نواف الزرو: لم يبق امام الفلسطينيين سوى “خيار شمشون”؟

نواف الزرو

حينما يعلنها الثنائي الاستعماري ترامب وننياهو امام العالم والامم المتحدة “ان صفقة القرن هي الحل وهي البديل لكل القرارات الدولية”، و”انه سيتم ضم الاغوار للسيادة الاسرائيلية، ومنطقة البحر الميت، وكل المستعمرات والقدس وغيرها وغيرها”، وان صفقة القرن-في مضامينها-تصفي كافة الحقوق الفلسطينية التاريخية والشرعية،  فان الاجندة وراء ذلك تغدو صريحة: اننا مقبلون على المزيد من الحروب الاسرائيلية على  مختلف الجبهات، وخاصة على الجبهة الفلسطينية.

وعندما يقول ويكرر نتنياهو وأقطاب اليمين الصهيوني على مدار الساعة:”إنه يصعب عليه أن يصدق وجود إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين حتى لو افترضنا نظريا أن إسرائيل ستنسحب حتى آخر سنتيمتر من المناطق (الفلسطينية)”صحيفة يديعوت أحرونوت”، فانه يلحق بسابقيه من امثال شامير وشارون وباراك في القطع  باستحالة التوصل الى اي تسوية مع الفلسطينيين، حيث كان اكد ” أن المواقف الإسرائيلية والفلسطينية غير قابلة للجسر”، وتوقع بأن “لا يتم تحقيق اختراق حتى بعد 16 سنة-او عشرين او بعد جيل كامل او اكثر”، موضحا:” لا يوجد أي احتمال لجسر الهوة بين المواقف الإسرائيلية والفلسطينية في المستقبل المنظور”، مضيفا:”إنه لا يؤمن بإمكانية التوصل إلى تسوية دائمة مع الفلسطينيين في السنوات القريبة”، فانه بذلك يفصح  جهارا عما في فكره ونواياه ومخططاته..!، ويذهب نتنياهو ابعد واوضح من كل ذلك مخاطبا الفلسطينيين:” لا تحلموا بالقدس ولا بعودة اللاجئين”، مضيفا في خطاب امام  الكنيست: “أن الليكود يسعي لتحقيق السلام ولكن التاريخ  اثبت أن السلام يتحقق انطلاقا من القوه وليس من الضعف ووفقا لقراءة صحيحه للواقع”.

ونقول الى كل ذلك : طالما”إن الحديث عن التسوية مع إسرائيل لم يعد له أي معنى” كما أعلنت القيادات الفلسطينية”، وطالما “أن قضية القدس المحتلة تمر في هذه الأثناء بمنعطف سياسي خطير للغاية بعد ان اعلنها ترامب عاصمة ابدية ل”اسرائيل”، وطالما ان “الاجماع السياسي الفلسطيني والعربي معه وصل الى درجة اليأس والاحباط والقرف من حكاية السلام، ووصل الى استخلاص واضح بانه لا امل يرجى من كل حكاية السلام ومن الادارة الامريكية التي ترعاها”، فان الخيارات المتبقية امام الفلسطينيين  قليلة ومحصورة جدا، لعل في مقدمتها خيار الانتفاضة الثالثة وربما يذهب الفلسطينيون الى ابعد من ذلك…الى خيار شمشون…!.

فالماثل امامنا في المشهد الفلسطيني الراهن، ان الشعب الفلسطيني يتعرض  بلا ادنى شك الى هجوم اسرائيلي امريكي استراتيجي شامل تدميري اعلامي  سياسي وحقوقي ابادي بكل ما تنطوي عليه هذه المصطلحات من مضامين وتداعيات اجرامية، بل والاكثر من ذلك ان ما يتعرض له الشعب الفلسطيني منذ بدايات الاحتلال عبارة عن حرب “تطهير عرقي”بكل ما تعنيه من اجتياحات وقتل جماعي وفردي وتدمير شامل لكافة اشكال البنى التحتية الفلسطينية المدنية والامنية والتعليمية والثقافية والرياضية والخدماتية وغيرها، كما يتعرض الشعب الفلسطيني في الوقت ذاته الى حرب”ابادة سياسية ” تتزامن مع “التطهير العرقي” وتستهدف الاجهاز على الطموحات والتطلعات الوطنية الفلسطينية الاسقلالية وعلى كافة المطالب التاريخية والحقوقية المشروعة في فلسطين …؟!!.

