نورالدين ثنيو: الدستور الجزائري.. المسودة الدائمة

 

 

نورالدين ثنيو

الجزائر ، بلد متخلف لأنها تنتمي إلى الدول التي لا تزال تعاني من صعوبة انجاز الدولة التامة و الدستور النهائي للسيادة و نظام الحكم القار. فقد تعددت الدساتير بقدر تعدد الرؤساء ، لا بل تعددت الدساتير حتى في عهدات مختلفة لدى الرئيس الواحد مثل حالة الرئيس المخلوع بوتفليقة. و عليه، فإن الخاصية الجوهرية للدستور الجزائري أنه دائما في حالة مسودة حتى و أن نُشر في الجريدة الرسمية بتاءً على استفتاء شعبي أو عبر تمريره المضمون على البرلمان. فقيمة و أهمية أي دولة في العالم هو بمدى أصالة قانونها الأساسي، و استمراره في إدارة تنظيم السلطات و حكم المرافق الأساسية للدولة و المجتمع و عدم المساس به .

وعلى خلاف ذلك، نجد القانون الأساسي للدولة الجزائرية لا ينظم الشأن العام و المؤسسات العمومية التي تنطوي على مفهوم الشخصية الاعتبارية ، بقدر ما يعيد التستر على اعتبارات القيادة العليا للجيش، أو ما يعرف بحكم العسكر الذي يعبر عن الدولة العميقة، و يكتفي فقد بتحديد صلاحيات الممثل المدني للقوة العسكرية.  و من هنا غياب أية قيمة قانونية و أخلاقية لوثيقة الدستور، لأنها لم تغادر منزلة المسودة إلى مستوى النص القانوني الذي يتفاعل مع معطيات الدولة و مسار المجتمع و سيرورته، ويستمد تاريخيته من مدى تواصل النص مع الحياة العامة إِنْ على الصعيد  الوطني أو الصعيد الدولي، لأن الشرعية الداخلية تتلازم حتما مع الشرعية الدولية. و كما هو معروف ، فإن من جملة مصادر  القاعدة القانونية الحياة الإجتماعية، التي تمنح النص قيمته الحيوية و من ثم اعتباره القانوني ليستوفي شرط دائمية الدولة و مؤسساتها .

وهكذا، فأصل التخبط لصياغة مُحْكَمة دائمة للدستور كنص مرجعي هو أن نظام الحكم في الجزائر، لا يزال يعاند و لم يخرج في شَرْنقة أمراض ما بعد الاستعمار و جوائحها . فقد بقي عند لحظة حكم العسكر، بعد ما تقدمت دول العالم و صار الاعتبار المدني و السياسي و القانوني أعلى من أي اعتبار آخر، لا بل أن حكم الجيش أضحى عنوانا كبيرا على التخلف، و مشدوداً أكثر إلى تاريخ الاستعمار منه إلى ما بعده. كما أن العرض المتوالي للدساتير كمسودات على الاستفتاء و النقاش “العام” يدل في التحليل الذكي على أن موضوع الإستقلال لا يزال لم يُحْسم فيه بعد و أن مسألة الشرعية لا تزال قائمة ليس بمعنى ما و لكن بكل المعاني. و الحقيقة التي عادة ما يكشفها نظام الحكم، أن  مسودة  الدستور تطرح في كل مرة تستهلك نسخته المصادق عليها  بسبب الاختراق و الانتهاك و الاعتداء ، بحيث يعاد إلى أصله الأول كمسودة.

وثيقة الدستور، لا تتجاوز وضعية المسودة ، تنتظر التعديل و الخوض فيها بالإنتهاك و الإختراق، لأن الأصل فيها بعد حكم العسكر (السلطة السرية التي تتأبى عن تنظيم صلاحياتها و ميزانياتها)، تكِّثف كل الصلاحيات الفائقة في يد الرئيس، تسمح له ، عبر مقايضة ضمنية مع القيادة  العليا للجيش بتأمين مصيره   ما بعد الحكم، على ما حصل مع كل الرؤساء الذين تَعَاقَبُوا على النظام في الجزائر ، فلم يُعَاقَبُوا إطلاقا، و لم يحاسبهم أحد، رغم الكوارث المدلهمة التي تسببوا فيها. عدم المسؤولية ، حالة غير دستورية ، تتنافى مع أبجديات القواعد القانونية، ناهيك أن الحامي الحقيقي للرئيس ليس الدستور بل الجيش من خارج الدستور. و تلك هي حقيقة الحقائق في نظام الحكم في الجزائر، القائم على ترتيب مؤقتmodus vivendi، يعالج بها أوضاعا عارضة ، تعفي الرئيس من أية مسؤولية.

