نورالدين برحيلة: السجن.. وتطهير صحافة التنوير

 

نورالدين برحيلة

  • كيف ستكون صحافة التنوير في المستقبل؟

  • وهل سيكون أصلا مستقبل للوجود الإنساني أمام طاعون كورونا وفصائله وقبائله المغولية المعاصرة؟

  • ماذا لو رحل أحفادنا إلى المرِّيخ جرَّاء موت الكوكب الأرضي؟

  • كيف ستكون صحافة المرِّيخ؟

  • وتحديدا هل تستطيع صحافة التنوير أن تصمد مستقبلا أمام ترسانة المراقبة الرقمية، زراعة شرائح التتبّع في الدماغ البشري، فهرسة الحمض الننووي، والتطوّر المذهل لنُظم تكنولوجيا الحوسبة والتجسّس على تفاصيل حياة البشر أو ما يعرف “بميتا الذكاء الاصطناعي” ؟؟

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ومعركة الإنسان ضد الظلم والقهر والعبودية مازالت مستمرّة، وهذا ما يكشفه تاريخ الأفكار الذي يعتبر تاريخ البحث عن الحقيقة وتحطيم أصنام الأوهام.

وإذا كانت الصحافة تنبني على إرادة تقصي الحقيقة، فسيكون جدّنا آدم أول صحفي كلّفته محاولة معرفة طابوهات الشجرة ، وهذ هو قدر الصحافة الحرّة.

الحفر الأركيولوجي لبلوغ جذور الحقيقة والنبش في جحور ثعابين الفاسدين والمستبدّين، والرغبة الجامحة في إخراج البشرية من كهف ظلام الجهل والخضوع والضياع، وتنوير الجماهير بكشف الحقيقة لهم، ومحاولة الارتقاء بهم من ثقافة القطيع والتبعية والقبول بكل أشكال الوصاية إلى ثقافة الإنسان التنويري الذي يفكر بنفسه، ويُعمِل عقله، مادام “العقل أعدل قسمة بين الناس” بتعبير الفيلسوف ديكارت.

من هذا المنطلق تتضحُ الروابط التاريخية المتينة بين الفلسفة والصحافة، وبما أن “الفلسفة أم العلوم” قبل أن ينفصل الأبناء عن أمهم التي ربّتهم على الاستقلالية، فمن البديهي أن “الصحافة” أهم أبناء الفلسفة، وإن شئنا قلنا إن الصحافة التنويرية الابنة الشرعية للفلسفة، في مقابل الصحافة التدميرية التي حاربتها الفلسفة منذ أن دشنها الفيلسوف سقراط.

ماتزال التهم الملفّقة التي حوكم بها الصحفي اليوناني سقراط، وهو يقوم بتنوير الجماهير، تستدعي تفكيكا مُتعدِّد المقاربات، بدءا بالمقاربة القانونية مادام الصحفي سقراط رفض قوانين القضاء الأثيني لعدم شرعيتها..

 أيضا المقاربة السياسية كون سقراط رفض الديمقراطية الأثينية المزيفة، التي تُمجِّدُ الدُّوكسا والشعبوية، وتُهمّش النخب التنويرية في أفق التخلّص منها عبر التطهير التدريجي..

من عجائب الصدف أن الشرطة القضائية الأثينية آنذاك، اعتقلت الصحفي سقراط تزامنا مع أعياد دينية، وهو ما يكشف أن اعتقال المفكرين التنويريين هو  انتصار استبدادي يُتوّج بحفل انتقامي..

“الصحافة الملوّنة” ليست وليدة الأزمنة المعاصرة، حيث عرفت أثينا الصحافة الصفراء والحمراء والرمادية والوردية.. وقد عاشت صحافة قلب الحقائق أوجها مع السوفسطائيين وقيدومهم الصحفي بروتاغوراس، وهي مثال للصحافة الرمادية التّدليسية.

 وفي الأدب، ومسرح الملهاة على وجه التحديد، يمكن الإشارة إلى أريستوفان رائد صحافة الإثارة “الصحافة الصفراء” التي تهيّج الرأي العام ضد المناضلين وتلطيخ تاريخهم ووأدهم، معتمدة نشر الفضائح والأكاذيب لدغدغة عواطف البسطاء.. وخير مثال على ذلك صحافة مسرحية “السحب” التي ساهمت في تلطيخ صورة سقراط وزعزعة شعبيته/ مما سهل على السلطة الأثينية اعتقاله ومحاكمته، بعد تجريده من جماهيره المؤيدة لأفكاره، وخصوصا فئة الشباب.