  وتقترف دولة الاحتلال عبر هاتين الحربين /في حرب واحدة متكاملة / كل الانتهاكات والجرائم  التي تتخطى كافة الخطوط والمواثيق والقوانين والاعراف الدولية والبشرية، فهي تصول وتجول على امتداد مساحة الاراضي المحتلة تمارس كل اشكال القتل والهدم والتدمير والاعتقال والعقوبات الجماعية وتحول المناطق الفلسطينية الى معسكرات اعتقال جماعية في الوقت الذي تواصل فيه سطوها المسلح  في وضح النهار على الاراضي العربية  المحتلة.

 ولم تكن الذرائع المتعلقة بتهديدات الصواريخ والعمليات المسلحة وغيرها، الا احداثا في هذا السياق الاحتلالي الاجرامي…!

فالاصل هو الاحتلال والانتهاكات والمجازر الاسرائيلية …!

 والاصل ان الشعب الفلسطيني يتعرض لارهاب الدولة الاسرائيلية…!

 والاصل ان الوطن الفلسطيني هو الذي يتعرض للسرقة والاختطاف…!

 ويأتون بعد كل ذلك  ويزعمون” ان الفلسطينيين ارهابيين وقتلة ومختطفين “.

وينتفضون ضد الجدران والحدود والحصارات الخانقة ومعسكرات الاعتقال الجماعية …!

وفي الآونة الاخيرة اخذ الجميع يضغط ويهدد- اسرائيليا وامريكيا واوروبيا ضد نية الفلسطينيين التوجه لمحكمة الجنايات الدولية،  والجميع منشغل  بالتدخل لصالح اخطر دولة تمارس الارهاب والاختطاف على وجه الكرة الارضية …؟!

 فيا له من نفاق يرتقي الى مستوى التواطؤ والتحالف مع “اسرائيل”…؟!

والجميع يتناسى ويتعامى في الوقت نفسه عن عملية الاختطاف الكبرى المستمرة التي تشنها دولة الاحتلال ضد الارض والبشر في فلسطين….؟!!!!

  ونتساءل : في ضوء كل ذلك ماذا يتبقى للفلسطينيين من خيارات وحقوق …؟!!

 الا يدفعون الشعب الفلسطيني بذلك دفعا لاسخدام كافة الوسائل المتاحة بين ايديه للدفاع عن نفسه …؟!

 ام ان حق الدفاع عن النفس من حق اسرائيل فقط…؟!!

لقد اصبح ظهر الشعب الفلسطيني الى الحائط تماما…؟!

 جاء في الادبيات الدينية اليهودية ولاحقا في الادبيات السياسية الصهيونية ما اطلق عليه اسم: “خيار شمشون” في اشارة واضحة صريحة الى تبني الدولة الصهيونية/ لهذا “الخيار الشمشوني” المستند الى “علي وعلى اعدائي” في حال تعرضت تلك الدولة الى اي تهديد وجودي من قبل المحيط العربي .

فمنذ الخمسينات قرر بن غوريون “اول رئيس وزراء لتلك الدولة” انه يتحتم على اسرائيل امتلاك سلاح قاس لا مثيل له في قوته التدميرية، لمواجهة احتمالات قاسية”.

وكشفت المصادر العبرية النقاب عن ان “خيار شمشون” كان حاضرا بقوة كبيرة في حرب اكتوبر 1973، حيث طرح موشيه ديان (وزير حربهم انذاك) في اليوم الثالث للحرب فكرة استخدام اكثر الوسائل ايلاما لصد المصريين “وحسبما نشر فقد قررت الحكومة الاسرائيلية برئاسة غولدا مئير تجهيز الاسلحة النووية الاسرائيلية وتوجيهها نحو اهدافها في القاهرة ودمشق، مما اضطر الادارة الامريكية الى تسريع القطار الجوي لنقل الاسلحة الى اسرائيل” ليكون “خيار شمشون” بذلك قد ارتدى زيا نوويا صريحا كان يمكن اللجوء اليه في حرب “اما نكون او لا نكون” في مواجهة مصر وسوريا.

