شاسع كما سبق وأن شرحت بين مفردتين بفارق نقطة واحدة “العرب والغرب” فكيف إذا كان الأمر يتعلق باستبدال حرف؟

وأنت ترى أطفالا في السويد كيف يتعلمون، وترى مستوى معيشتهم ومستوى الصحة عندهم، ومستوى النقل ومستوى الخدمات، ومستوى النمو، ومستوى الأمانة…ومستوى الحقوق، ومستوى العدالة الاجتماعية، وترى في المقابل أطفال المجتمع الجزائري كيف يعيشون في ظل هذا النظام القائم ، وكيف يعالجون وكيف يتنقلون… وترى الفوارق الاجتماعية والطبقية التي بدأت في اتساع … تفهم الفرق بين الفطنة وبين الفتنة دون أدنى شكّ.

لو سألت سويديا عن موضوع ما، حتى ولو لم يتجاوز سنه العاشرة، فإنك ستلحظ مدى فطنته ومدى تأثير التعليم في صقل شخصيته، ولو سألت في المقابل طفلا من الجزائر، لعرفت لماذا يستعمل هؤلاء القوم سلاح الفتنة لتخويف المجتمع، حتى يستمرون في استحمار فئات كثيرة، وكيف يروضون أجيالا على الخنوع وعلى الذل بمصطلح الفتنة.

قلت في أحد المرات ردا على أحد المتفيقهين…أنتم تصلون صلاة الاستسقاء في الجزائر ولكن المطر تسقط في الغرب، وأنتم تستخرجون البترول والغاز في الصحراء ، لكن لوحة التعداد والتحكم موجودة في الغرب، وأنتم تتشدقون بالوطنية ولكنهم أشد منكم حبا لأوطانهم …تجنون ماطاب من التمر والعسل المصفى تحت أشعة الشمس الحارقة، لكن تأكله الشقراوات في الغرب تحت المكيفات… وقال آخر في إحدى الحوارات التي كنت أنشطها على إذاعة وطني الالكترونية قولا كبيرا ، فأجبته : أنا هنا أفطن في البقر وفرق بين الفطنة والفتنة.

لربما الوزير كان يعني أن الفتنة في الجزائر خير من الفطنة في السويد؟ جائز.

لأن الفطنة السويدية لو عمّت في الجزائر لما بقي وزير من الوزراء الذين يسترزقون بمعاناة الشعب الجزائري، فيما فئات من الشعب تعاني. ولرحل كل من يستعملون الفتنة لتخويف الشعب الجزائري من الفطنة والوعي العام.

لو فسح المجال للشباب الجزائري وأعطيت له التأشيرة أن يذهب الى السويد، لذهب معظمهم ولما عاد للجزائر، اللهم الا إذا عاد مقهورا لزيارة أهله لو حل بهم كرب… فيما لو منحت التأشيرة للسويديين أن يأتوا للجزائر ولو سائحين…لفضل أغلبهم عدم المجيئ لما يسمعونه من أغاليط عن الجزائر ولما يسمعونه عن أغنية الفتنة.

أيها الوزير ومن معك: الفتنة في الجزائر تعالج بالفطنة إن كنت تفقه ما بين السطور.

كاتب جزائري مقيم في فرنسا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. في وقت الفتنة في الجزائر يعني وقت العشرية السوداء كان هناك نوعين من الشباب الجزائري النوع الأول هو من حمل السلاح وقام بتمشيط الجبال بحثا عن الارهابيين دفاعا عن الجزائر ونوع الآخر فضل الهروب واللجوء في الدول الغربية عن طريق اللجوء السياسي وكانوا مجبرين على شهادة الزور من اجل الحصول على حق اللجوء .
    اما الان فالجزائري يعيش وقت الفطنة في دولة تدعم كل شيء حتى الحج ارى انه من الذي لا يستطيع العيش في الجزائر لا يحق له ان يبقى حيا ،وهذا ليس رايي بل راي غالبية الجزائريين انا لم اسمع ان السويد بنت مليونين مسكن و وزعتهم على شعبها .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here