نورالدين برحيلة: قُمْ للفساد وفِّه التبجيلا..

نورالدين برحيلة

– هل تقبل السلطة العربية بالنقد السياسي؟

من المحيط إلى الخليج.. الفساد “مُقدَّس” والمقدس لا يُمَس، ومشاهد الاعتقالات الهوليودية التي تطال كل من سولت له نفسه الأمّارة  بكشف الفساد وفضح المفسدين، جواب واقعي على أن الحاكم العربي يحمي الفساد، ولا يقبل مطلقا بالنقد البناء، الذي يظهر له مواطن القوة ونقط الضعف في ممارسته السياسية.

يتغذى الحاكم العربي بالمدح الوردي الذي تتقنه جوقة المرتزقة المنبطحين، ومهمتهم هي رمي الورود والتصفيق والتطبيل، فيتحول الحاكم من شخص بشري يصيب ويخطئ.. إلى إله مقدس يُعبد.. وتتحول الشعوب من بشر أحرار يمتلكون ذوتا واعية وكرامة، إلى قطيع من العبيد الأشرار يخضع للترويض كي يتحوّل إلى مجرد أدوات وآلات..

كرونولوجيا الاتهامات المُلفّـقة والمحاكمات المفبركة والاغتيالات المنسَّقة، التي تطالُ كل ممارسة نقدية للأنظمة العربية تروم محاربة الفساد وتنوير الرأي العام، هو جواب واقعي تُجاه كل صوت أو قلم تجاوز الخط الأخضر المسموح به في تملق ومدح الحاكم العربي..  وظيفة الشاعر في العالم العربي هي مدح السلطة.. وهي وظيفة الفنان عموما.. أن يتفنن في وضع الكثير من المساحيق لتزيين وجوه الحاكمين وتخدير المحكومين.. لذلك فأغاني  معظم الفنانات والفنانين العرب بعد التملق للسلاطين هي التفرغ لأوجاع الحب والسهر لا فضح الفساد والقهر..

لقد تنبأ الشاعر العراقي عبد المجيد مظفر النواب المزداد سنة 1934 ببغداد..  بنتائج الفساد والاستبداد التي تشهدها اليوم جل الدول العربية حين قال في  إحدى قصائده:

“سيكون خرابا.. سيكون خرابا..

هذه الأمة لا بد لها أن تأخذ درسا في التخريب !!”.

لقد تجرع الشاعر النواب مرارة الاضطهاد السياسي.. وآلامَ الاعتقال الوحشي.. و سياط السجن الجهنمي.. وهي بعض مظاهر الاستبداد الذي قدْ يُفقِـد الإنسان بوصلة الصواب.. لأنه يحوِّلُ الحياة ظُلما، ظلاما وسواد..

الفساد توأم الاستبداد.. يقتل الفرح في الإنسان.. هكذا يَتنهدُ مظفر  قائلا: “في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتُم فرحي”.. ويشرئبُ خطاب الحزن “الآن أُعَريكُم”.. الشاعر يحس بأنه أصبح عارٍ من الكرامة.. عارٍ من الفرح.. عارٍ من الحياة..  فتتلبسُ اللغة بهذا العراء الوجودي:

“أولادَ القِـ..

إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم..”

هكذا يعترف الشاعر مظفر في خطوة استِباقية ببذاءته “الشريفة”.. وهو يُخاطِب الجحافل المهزومة من الحكام، والشعوب على حد سواء، بأسلوب ساخر جارح فاضح.. لأمة تتلذذ بالجهل.. جهل المبادئ البسيطة للحياة السوية .. الكرامة.. وكأنه يردد مع المتنبي “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”:

“الآن أعريكم

في كل عواصم هذا الوطن قتلتم فرحي

في كل زقاق أجد الأزلام أمامي..

أعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذئ كهزيمتكم..

يا شرفــاء المهزومين..

ويا حكــــام المهزومين..

ويا جمهور المهزومين..”

كم تكون الحياة قاسية في سجن الاستبداد.. وتكون أقسى حين يرتدي شيطان الاستبداد، لباس الديمقراطية وخِطاباتها وشعاراتها وقوانينها العادلة لممارسة الفساد باسم محاربة الفساد..

الفساد له حرَّاسُه وسدنته وخُدّامُه.. وكل المنتفعين منه الذين يدورون في فلك بقائه.. الفساد يُقدم نفسه مُخلصا.. سلاحه الكلمة.. الكلمة العاهرة بتعبير الشاعر نزار قباني “الكلمة كانت عصفوراً.. وجعلنا منها سوق بغاء..”

 

ما يحدث اليوم في سوريا، العراق، اليمن، لبنان، الجزائر، ليبيا.. وباقي مدن الملح وممالك الموز وجمهوريات البلح.. مهما غالطنا أنفسنا بنظرية المؤامرة التي يروق لأصحابها دائما إلقاء مسؤولية انتكاساتنا إلى الغول الإمبريالي ومخططاته التوسعية التدميرية.. غير أن الحقيقة الساطعة الواضحة هي أن فساد السلطة التي تغير أقنعتها باستمرار، مُدَّعِية  توبتها وتقواها وحربها على الفساد.. في حين أنها منبع الفساد وأُسُّه وأساسه.. وقد تخدع البسطاء فيصدقون الذئاب.. لكن مهما طال ليل الذئاب.. فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للفساد أن ينكسر..

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here