نورالدين برحيلة: الفنان عبد الهادي بلخياط.. وزيرا للأوقاف

barhila

نورالدين برحيلة

حين تقع فاجعة مؤلمة، لا بد من دراسة أسبابها ومآلاتها الظاهرة والخفية، حتى لا تتكرَّر المأساة، للأسف التراجيديات المغربية رغم كثرتها وفداحتها، وإفرازاتها الخطيرة، وما تُفضي إليه من احتقان اجتماعي، وغضبٍ وزلزال شعبي بالتنديد والاحتجاج، وغضبات وزلازل ملكية بعزل وإعفاء المتورطين، إلا أن دار لقمان سرعان ما تعود إلى حالها، وكأن الفواجع والمواجع مجرد استعارات لفظية وفرقعات لغوية.

 موت الشقيقين الحسين وجدوان غرقا في بطن منجم “الخبز الأسود” بجرادة، ليس مجرد مشهد مسرحي في مسرح اللامعقول، وموت شهيدات “الدقيق الأسود” رفْسا تحت أقدام الفقر بسيدي بوعلام، ليس مجرد لقطة من أفلام رعب المخرج الإنجليزي ألفريد هتشكوك  Alfred Hitchcock.. إنها أحزان مغربية تتكرر بطريقة سيزيفية لا تنتهي، وعنوانها الكبير الفساد والفقر والمرض والقهر..

هذا ما كان يدفعني كثيرا إلى الحديث عن مؤسسة الأوقاف والنبش في “صندوقها الأسود” بحكم ضرورتها وأهميتها، ومهامها “الخيرية” الكثيرة والمتنوعة، وما رافق تدبير هذا القطاع من أعطاب بنيوية كادت أن تصيبه في مقتل، ومن بين مظاهر اختلالات الأوقاف المغربية، غياب الشفافية بالتصريح بممتلكات ومالية الأوقاف، عدم تحديث وإبداع وظائف جديدة لمفهوم الوقف الخيري تُسايِر متطلبات وضرورات حياة واحتياجات ومشاكل المجتمع المغربي.

أظن أن أول خطوة جريئة لإصلاح “الأوقاف” تكمن في فصلها عن الشؤون الإسلامية، لتصبح مؤسسة تتمتع بالاستقلالية المعنوية والقانونية والمالية،  و”مأسسة الوقف” لتحقيق  النجاعة في وظائفه، وقطع الطريق على تجار الدعاية والشهرة في توظيف العمل الإحساني وآلام المعوزين لتلميع الصورة وغسل الشخصيات على غرار غسيل الأموال القذرة، كما أن المأسسة ستسهم في ابتكار أنماط متنوعة من “الوقف” على سبيل المثال:

 الوقف السكني بمنح منازل للفقراء ومحدودي الدخل الذين أفنوا حياتهم خدمة للوطن والمواطنين، واتصفوا بالجدية والنزاهة في العمل ولم يمكنهم راتبهم الهزيل من الحصول على سكن يأوي أسرتهم، ولو بتخصيص شقق صغيرة مثل ما قدمه المستثمرون الصينيون بأثمنة زهيدة، أيضا بناء مآوي للمسنين والأيتام والمشردين، وليس منح عقارات وفيلات للنافذين.

الوقف الصحي  من أكبر تجلياته بناء مستشفيات والمغرب كان سباقا إلى الوقف الصحي الذي كان يعرف بالمارستانات كمستشفيات وكليات جامعية تجمع بين تدريس العلوم الطبية والصيدلية وعلاج الأمراض العضوية والنفسية، مع تخصيص وقف للموسيقيين الذين يعزفون للمرضى للترويح عنهم والتخفيف من معاناتهم، بل إن الوقف امتدّ لعلاج الحيوانات والطيور تفعيلا لمبدأ الرفق بالحيوان، علما أن الوقف الصحي جسد قمة الضبط والتنظيم وحسن التدبير، وتكفي الإشارة إلى مارستان “سيدي فرج” الذي شيده السلطان المريني أبو يعقوب يوسف سنة  685هـ الموافق ل1286م (القرن الثالث عشر)، وقد يمتد الوقف الصحي إلى إنشاء مراكز لعلاج الإدمان، محلات لتوزيع الكراسي الأكسيسوارات الطبية للمحتاجين كالكراسي المتحركة وغيرها عبر آليات قانونية حازمة لا مجال للاحتيال فيها على الوقف.. للإشارة الأخلاقية أليس مخجلا أن تحمل النساء الحوامل على نعش الموتى في مسالك جبلية وعرة مرورا بالوديان ساعات طوال صوب مركز صحي خال على عروشه وبدل الفرح بمولود جديد يولد الحزن والقرح بموت الأم والوليد..