بقاء النظام السياسي في الجزائر عند لحظة النشأة المستأنفة للدستور، يُعَبّر عن حقيقة الأزمة التي تجعل البلد ينظر إلى الخلف في الوقت أن المطلوب هو التطلع الدائم إلى الأمام. ففي الوقت الذي كل العالم يصبو إلى أن يكون دولة طالعة حققت الاكتفاء القانوني الذاتي الذي يؤمن لها تحقيق شرط الدولة التامة، لا زالت الجزائر تخوض ، في صراع يائس و خائب مع نظامها السياسي، معركة صياغة الدستور التي تستغل دائما كمسودة تؤول الى التعديل و الانتهاك، على ما لحظنا و شاهدنا فترة ترتيب الإنتخابات الرئاسية ما بعد بوتفليقة، و مدى الانتهاكات المروعة و المفضوحة أرتقت إلى الاستبداد المطلق.

وهكذا، على ما يطلعنا التاريخ إلى عهد قريب، أن قصة مسودة الدستور تدعو ليس إلى إثراء النقاش و إبداء الرأي، لا بل إلى التوجه بالتحليل الذكي إلى مصير الجزائر كما تصنعها المسودة الجديدة للرئيس الجديد. فدستور 1989 للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي عينته القيادة العليا للجيش ، رتب بداية لما قبل تاريخ الحرب الأهلية التي نشبت عام 1992، على إثر إلغاء قيادة الأركان للمسار الانتخابي و لأول تجربة ديمقراطية في الجزائر المستقلة. كذلك دستور الرئيس المخلوع بوتفليقة، الذي أعفاه من المسؤولية، هو ذات الدستور الذي وضع العلامة لما قبل تاريخ نظام العصابة. فلم يعد الموضوع يطرح عن الإصلاحات التي تقدمها وثيقة الدستور، بقدر ما يجب إجالة النظر في مسار آخر ينتظر مصير كارثي للجزائر. و بتعبير  آخر  يفيد نفس المعنى، أنه من طبيعة مسودة الدستور أن تؤسس في منطلق العمل بها لبداية تاريخ الكارثة القادمة. فالعبرة كل العبرة بخواتيم الدساتير و ليس ببداياتها. فعصر صياغة الدساتير  أنتهت مع تحقيق الشعوب لإستقلالاتها.

مسودة الدستور التي عرضها الرئيس الجديد تعاني منذ البداية من فجوات مفضوحة لا حصر لها، لعلّ أولها،  اختراقها من قبل صاحبها ، أي الرئيس ذاته، الذي تعهد ، أثناء تأديتها لليمين الدستورية أنه يحافظ و يسهر على حماية الدستور (دستور بوتفليقة)، فيما راح بعد ذلك إلى الخوض فيه و إعادته إلى حالة المسودة الأولى. ثانيا، اقتراح اللغة الأمازيغية كلغة رسمية و وطنية لا تمس بأي تعديل لاحق، بينما لم يشترط عدم التعديل بالنسبة لبند الإقتصار على العهدتين فقط دون تجاوزهما، مما يعنى استخفاف صارخ بمقومات الهوية و استباحتها و أن مسألة العهدتين مسألة فيها نظر لما يأتي حينها، على ما فعل الرئيس المخلوع . ثالثا، هجانة النظام السياسي و عشوائيته ، فمسودة الدستور و ما ورد فيها من مقترحات لا يستند إلى أي نظرية في تنظيم الحكم، و لا تنتمي إلى أي من الأنظمة السياسية المتداولة في العالم، ناهيك أنه لا يزال يتوكأ على الشرعية الثورية و ليس الدستورية، لأن المرجع الأصلي لنظام الحكم في الجزائر هو لسلطة القيادة العليا للجيش، أي مرجع خارج الدستور و أعلى منه.

