نواف الزرو: نحو تفعيل اوسع لجبهة الاعلام والثقافة والتربية والتعليم والتوثيق والتأريخ

نواف الزرو

في اخطر هجوم شنه رئيس وزراء الكيان على قضية اللاجئين وحق العودة، قال نتنياهو خلال اجتماعه مع السفيرة الامريكية-السابقة- لدى الامم المتحدة نيكي هايلي:”إنه حان الوقت لتفكيك وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا”، مضيفا: “ان الأونروا، إلى حد كبير بسبب وجودها وأيضا بسبب أنشطتها من حين لآخر، تخلّد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بدلا من حلها، ولذلك حان الوقت لتفكيك الأونروا ولدمج أجزائها في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة-الاعلام العبري ووكالات الانباء”.

ولم يأت تصريح نتنياهو هذا فجأة او صدفة، وإنما تتويجا لحملة منهجية مبيتة اخذت تشنها حكومة الكيان في الآونة الاخيرة  لشطب القضية الفلسطينية بكافة مضامينها وملفاتها ورموزها، واهمها” قضية اللاجئين وحق العودة”.

الى ذلك، ووفق احدث تطورات المشهد الفلسطيني، فان الكيان الصهيوني  صعد في السنوات الاخيرة من  حربه الوجودية الشاملة على مختلف الجبهات ضد الشعب العربي الفلسطيني، وقد وصلت الامور الى درجة شطب الرموز الفلسطينية على سبيل المثال، فممنوع على الفلسطينيين  مثلا اطلاق اسم الشهيدة دلال المغربي على اي شارع في رام الله او في اي مكان فلسطيني آخر، فالامم المتحدة اوقفت دعمها لمركز اجتماعي فلسطيني في الضفة الغربية لانه يحمل اسم الشهيدة دلال، وكذلك فعلت  النرويج والدنمارك وغيرها مع مراكز ومؤسسات اجتماعية فلسطينية اخرى، وذلك بضغوطات صهيونية –امريكية مشتركة ، تمخضت ايضا عن تعيين سفير الكيان  لدى الامم المتحدة نائبا للامين العام للامم المتحدة..تصوروا…؟!.

وكانت حكومة الاحتلال شنت حملة سابقة حتى على مصطلح النكبة الفلسطينية، وطالبت الامين العام للامم المتحدة بشطب مصطلح النكبة من كافة قرارات ووثائق الامم المتحدة…وهكذا…!.

يضاف الى ذلك، التهافت العربي التطبيعي الخياني مع  الكيان والاحتلال، وقد اصبح على نطاق يتوسع  تدريجيا على كل المستويات الرسمية-الخليجية- والتجارية والاعلامية والاكاديمة ، ما يشجع الاحتلال ويعطيه فرصة تاريخية لمزيد من الانقضاض على القضية  بكافة رموزها.

وتأتي هذه الحملة الصهيونية على الرموز في ظل اوضاع فلسطينية ضعيفة متهلهلة ومنقسمة  انقساما مأساويا، وفي ظل اوضاع عربية بالغة السوء لم يسبق ان شهد العالم العربي مثلها، فنحن امام انهيار شامل للامن القومي العربي وللمناعة القومية العربية، بل ان المؤسسة الصهيونية ترى بها فرصة تاريخية نادرة للانقضاض على القضية الفلسطينية وشطبها من على كافة  الجداول الدولية كما اعلن افيغدور ليبرمان.

ما يعيدنا هنا للجدور والبدايات، لنوثق: ان الدولة الصهيونية بوصفها “دولة مختلقة-مصطنعة غريبة في الجسم العربي، تسعى” الى اختطاف الارض والوطن والتاريخ والحضارة والتراث والهوية والسيادة.. وتعمل بلا كلل على تهويد فلسطين تهويدا شاملا: جغرافياً -سكانياً -حضارياً – تراثياً –ثقافيا-واقتصادياً – وذلك عبر التزييف الشامل لكل العناوين والملفات..

كما تعمل الى جانب كل ذلك من اجل تفريغ ذكرى النكبة وذاكرتها من مضامينها من كل معانيها ودلالاتها..

في الوقت الذي تشن هجوماً تجريفياً منسقاً واستراتيجياً على العقل والوعي الجمعي العربي المتعلق بالنكبة والقضية.. الذكرى والذاكرة..بهدف شطب القضية بكافة رموزها ومضامينها ودلالاتها.

وفي سياق حرب التراث والذاكرة ، لفت انتباهي خبر قرأته في صحيفة هآرتس العبرية تحت عنوان(وهذا الخبر اكرره والفت الانتباه اليه دائما في كافة دراساتي ومحاضراتي ونقاشاتي) : “لنكتب ..كي لا ننسى : حتى لو لم يكن هناك من يقرأ..؟”، وجاء في الخبر: “ان مؤسسة “يد فشيم”اليهودية- متحف المحرقة اليهودية- في القدس تتلقى وتصدر سنويا 200 كتاب مذكرات شخصية ليهود عايشوا – على حد زعمهم- المحرقة/ الكارثة اليهودية “…؟!!!.

والغاية من هذه الكتب  انها توثق تفاصيل المحرقة والمعاناة اليهودية المزعومة التي يختلف على صحتها عدد كبير من علماء العالم ومنهم بعض علماء اليهود، في مسعى راسخ لترويج وترسيخ  الرواية الصهيونية المزيفة.