الوقف المعرفي بمختلف مظاهرة كالوقف لتشجيع البحث العلمي، وبناء المختبرت وتمكينها من المعدات المتطورة وتخصيص ميزانية لائقة للباحثين، كذلك الوقف الفكري في الفلسفة والأدب والعلوم الإنساينة، من خلال التشجيع على وقف الفضاءات (صالونات ثقافية، مسارح..) وتجهيزها بما تحتاجه من آليات سمعية بصرية وكتب ورقية وإلكترونية، لنشر ثقافة الندوات والمحاضرات والمناظرات، في كل القضايا بغية تنوير المجتمع ومكافحة الفساد لتحقيق التنمية.

ما سردته مجرد صور بسيطة للوقف وليس نماذج، ويمكن أن نقيس عليها الوقف الفني، والوقف البيئي، والوقف المتحفي.. ما أكثر المغاربة الذين يريدون منح أراض شاسعة للوقف، وما أكثر المغاربة الذين يمتلكون مخطوطات قيمة وخزانات كتب غنية وتحف نادرة ولا وارث لهم، غير أنهم فقدوا الثقة في مؤسسة الأوقاف وفي وظائفها.

لقد وجه الملك محمد السادس يوم الجمعة 05 يناير2018 رسالة صارمة إلى وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى بضرورة التعجيل بإصلاح مؤسسة الأوقاف، ومراقبة ماليتها وحسن تدبيرها لتسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتُرسّخ قيم التضامن الاجتماعي، وهذا لن يتأتى إلا بالحفاظ على أملاك الأوقاف العامة، والرفع من مردوديتها وتطوير مشاريعها لصالح الأعمال الخيرية.

الشعب المغربي مفطور على العطاء حتى في اللحظات العصيبة والظروف الحالكة، وأهم ما يحرص عليه المغاربة في الجود والسخاء والكرم والعطاء، هو أن توضع عطاياهم في مكانها ومكمنها، وغالبا ما يكلفون أشخاصا سمتهم الوقار والإيثار، يسكنون شغاف القلوب بتواضعهم وعطائهم وحبهم، وأظن أن الفنان عبد الهادي بلخياط يمكنه بتاريخه الوطني والفني والإنساني،  عبد الهادي بلخياط الذي أخطأ الإعلام الرسمي في حقه، وتنكر له بمجرد ما اختار لونا فنيا مغايرا ينتمي إلى  السماع والموسيقى  الروحية، في حين أن الموقف الذي كان يجب أن تنهجه الدولة هو تشجيع عبدالهادي بلخياط على إنجاز مهرجانات الموسيقى الروحية، لا التنكر لتاريخه الحافل بالملحمات.. تكفي الإشارة إلى أنه  أول من صدح بنشيد العرش سنة 1962 احتفاء بالسنة الأولى لاعتلاء الحسن الثاني عرش المغرب..

 في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المغرب، لحظة تستوجب “ترسيخ قيم التضامن” للتخفيف من تتابع فواجع الفقراء والمشردين والعاطلين والمتسولين والمعذبين، هي لحظة ثورة العطش، لحظة حياة قاسية لمواطني المغرب العميق في الحرّ والقرّ..  هي لحظة أزمات في التعليم، الصحة، الإدارة، الثقافة… لحظة إفلاس السياسة، لحظة حكومة مجهضة.. لحظة جمود، في مثل هذه اللحظات القاتمة في حياة الشعوب تبرز أهمية القرارات المبدعة التي تعيد الأمل في الحياة والعيش الكريم.

