نورالدين برحيلة: جـريــمةُ الخِـتان..

نورالدين برحيلة

     كان الليل قد ساد بسواده.. واختفى البدر بضيائه.. في الغابة السوداء.. الأشجار كثيفة متلاصقة.. بالكاد تتسلل إليها أشعة الظلام.. فوق المروج الناعمة.. كانت الذئاب تطارد الظباء.. وعلى مقربة من الحافة السحيقة.. مازالت الحشود الهاربة تركض.. تلاحقها كلاب العساكر المسعورة.. تلتصق الحشود بحافة الهاوية في صمت رهيب..

     الصغار يَرْمقون بفزعٍ قاعَ الهاوية اللامتناهي.. غير آبهين بنصيحة نيتشه ..”لا تُحدِّقْ في الهاوية طويلا حتى لا تلتفت إليك”.. أما الكبار فيُحدِّقون بنظرات قاسية في عيون الكلاب.. يتكلم طفل كبير.. بصوت مزلْزِل.. سنجتث جريمة الختان.. الإنسانُ بُنْـيان.. ملعونُ من هدم الإنسان..

    الغابة السوداء ليست غابة الفيلسوف مارتن هايدغر.. هي قرية كانت في ما مضى من الأزمة الغابرة.. قرية بني الإنسان.. تعيش ساكنتها بشريعة الإنسان..حيث الحبُّ يُعانق الخصام، والصِّدام مهما طال يستسلم للسلام.. قرية شريعتها التسامح، التعايش والوئام.. لم تكن جنة أوهام.. بيْدَ أنها لم تكن أبدا كهف أحزان وآلام..  إلى أن غزتها عصابة الأمريكان..

استبدلت العصابة شريعة الإنسان بشريعة الختان.. وهو ليس الختان المعهود.. ختان عصابة الغابة السوداء هو طقس يقوم على البَتْر والغدر والقهر والقتل.. ختان الدَّهاء والإقصاء والإخصاء.. اقتطاع شيء من الإنسان.. اغتصاب مِلْكِية إنسان.. وأْد الإنسان..

   تروي عرّافة القرية “العنقاء” أن هذا الختان يعود إلى زمن قتل قابيل لأخيه وشقيقه هابيل.. كانت لقابيل إرادة البتر.. بتر واقتلاع شقيقه هابيل من الوجود..وعلى مرِّ التاريخ طورت عصابة الغابة السوداء طقس الختان.. قامت بإعذار جماعي للهنود الحمر.. إبادة جماعية لشعب مسكين.. تلتها تِباعا طقوس ختانٍ استعمارية للأوطان وبتر للمواطنين.. اقتلاع ثروات الأمم.. مناجم الذهب.. حقول النفط.. ومِشْرطُ العصابة السوداء يشق قلب الحضارة.. يجرح  قلب فلسطين..القدس الجريحة.. يقطع شرايين العراق.. بغداد بيت الحكمة.. يقتلع أوصال سوريا.. يغرز الخنجر عميقا في جسد اليمن العليل.. وسكاكين العصابة تذبح مسلمي الروهينجا من الوريد إلى الوريد.. والباقيات الصارخات..

   اليوم تقام عمليات الإعذار للشعوب في مراكز عصرية، يُشْرفُ عليها مختصون من عصابة الغابة السوداء.. العمليات تنجز لاقتلاع “الأمخاخ” بتخدير إيديولوجي موضعي يجعل الشعوب الضحايا.. يَبْتسِمُون تزامنا مع بتر أدمغتهم.. الشعوب فرِحة.. تضْحكُ ضحِكا كالبكاء.. تُصفِّقٌ لنجاح عمليات الختان عليها.. وهي منشغلة بالدردشة في هواتفها الذكية.. تصرخ انتصارا لهدفٍ في مباراة كرة القدم أمام الشاشات الحائطية..

 أمام مقر منظمة الصحة العالمية وقفت حشود تُدافع عن حقها في الموت الرحيم.. وفي الساحات العمومية في الغابة السوداء خرجت حشود أخرى تُدافع عن حقها في استئصال عقولها.. هاتفةً: ختانُ العقولِ ليس جريمة.. الإعذار ليس جريمة.. وقد أعذر من أنذر..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here