مكبّلا بالسلاسل في سجن بئيس، حيث يتوقّف الزمن، كان سقراط ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بشغف، بعد محاكمة كاريكاتورية كشفت علاقات متشابكة من التواطؤات بين أعلى سلطة في البلاد، وأجهزة الشرطة، ومؤسسة القضاء، وتصفيقات النخب المزيفة، وصمت المفكرين التنويريين، وتحريض الصحافة الفاسدة.. هذا ما جعل المؤرخ ألكسندر كويري يرى أن إعدام سقراط كان نتيجة حتمية لغرق دولة أثينا في الفساد..

إعدام الصحفي سقراط بشرب سُم الدولة “الشوكران”.. هو رسالة واضحة لكل صحفي حرٍّ يتواجد في كل فضاءات الدولة بغية التنوير، من خلال معرفة الحقيقة ومشاركتها، أو ما يسمى اليوم “صحافة المواطن” من خلال النصيحة السقراطية المأثورة “إعرف… بنفسك”..

رسالة الدولة لكل المزعجين الذين يفتحون عيون الشعب على طابوهات تدبير الشأن العام، ونهب المال العام، والعدالة، وتداول السلطة، والظلم الاجتماعي.. هؤلاء مصيرهم الاحتواء أو السجن والتنكيل..

في مؤلف فوكو “المراقبة والعقاب: ولادة السجن”.. السجن هو ليس مجرّد فضاء للاعتقال والحرمان من الحرية فقط.. كلا السجن هو استراتيجية للتعذيب الممنهج والمنتظم وتدوير التعذيب وتمديد التعذيب، وصولا إلى صناعة هوية جديدة للسجين.. هكذا يغدو السجين إنسانا مُستلبا فاقدا لهويته.. بعد فصله عن المجتمع.. واتهامه بفضائح وفظائع وخيانات عظمى.. لإسقاطه في الدرجة القصوى من الانهيار النفسي والتمزق العقلي والتصدع الوجودي..

بما أن السجن وُلِدَ قديما مزيَّنا بالسلاسل  والأغلال والأقبية والسراديب وأدوات التعذيب.. هذا يعني أن هذا المولود المفترس ينمو عبر التاريخ، ويصبح أكثر افتراسا ووحشية.. سيما في الأنظمة الاستبدادية التي تكره المفكرين التنويريين، خاصة أولئك المزعجون الذين يريدون دمقرطة “السُّلط” وفصلها وتنظيمها وترتيبها،  وفي مقدمتهم أبناء صاحبة الجلالة “الصحافة”..

“السلطة الرابعة” عبارة تُغضب النظام المستبد.. وأشدّ ما يغضبه منطوق “السلطة” التي يحتكرها لنفسه ولا يريد أن يشاركه فيها أحد، ولو من باب الاستعارة المجازية.. يُفضّل الديكتاتور تسمية مؤسسة الصحافة بالمفهوم الزوجي “أجهزة الإعلام” القريب من اللفظ الأمني ” أجهزة الاستعلامات” تيمُّنا منه باحتوائها، وتجريدها من سلطتها ووظيفتها النقدية التنويرية..

بعد تحويل الديكتاتور السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى راقصات في محفله المسرحي التسلطي، يأتي الدور على السلطة الرابعة كي تخضع وتشرع في هزّ بطنها وخصرها.. لتغدو راقصة رشيقة..

 “الراقصة الرابعة” يمكنها إعداد تقارير صَحفية عن الفضائح الجنسية، ونشر أخبار الحق في المثلية، وألوان الملابس الداخلية.. وأنماط الأغذية التي تحمي من الترهل وتطيل أمد جاذبية الأجساد الأنثوية، وغيرها من الأخبار الشهية..

صحافة الإلهاء والتطبيل والتضليل وحدها تصول وتجول، وكل صحفي سولت له نفسه الأمارة بالسوء ممارسة النقد وتقصي الحقائق ونشر غسيل الفاسدين، سيجد نفسها معتقلا قبيل العيد.. ليتم الانتقام منه والاحتفال بإخراس صوته المزعج بتلفيق تهم ثقيلة..

