نورالدين برحيلة: العبودية الاقتصادية.. المتعبون يصرخون..

نورالدين برحيلة

    أينما تواجد الأشرار في العالم، لا يكوِّنون دولة بل مؤامرة، ولا يشكلون حكومة بل عصابة، بتعبير المفكر والسياسي والشاعر الفرنسي لابويسي La Boétie الذي عاش في القرن السادس عشر، يقول في كتابه “مقالة في العبودية المختارة” (إننا لا نولد أحرارا فقط، وإنما نولد أيضا بغريزة الدفاع عن الحرية ورفض العبودية)..

من البديهي أن يحتجَّ الذين أتعبتهم العبودية في كل زمان.. في كل مكان.. سينتفضون ..سيصرخون.. لأنهم يتألمون.. إنهم يحتجون اليوم في فرنسا، بلجيكا وهولندا.. كما احتج المُتْعبون في الربيع العربي.. لكن الإعلام الغربي الرسمي هذه المرة يغطي الاحتجاجات الفرنسية بانتقائية ماكرة، يحاول أن يظهر للمواطن الغربي أن الانتفاضة الفرنسية هي مجرد سوؤ تفاهم بين المحتجين وإصلاحات الرئيس ماكرون، خوفا من أن تمتد هذه الاحتجاجات إلى أوربا وأمريكا.

لاشك أن العبودية الحديثة أخطر من عبودية الأزمنة السحيقة.. عبودية اليوم، بلا أغلال فولاذية، ولا سلاسل حديدية، ومع ذلك فأغلالها وسلاسلها أكثر قسوة وإيلاما، هي عبودية تقف خلف هندستها طبقة صغيرة من “الأسياد” هؤلاء الإقطاعيون الجدد، هم أشبه بمصاصي الدماء في أفلام الرعب، يستنزفون حياة العبيد بلا رحمة، من خلال إغراقهم للشعوب في دوامة الحُمَّى الاستهلاكية المزيفة التي لا تنتهي، والقروض القاتلة التي لن تختفي..

 إنها إحدى نتائج “العولمة” التي كان سحرتها يهدفون إلى نشر ثقافة استهلاكية تحول الكوكب الأرضي إلى سوق نخاسة وملهى يتحول البشر فيه، إلى مجرد بضائع مبتذلة رخيصة، بالطبع استخدمت العولمة الآلة الدعائية التكنولوجية العابرة للقارات، فضائيات، منصات اجتماعية، مواقع تفاعلية.. للتبشير بالسعادة والحرية والمغامرة.. فكل شيء قابل للبيع، السلع والمنتجات متوفرة جاهزة، والهذف تنميط البشر بثقافة استهلاك “الجاهز”.. السكن الجاهز، الوجبات السريعة الجاهزة، الجنس السريع، الملابس الجاهزة.. لا مشكلة في الدفع، يمكنك الاقتراض ثم الاقتراض تلو تسهيلات الاقتراض.. وبعدها الآهات والتعب والغرق..

لقد أدرك الفيلسوف الألماني نيتشه Nietzsche العلاقة بين الدين la dette والعبودية والقسوة والألم وترويض المدين وإذلاله واحتقاره، فكلمة الدائن le créancier تحمل العديد من الدلالات القدحية المهـينة، كالعاجز والمحروم le banni والمُبْعَـد l’exclu..  لقد أتعبت العولمة المتوحشة كل الشعوب.. في قلب العولمة يتموقع المال لا الإنسان، والمقاولة قبل الأسرة، ويتم تحويل البشر إلى وسائل عمل تُسمى “الموارد البشرية”.. هكذا يتحول البشر ليس فقط إلى عبيد، بل إلى بضائع وسلع وأدوات يتم التخلص منها كقطع غيار فور انتهاء صلاحيتها.

الأدهى والأمر أن المواطن يتحول بإرادته إلى بضاعة استهلاكية وشخصية تسويقية، بتعبير عالم النفس الاجتماعي إريك فروم Erich Fromm فيقوم الشخص بإظهار أجمل ما لديه من قدرات وكفاءات ومهارات، ويقدم نفسه كسلعة في سوق بشرية قاسية، لذلك فالعبودية الاقتصادية هي المنحدر السريع نحو إنتاج كل مظاهر العبودية الحديثة.