جميع المقترحات التي وردت في مسودة الدستور التي تقدم بها الرئيس الحالي تنم عن جملة من التوصيات لا يحكمها أي ضابط أو خط فكري ، تنظيمي ، مما يحوّل المسودة إلى مجرد وثيقة إعلامية موجهة للإثارة و الاستهلاك من قبل الفئة التي تراهن عليها السلطة في استخلاص الشرعية من الشعب، أي عُشُر الهيئة الناخبة ( لا يوجد مفهوم حقيقي للشعب لدى النظام الحاكم). و في الوقت ذاته تحرص السلطة القائمة، عبر مسودة الدستور على عدم وصول المعارضة السياسية إلى الحكم، مستعينة في ذلك بآلية التعديل و التغيير و الانتهاك و الاختراق التي لا تبيح  أية امكانية التراجع و التصحيح و التعرض إلى الطعن (غياب تام لمفهوم الديمقراطية). عندما يكون الرئيس غير مسؤول عن أخطائه، و السلطة الحقيقية في يد القيادة العليا للجيش و النص القانوني لا يستوفي شرطه الإجتماعي و التاريخي فلا يمكن كتابة تاريخ مؤسسات الدولة الجزائرية، مما يعنى في نهاية المطاف و التحليل أننا لا نزال نراوح عند النشأة المستأنفة و أبدًا نريد أن نتخطى إلى ما يليها ، أي ما بعد إقرار الدستور.

كاتب وباحث جزائري

teniounour1@yahoo.fr   

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. يبدو ان جماعة الجارة الغربية مازالو يمارسون نفس الطريقة انتحال صفة جزائري والتغريد باسماء مختلفة لشخص واحد نقول لهم العبو غيرها نحن نعرف الجزائري من غير الجزائري من الحرف الاول فلا تتعبو انفسكم

  2. أصبت كبد الحقيقة أيها الأستاذ و لا تلق بالا لبعض التعاليق الذين هم مجرد مكلفين بمهمة لصالح من يدوسون على الدستور في كل موسم و قد أعلنوها صراحة دولة عسكرية و الشعب مجرد “مبردعين” حاشا لله. نعم الجزائر لا تعرف معنى الدستور و الإحتكام إليه بل هو مجرد وثيقة يسهل إلقاؤها في سلة المهملات إذا تم المساس بمصالحهم و امتيازاتهم. بومدين نفسه عاش خارج الدستور من 1965 إلى 1976 ثم لما وضع دستور اشتراكي توفاه الله بعدها بسنة أما أخيرا فإن القايد صالح رحمه الله و القيادة العسكرية هي التي وقفت في وجه التغيير فتم اغتصاب السلطة في 11 جويلية 2019 لما انتهت مهلة 3 أشهر المحددة في الدستور فقام خلالها عبد القادر بن صالح الذي انتهت مهامه الدستورية في ذلك التاريخ و أصبح مجرد مواطن بدون منصب غير أن قيادة الأركان كان لها رأي آخر و هو أن يقوم بتعيين رئيس مجلس دستوري خارج القانون و الدستور ثم تستمر المهزلة العبثية بأن يقوم المعين بالتمديد لمن عينه تحت أنظار الشعب و العالم خارج أي نص دستوري و هذا حتى مجرد طالب سنة اولى حقوق يفهمها إلا الذباب و أشياعهم . و هكذا ما بني على باطل فهو باطل فكل ما قام به بن صالح بعد 11 جويلية 2019 من ألفها إلى يائها خارج الدستور و مع ذلك يزعم المكلفين بمهمة إخماد حركة الشعب بأنهم متمسكون بالدستور و أنا أتحداهم أن يكونوا قد قرأوا الدستور نفسه و لكن هكذا الأنظمة الشمولية تتدثر بإزار ممزق و تحسب نفسها مستورة و تبطش بمن يكشف لها سوءاتها . أجل فللدستور أهله من المحترفين الحقيقيين و ليس مغتصبي السلطة من يستعملون جزء من العصابة للإجهاز على جزء من نفس العصابة مثلما هو حادث اليوم و لكن الشعب بالمرصاد و سيستعيد حقه طال الأجل أو قصر و إرادته هي التي تسود إن شاء الله.

  3. في الصميم د.ثنيو رأي جاد وصريح والرائد لا يكذب أهله .