 “الخيانة العظمى” و “الاغتصاب العظيم” .. هي تُهم تستدعي “الإعدام” لكن الفيلسوف فوكو يخبرنا أن إلغاء الإعدام لم يتحقق في ظل تنامي المواثيق الدولية حول حقوق الإنسان، بل بهدف “تمديد العقاب وإطالة المعاناة وتعميق العذاب”..

كان الإعدام بالسيف أو المقصلة ينهي حياة السجناء في لمحة البصر، ولا يفي بغرض التعذيب وإعطاء العبرة للمجتمع، لذا ابتكر “آباء السجون” طرقا جهنمية لتعذيب السجناء، واحتجاز أجسادهم وكينونتهم، وممارسة مختلف أشكال التنكيل الجسدي والنفسي اللامتناهي، إلى أن يصبح السجين مطواعا سهل الانقياد، مؤمنا بقواعد الطاعة والخضوع والخنوع، بعدما آمن بخذلان الجماهير له، وهو الذي كرّس حياته لقضاياها وهمومها.

الصحفي التنويري الرافض للظلم الاجتماعي، وتدجين الشعوب وتفقيرها.. يُناهض الفساد والاستبداد.. ويستحيل تكميم فمه مهما اشتدّت جائحة الاستبداد..

 يستحيل تحويل الدول إلى “بانوتيكون Panoticon” لاحتجاز المواطنين ومتابعة تفاصيل حياتهم عبر تقنيات المراقبة الرقمية، بالكاميرات، والتجسس على الهواتف الذكية بأنظمة الرصد الفضائية، مهما تطوّرت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

اليوم يعيش العالم انفجارا  في شبكات الاتصال ومنصات ومواقع التواصل الاجتماعي، مما يتيح لكل مواطن أن يكون صحفيا، وصاحب رأي وناقل خبر، طبعا “صحافة المواطن” لا يمكنها أن تكون بديلا عن الصحافة المهنية، لكن يجب  على الصحافة الأكاديمية أن تتعلّم الإفادة من صحافة الجماهير التي تُحقّق السبق الصحفي أحيانا، وخير مثال الخياط الأمريكي ابراهام زابرودر Abraham Zapruder الذي صور اغتيال الرئيس كنيدي  سنة 1963..

يجب على المؤسسات الصحفية أن تحتضن  قِشدة “صحافة المواطن” مع تخصيص أيام وجوائز لمبدعيها، وأن تنْظر إليها كشريكٍ يساعد لا كمتطفِّلٍ يُهدِّدْ.. مع الحذر من فائض الأخبار الكاذبة والمندسّة من جهات مجهولة لغايات غير بريئة، مع ضرورة التعلّم من استراتيجية السرعة لا التسرّع، لأن معظم الصحف المهنية اليوم خصوصا في العالم العربي سلحفاتية بطيئة لا تستطيع مجاراة صحافة الجماهير، وهذا يستدعي الانفتاح وتقبل النقد الذي هو بوصلة الصحافة التنويرية، وتجنّب الترفع على المواطنين، فالصحافة انوجدت لخدمة الإنسان وقضاياه المصيرية وأهمها الحرية، والعيش الكريم.

  صحافة المستقبل ستكون أكثر راهنية، أما الذين يحملون ويحلمون بموت الصحافة واهمون، ستزدهر الصحافة ولو في كوكب المرّيخ، لأنها منارة غياهب الوجود البشري في كل أبعاده، ولن يقف الحد عن تشعب ألوان الصحافة وأجناسها، مع انقراض الصحافة الورقية..

 ستتناسل تخصصات صحفية جديدة، لدرجة ميلاد صحافة “تخصُّص التخصص”.. سنسمع غدا بصحافة طب الأعصاب وداخل هذه الصحافة ستنمو صحافة العصبونات وصحافة الجينوم.. وصحافة الاقتصاد العسكري وفي جوفها ستنبت صحافة اقتصاد طائرات المراقبة الدرون.. وصحافة الكواكب والبحار.. وصحافة الطب النفسي ومن رحمها ستولد صحافة العدالة السيكولوجية.. إلى ما لا نهاية..

المستقبل للصحافة يعني أن المستقبل للدول التي تحترم حرية الصحافة وتمكنها من الإبداع وليس فقط نقل الخبر.. الصحافة ليست جريمة.. الحرية لكل معتقلي الرأي في العالم.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. اتساءل لماذا غابت عنا مقالاتك اخي نورالدين برحيلة و اختفت حتى تفاعلاتك النيرة

    تحياتي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here