نوايا القوات التركية لدخول شرق الفرات.. بين “الصفقة والمغامرة”

عمر الردّاد

تستعد القوات التركية للقيام بعملية واسعة ضد وحدات حماية الشعب “الكردية ” في شمال شرق سوريا،في ظل ثوابت استقرت بالنسبة للإطراف الفاعلة في الأزمة السورية،حيث تعتبر تركيا ان أية نجاحات لأكراد سوريا مهددا للأمن القومي التركي، وعملت وتعمل بكل السبل للحيلولة دون قيام أية”كيانيه” كردية على حدودها،فيما تعمل أمريكا على تعزيز تحالفها مع الأكراد وتقديم الدعم السياسي والعسكري لهم،باعتبارهم شريكا موثوقا في محاربة الإرهاب،ويؤمن لأمريكا تنفيذ استراتيجيها الهادفة للامساك بخيوط اللعبة في كامل الملف السوري، وبما يتعداه لملفات أخرى، من خلال السيطرة على مناطق شرق الفرات عسكريا واقتصاديا، وبالمقابل تعايش الحليفان السوري والإيراني بالتعامل مع قضية أكراد سوريا باعتبارها ورقة ضغط ضد تركيا،خاصة وان أكراد سوريا أعلنوا غير مرة أنهم ليسوا بصدد الانفصال عن الدولة السورية ،كما هو حال أكراد العراق.

يأتي التصعيد التركي في ظل “تحسن” نسبي طرا على العلاقات التركية-الأمريكية،خاصة بعد الإفراج عن القس الأمريكي المعتقل بتركيا على خلفية اتهامات بالإرهاب ،وقضية مقتل  الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” في القنصلية السعودية باسطنبول قبل أكثر من شهرين ،وهو ما ظهر بزيارات مسؤولين أمريكيين الى أنقرة”مديرة المخابرات ووزير الخارجية” وانحسار الحملات الإعلامية المتبادلة بين الرئيسين”اردوغان وترامب”.

واضح ان الرئيس اردوغان، الذي يوصف بأنه بارع في استثمار التناقضات، وتحويل الأزمات والتحديات الى فرص، قرر الاتجاه الى الأكراد في شمال سوريا في هذا التوقيت، في ظل تطورات مرتبطة باتجاهات وتحولات في مواقف الأطراف الدولية المعنية بالقضية السورية، ولتحقيق جملة من الأهداف،وهي:

 أولا: إيجاد قضية رأي عام قومي يجمع حولها الأتراك ،في ظل النظرة القومية للتهديد الكردي، وبما يخفف عليه وطأة الانتقادات الداخلية تجاه العديد من الملفات بما فيها الأزمة الاقتصادية، واستمرار التشنج في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي،بما في ذلك إضعاف احتمالات انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي،والتي أصبح واضحا معها ان هذه الاحتمالات أصبحت شبه معدومة، لأسباب مرتبطة بالمشروع التركي القائم على العثمانية الجديدة.

ثانيا: استغلال الصراعات داخل الإدارة الأمريكية، ومواقفها تجاه تركيا وكيفية التعامل مع تركيا، بين التضييق عليها على خلفية ذهابها بعيدا في علاقاتها مع روسيا، وبين إمكانية استعادة تركيا كقوة حليفة فاعلة في ملفات المنطقة، فهناك موقف وزارة الدفاع الأمريكية التي تحاول التضييق على تركيا،بالتلويح بإقامة نقاط مراقبة ومناطق حظر جوي في شمال سوريا، وزيادة تسليح الأكراد، وبأسلحة ثقيلة ،الهدف منها منع تركيا من التأثير في مجريات الإحداث في شمال شرق سوريا،الى جانب موقف تمثله وزارة الخارجية الأمريكية والمبعوث الأمريكي لسوريا”جيمس جيفري” الذي يعتقد ان هناك ضرورة لإرسال تضمينات لتركيا،بإشراكها في الإجراءات العسكرية الأمريكية شرق الفرات وإعادة النظر في تركيبة قوات سوريا الديمقراطية بزيادة مشاركة العشائر العربية فيها،بما يسهم بتخفيف مشاركة المكون الكردي فيها.

ثالثا:استثمار رغبة الحلفين السوري والإيراني بتحقيق انجاز في ادلب،بعد نجاح الرئيس اردوغان بالاتفاق مع الرئيس بوتين على تحييد ادلب ،والحيلولة دون وقوع معارك ضارية فيها، كان مؤكدا ان حلفاء تركيا هم الطرف الخاسر فيها، وبحيث ظهر الرئيس اردوغان بعد قمتين مع الرئيس بوتين انه صاحب الكلمة الأولى في قضية ادلب، وخلال الأشهر الماضية بذلت تركيا جهودا في إعادة ترتيب أوضاع حلفائها في ادلب، لحماية حلفائها، فيما يتردد وعلى هامش المخطط التركي لشن هجوم على شرق الفرات ان “صفقة” تمت مع روسيا وإيران وسوريا،تغض بموجبها الأطراف الثلاثة الطرف عن الهجوم التركي على شرق الفرات،مقابل ان تقوم تركيا بغض الطرف عن هجوم تشنه الأطراف الثلاثة على مناطق في ادلب،خاصة وان تعزيزات وحشود عسكرية سورية وايرانية تتصاعد حول ادلب، هذا بالإضافة لكون الهجوم التركي المتوقع بالنسبة للأطراف الثلاثة، يحقق مصالحها بإرباك القوات الأمريكية،ودفع كثير من العشائر العربية والكردية في المنطقة للعودة الى الدولة السورية،وهو ما تعمل عليه حتى تركيا، التي ما زالت تؤمن باهمية الحفاظ على وحدة سوريا.

وفي الخلاصة فان هناك سيناريوهان للتهديدات التركية،وهما الأول: عدم تنفيذ الهجوم التركي،بحصول تركيا على تنازلات أمريكية،بما فيها السماح للمخابرات التركية بشن حملات اعتقال داخل الأراضي السورية ،شرق الفرات، ،إضافة لتفاهمات حول نقاط المراقبة والتسليح الأمريكي للأكراد، وهو سيناريو موضع شكوك عميقة ،رغم الصراعات داخل الإدارة الأمريكية والثاني:تنفيذ الهجوم، بما يترتب عليه من فرض وقائع جديدة،ستنعكس على علاقات تركيا مع امريكا،وربما يعود بالعلاقات بين البلدين الى أجواء التشنج وتبادل الاتهامات التي كانت قائمة قبل أشهر قليلة،غير أن الأهم،في ظل هذا التصعيد، ان على العالم الاستعداد للتعامل مع موجات لجوء ومجازر يتوقع ارتكابها،خاصة في ريفي ادلب الشرقي والجنوبي، خلال الهجوم الروسي الإيراني السوري المتوقع، وهو ما تخشاه أوروبا وأمريكا.

كاتب أردني.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here