 وكذلك وتحت عنوان:”إسرائيل لا تزال تخاف الرواية الفلسطينة” كشف المحلل المعروف جدعون ليفي في هآرتس النقاب عن “وجود 150موقعاً تراثياً على الانترنت” تروج أكذوبة قديمة كبيرة هي “شعب بلا أرض جاء الى أرض بلا شعب”.

بل ان رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، دشن برفقة العديد من وزراء حكومته متحف “الهولوكوست” في العاصمة اليونانية سالونيكي- الاعلام العبري”، وقال نتنياهو: “تشكل هذه الزيارة تجربة مثيرة بشكل خاص لنا لأن سالونيكي مدينة اشتهرت على مر التاريخ اليهودي والتاريخ اليوناني فتلك المدن كانت مرتبطة ببعضها البعض منذ القرن الرابع بعد الميلاد، وهي التي شهد تاريخها علامة فارقة بمجيء المزيد من اليهود إليها جراء مرسوم الحمراء”. بينما انضم اليه رئيس الوزراء اليونان إليكسيس تسيبراس، في حفل إزاحة الستار عن بدء أعمال إقامة متحف “الهولوكوست” في سالونيكي قائلا: “يجمع اليونان وإسرائيل تاريخ مشترك. ونحن متواجدون هنا بمناسبة الإشادة بمبادرتنا لإقامة نصب تذكاري لتخليد ذكرى الهولوكوست والذي سيرمز إلى الحقبة الدرامية التي شهدتها هذه المدينة”. مضيفا: “سيخلد متحف الهولوكوست الذكرى وكذلك سينقل تلك الذكريات للأجيال القادمة في سالونيكي. وسيعرض المتحف حاضراً ومستقبلاً الذي حدث ولن يسمح بالمس بالسلام والحرية. أتمنى أنه قريباً سيزورنا نتنياهو مجدداً لنشارك سوياً في حفل تدشين متحف الهولوكوست”.

– تصوروا ….؟!!!

ويشار هنا ايضا الى ان الأرشيف الصهيوني غزير بالوثائق والتفاصيل المهمة والكثيفة عن كل ما حصل لفلسطين وفي فلسطين منذ النكبة ومرورًا بالنكسة وحتى يومنا، ولكن مقابل عملية الأرشفة الدقيقة والمتطورة في الجانب الإسرائيلي، والتي يتاح الكشف عن بعض مما فيها من حين لآخر، يقف المرء عاجزًا، وربما ساخطًا وأحيانًا يائسًا أمام الجرم الذي نرتكبه بحق تاريخنا وشعوبنا بفعل ضياع ‘أرشيفنا’ العربي ككل وليس فقط الفلسطيني.

لكل ذلك، تعتبر جبهة الاعلام والثقافة والتربية والتعليم والتوثيق والتأريخ من اجل الحفاظ على ذاكرة القضية والنكبة والهوية والصراع، جبهة مفتوحة لا تقل اهمية عن الميادين الاخرى.

ولذلك يجب ان نسعى دائما الى النبش في التاريخ، من اجل استحضار المعطيات والوقائع والحقائق التي تحكي الحكاية العربية الفلسطينية، فتعود بنا الى البدايات البعيدة في التاريخ..الى نحو قرن ونصف من الزمن..الى تلك الوثائق والمؤتمرات والوعود التي دعت الى”اقامة وطن لليهود في فلسطين” والى “اختلاق دولة اسرائيل واسكات الزمن العربي” فيها  بمضامينه التاريخية الحضارية الثقافية التراثية  والدينية.

والهدف من وراء ذلك من جهة اولى توثيق وتأريخ ما جرى في فلسطين من تطورات واحداث ومؤامرات غيرت وجه فلسطين والمنطقة، والاستشهاد بالوثائق والاعترافات والشهادات من الارشيف الصهيوني، بينما تهدف من جهة ثانية، الى فتح كافة ملفات القضية الفلسطينية وفي مقدمتها”سياسات التطهير العرقي الصهيونية” التي اعتمدتها الحركة الصهيونية بمنتهى الاجرام والبشاعة ضد اهلنا في فلسطين، لانه لم يكن لتلك الدولة الصهيونية ان تقوم بدون سياسات التطهير العرقي  الاجرامية. كما  تسعى من جهة ثالثة الى الحفاظ على الذاكرة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية  باعتبار فلسطين لنا عربية الهوية والسيادة. بينما تسعى من جهة رابعة الى توثيق وتأريخ مسيرة النضال والكفاح والبقاء العربي الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني الالغائي الاحلالي.

انه صراع واشتباك مفتوح مع المشروع الصهيوني يحتاج الى كل هذه المهمات الوطنية التوثيقية للأجيال وللمستقبل…!

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. من عجائب التاريخ ؛ أن الصهاينة أنفسهم “كفروا برموزهم المخملية” فمسحوها من ساحات فلسطين ليستعيضوا عنها برموز فلسطين من قبيل القائد أبو عمار والقائد اسماعيل هنية …إلخ ففي النهاية ؛ لا يصح سوى الصحيح ويطوي التاريخ كل جرمقبيح !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here