يمكن لمؤسسة الوقف أن تُخفّف من معاناة المواطنين بمختلف شرائحهم، ولو بخدمة بسيطة والتفاتة صغيرة، تبعا لتعدد مجالات اشتغال مؤسسة الوقف:الوقف الوطني للمعوزين والمعاقين، الوقف الديني للأئمة والقيمين الدينيين، الوقف التربوي للمدرسين والمتعلمين في وضعية صعبة، الوقف الفني للفنانين الذي أعطوا الكثير، ويعانون في خريف عمرهم من المرض والتهميش، الوقف العسكري لحماة الوطن، المتقاعدين من الجنود البسطاء في رتبهم ومعاشهم والعظماء في تضحياتهم.. وما أكثر مجالات الوقف الخيري.

في هذه المرحلة العصيبة يمكن للفنان عبدالهادي بلخياط، المواطن الغيور والإنسان المحبوب  والشخصية العالمية، يمكنه برصيده الكبير أن يتقلد ولو “شَرَفِـيا” مؤسسة الأوقاف، وحتما سيدفع الكثير من المغاربة إلى رفع مردودية الأوقاق والمنافسة الوقفية الخيرية، لتخفيف آلام الكثير من المواطنين، وإليك مني سيدي عبدالهادي زوقاري الإدريس، أطيب حب ومودة وتحية، ولقبك “بلخياط” ما هو إلا مظهر لإرادتك الخيرة في خياطة البشرى والبهاء والجمال في حياتنا.. أنت أشبه بنافورة تتدفق بكل معاني الأمل الفرح والفرج.. وغردتها في أبهى لحن وأعذب صوت “المنفرجة”:

اشتدِّي أزمة تنفرجي  *     قد آذن ليلك بالبلج…

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. مقالك استاذ نور الدين برحيلة المحتفي بفنان رائد اسمه خالد في سجل

    الاغنية المغربية و العربية ، يزكي مصداقيتك و حسن اختيارك للمواضيع ، فعبد

    الهادي بلخياط ليس مجرد مغن عابر في تاريخ الفن المغربي المعاصر ، بل هو

    مدرسة هذبت اذواق اجيال متعاقبة ، لست من جيل الرجل فرائعته الخالدة

    القمر الاحمر تكبرني سنا ، غير اني كنت و لا زلت منجذبا للروائع الخالدات

    الروائع التي لم تكن بحاجة للايكات اعجاب كي تصمد ، و لا لرقم خيالي لعدد

    المشاهدين ، بل لأصحاب أصوات يخجل منها المكرفون و لملحنين مقتدرين

    و كتاب كلمات لا خربشات . ليست المنفرجة وحدها من فرج ضائقة المستمع

    المتلذذ ، فقبلها كانت سمعت عينيك – ميعاد – القمر الاحمر – واحة العمر –

    هدا لي صورتو – قطار الحياة – هذا انت و هذا ميعادك و القائمة طويلة.

    شكراً للسيد برحيلة على هذه الإلتفاتة منك ، فالكبار هم من يدرك قيمة الكبار

    و رحم الله عامر و الحياني و بن براهيم و الراشدي والجراري و عبد الرحيم

    السقاط

    تحياتي من مراكش

  2. عبد الهادي بلخياط فنان الشعب ، لكن اعلام الرداءة لا يقوم الا بقتل الاسماء التي لطالما كان وسيظل صداها يصدح في اذان وادهان المغاربة. ونتأسف على جيل اليوم لأنه لم يعرف فنانا بقيمة وقامة المطرب عبد الهادي بلخياط، ونتأسف لجيل اليوم الذي يتمايل على ايقاع الموسيقى الصاخبة، والاصوات المفبركة والكلمات الساذجة او الهابطة، مقارنة بالعين المجردة تظهر بجلاء ان الفن كان رسالة وترسيخ لمبدأ أما اليوم أصبح الفنان يتفنن في طرق الحصول على الشهرة الزائفة والاغتناء السريع دون مرعاة للقيم الجمالية وتهذيب الذوق العام وهذه هي وظيفة الفن والفنان.

  3. من المفروض ان تخصث اموال الوقف للاعمال الخيربة والانفاق على اعمال البر والاحسان باختلاف اوجهها مع ترتيب الاولويات وفق الكليات الخمس التي وضحتها الشريعة وهي حماية الحياة، والعقل، والكرامة، وصيانة العيش الكريم، والعلم. لكن اموال ادوقف المسلمين في الدول العربية هي من ملحقات الحاكم ومن يدور في فلك السلطة وللفقراء الله الرحيم الكريم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here