مظاهر العبودية الحديثة في كل مناطق العالم، ليست سِرّا، مجرد كتابة العبودية الحديثة على موقع البحث غوغل ستكون الصدمة شديدة، العبودية في أوربا فرنسا، ألمانيا، ابريطانيا، بالصوت والصورة في أفلام وثائقية، تكشف حجم الألم الذي تخلفه العبودية، باختلاف مظاهرها.. الربح هو المحرك، لا يهم ترخيص الكثير من الدول الغربية لتعاطي المواطنين للمخدرات، ما دامت عائدات ضرائبها ضخمة، ولا يهم تخريب القيم الإنسانية تحت مسمى حقوق المثلية الجنسية، مادامت المنشطات والأدوات الجنسية تبيض الملايير من الذهب.. ولا مشكلة في تزويد الدول بالأسلحة وإبادة الشعوب مادامت هذه التجارة القاتلة هي البقرة الحلوب للملايير..

لقد كشفت الصحفية والمؤرخة البريطانية فرانسيس سوندرز Frances Saunders في كتابها Qui mène la danse ? La CIA et la Guerre froide culturelle، أن من يدفع ثمن الموسيقى يختار اللحن، كناية على سياسة أمريكا (رمز العولمة) في تكريس نموذجها الثقافي عالميا بتأسيس معاهد ومراكز للدراسات والبحث العلمي، والتكلف بطبع كتب ودوريات ومجلات المفكرين الموالين لها، والإنفاق على الجمعيات الثقافية والمنظمات الحقوقية، وتوظيف كبار المثقفين والفنانين والفلاسفة والسوسيولوجيين اللامعين والإغداق عليهم، كالفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي ريمون أرون Raymond Aron لترويج مفهوم محدد للحرية كما تراها أمريكا مختصرة في قيم الاستهلاك، لذا نفهم هجوم ريمون أرون على الفيلسوف الفرنسي سارتر Jean-Paul Sartre، الذي كان يعتبر الحرية موقف إنساني تجاه قضية إنسانية.

إن الحرية التي تروم العولمة المتوحشة زرعها في العالم هي حرية العبد في اختيار عبوديته، مادامت هذه الحرية التي تطبِّلُ لها العولمة هي مجرد خدعة تحركها “الكوربورقراطية” باعتبارها الشركات العابرة للقارات، والتي تنظر للشعوب مجرد “منتج للاستهلاك” produit jetable ، وهي شركات تحتكرها قلة من أباطرة الرأسماليين، وهؤلاء الأوغاد يهتمون فقط بـ”روؤس الأموال” حتى لو تطلب الأمر سحق وتدمير “رؤوس البشر”.. غير أن البشر قادرون على استرجاع وعيهم المسلوب وكرامتهم المسحوقة، والاحتجاج ضد الشقاء والاستلاب.. ضد العبودية.. وهذا معنى قول الفيلسوف لابويسي La Boétie إننا “نولد بغريزة الدفاع عن الحرية ورفض العبودية”.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الشعب الفرنسي والاوربيون يمتلكون وعيا سياسيا عميقا. الدولة ومختلف مؤسساتها وظيفتها خدمة الشعب وليس العكس.
    الاحتجاجات الشعبية في فرنسا واقصاء المحتجين للاجزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية الرسمية دليل على وعي الجماهير بان الهياكل الرسمية التقليدية تخدم مصالحا فقط.
    استجاب ماكرون بالزيادة في الاجور وطلب السماح من الفرنسيين.
    في العالم العربي الشعب قطيع من البهائم يمتلكتها الحكام انا اشعر بأني مجرد عبد لاقيمة لي في وطني احسد الفرنسيين على شجاعتهم وتمسكهم بالكرامة.

  2. هناك من الأفراد من يهاب الحرية ويخشى بزوغ فجرها، وإن كانت السماء تمطر حرية وكرامة لرأيته يتظلل بظلال العبودية والذل والمهانة…هؤلاء الأفراد تشربوا سم الانبطاح وتعتقوا من ترياق الانحناء، واعتادوا العيش تحت جناح أسيادهم وخدمة حكامهم

  3. عانى الناس عبر العصور الماضية من العبودية فعلى مر التاريخ كان هناك العديد من المشاكل والحروب التي نتجت عن هذه الفكرة التي تستعبد الإنسان وتحوله إلى شيء يباع ويشترى، ولم تكن العبودية مشكلة حديثة بل هي طاعنة في القدم ولكنها مع تقدم الزمن أتخذت أشكالاً ومسميات عدة.
    شكرا على هذا المقال الرائع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here