  4. التعديل الجديد للرئيس اكثر من ضروة لان دستور2016 كان بهدف ديمومة حكم العصابة لابد من تعديلات تخلق توازن السلطة والخلل في منظومة الحكم هو الابقاء علي مجلس الامة وعدم صلاحيات نائب الرئبس لان الاول خلق نخبة فاسدة واوصلت الاورقلشية للحكم وهي منبع للفساد وهو الداء الحقيقي للنظام الحكم في الجزائر

  5. شكرا جزيلا دكتور نورالدين، أنت من القلة التي تقدم الحقيقة عارية دون أي تشويه أو تزييف.

  6. كالعادة الفرانكوبربريست يهاجمون الجيش لانه اصبح بيد النوفمبريين الوطنيين ولانه اسقط احلامهم واحلام اسيادهم ومموليهم ومحركيهم خلف الستار وراء البحار لقد اسقط الجيش مشروعهم بذكاء خارق وعبر صندوق الديمقراطية وكشف عورتهم امام العالم عندما رفضو حكم الديمقراطية لانهما تمثل مايريده الاغلبية الساحقة من الجزائريين اليوم الجزائر بفضل الله والرجال الاشاوس للجيش النوفمبريين اخرجوها من براثن مخطط جهنمي كاد ان يعصف بالبلاد ويقسمها ويشتتها عبر مسخ اسمه المجلس التأسيسي تديره فرنسا خلف الستار لقد انتصرت الجزائر وحققت كل ماتريده ووضعها الرجال الى السكة الصحيحة واعادو الكلمة الى الشعب الحقيقي وليس شعب الاحزاب بدون سقط قطرة دم واحدة ولم يتعرض جزائري واحد لخدش سواء كان مع اوضد عادت الجزائر سيدة نفسها حرة ابية مستقلة لاتعطى لها الاوامر من الخارج وهي اليوم تنسج دستورها دستور نوفمبري دستور 100 سنة لن يستطيع احد تعديلة رحمة الله على عمي صالح واسكنه فسيح جنانه لقد قائدا عظيما ولا عزاء للحاقدين والحاسدين والمتربصين والذين لم يمارسو انتخاب رئيس يحكمهم في حياتهم

  7. مقالك لا يتعدى خط التمنشير لم نقرا بعد لمثقف يكتب على اولوية اهل العلم سواء كانوا عسكريين ام مدنيين وهدا من منطلق ان الحضارات التي سبقت بنيت بعلمائها لم تكتب ايها المثقف على علمائنا المهجرون لن تكتبوا على استراتيجية اهل العلم لاخد زمام الامورلكم عقدة تجاه اهل العلوم و لنا كلنا و دلك لحاجة في نفس يعقوب و قد رايناها قي الخطاب الاول للرئيس لمادا نهمش اهل العلم و نقدس الشطاحات و العهرول للدستور الجديد مجال لاهل العلم و العلوم ام ان الامر مازال توافق عليه عائلة بيار

  8. قرات مسودت الدستور واستمعت الى كثير من مداخلات الاساتذة المختصين في القانون الدستوري ، و لم اجد شيئا مما تقول اطلاقا ، بل بالعكس المسودة في معظمها اخذت بعين الاعتبار الكثير من التجارب الديمقراطية عبر العالم ،، والجزائر منذ ان استقلت حكمها ثلاث دساتير ، دستور سنة 1963 في عهد الرئيس بن بلا ودستور 1976 في عهد الرئيس بومدين ودستور 1996 في عهد الرئيس زروال ،، وانا اتكلم هنا عن الدساتير التي غيرت طبيعة نظام الحكم واعتمدت عن طريق استفتاء شعبي ولا اتكلم عن التعديلات ، فالرئيس الشاذلي فيما اطن عدل بعض المواد تعديلا طفيفا ، غير ان الرئيس بوتفليقة لم يعدل فحسب بل اعتدى على الدستور اعتداءً صارخا مستغلا الثغرات الموجودة ، وهي الثغرات التي حاولت مسودة الدستور الحالي تداركه ولجنة الخبراء مشكورة على ذلك ،، يا استاذ ان كانت لك اقترحات او مآخذ على ما جاء في هذه المسودة لماذا لاتبعث بذلك الى لجنة الخبراء ، فقد تلقت الاقتراحات من كل اطياف المجتم احزابا ومفكرين وكتاب واساتذة جامعيين وحتى طلبة جامعيين ؟؟ ام انت من اصحاب الديمقراطية التي تخاف من الانتخبات ،، من الذين يريدون تسيير البلاد عن طريق التعيين لاعن طريق الانتخاب ؟؟؟.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here