واستنادا الى الادبيات الدينية والسياسية اليهودية/ الصهيونية ذاتها، نرى ان ذلك “الخيار الشمشوني” تمارسه الدولة الصهيونية في هذه المرحلة/ المحطة من الصراع بصورة مزيفة وخادعة ومكثفة تحت اسم “حق الدفاع عن النفس” باعتباره الخيار الاخير امام “اسرائيل” في مواجهة “الارهاب الفلسطيني” الذي يهدف الى ابادة اسرائيل”.

بدأت الرواية/ الاكذوبة الصهيونية في هذا الاتجاه في عهد جنرالهم الارهابي باراك الملطخ بالدماء الفلسطينية من الرأس حتى اخمص القدم، حينما عاد من “مفاوضات كامب ديفيد – 2” خالي الوفاض من اي توقيع فلسطيني على هواه وحسب اجندته السياسية ليعلن: “انه قدم مقترحات سخية للفلسطينيين لم يسبق لاي رئيس وزراء اسرائيلي ان قدمها، غير ان الفلسطينيين رفضوها واختاروا العنف والارهاب”، وليسارع ذلك الجنرال لارتداء زيه العسكري الارهابي الدموي الحقيقي بشنه هذه الحرب المجازرية الاجرامية الدموية التدميرية التركيعية ضد الشعب الفلسطيني كله على امتداد مساحة فلسطين برمتها.

ولذلك لم يكن عبثا ان التف المجتمع الصهيوني في غالبيته العظمى وراء هذه الحرب الابادية الالغائية ضد الفلسطينيين، تحت زعم “ان الفلسطينيين قد رفضوا مقترحات باراك السخية التي تعطيهم ما لا يقل عن 95% من مساحة الضفة والقطاع، وتعطيهم دولة فلسطينية وسيادة على الاحياء العربية والاماكن المقدسة في القدس، ولجأوا الى خيار الانتفاضة والارهاب، وتحت شعار “ان هذه المعركة هي استمرار لحرب الاستقلال”.

وكان شارون نفسه قد اعلن عن هذا المضمون مرارا، حيث اكد مثلا في نيسان/2002 مبررا حملة الاجتياحات والتدمير التي اطلقها تحت اسم “السور الواقي”: “اما نحن واما هم في هذه المعركة”، وعاد في السادس من ايلول/2003 ليؤكد الشعار ذاته “اما نحن واما هم في هذه المعركة”، في محاولة جديدة متجددة منه لتزييف الحقائق ولكسب وتحشيد الرأي العام الاسرائيلي وراءه في هذه “الحرب الشمشونية” التي شنها على نساء واطفال وشيوخ وشجر وحجر فلسطين..؟!!

وامريكيا- حينما يعلن الرؤساء الامريكان تباعا كلما دق الكوز بالجرة “ان من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها في مواجهة الارهاب الفلسطيني” مطالبين السلطة الفلسطينية بابتزازية وقحة “ان عليها ان تحارب الارهاب وان تفكك الفصائل والبنية التحتية للارهاب”، وليبلغوا ذروة الانحيازه لصالح الدولة الصهيونية بالقول: “ان لاسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وانها يجب ان لا تشعر بانها مقيدة فيما يخص الدفاع عن الوطن”، وحينما يجمعون  على :”الغاء قرارات الشرعية الدولية”  و”شطب حق العودة” و” عدم العودة الى حدود حزيران/67″، وعلى “دولة اليهود “، و “ضم تكتلات المستعمرات الى السيادة الاسرائيلية “…!، نقول، حينما يعلن ترامب ذلك مواصلا درب سابقيه، فانه يكون اولا قد تبنى بالكامل “الخيار الشمشوني الصهيوني” بان تلك الدولة تخوض حرب دفاع عن النفس في مواجهة “الارهاب الفلسطيني”، ويكون ثانيا قد منح ترخيصا صريحا لتلك الدولة بمواصلة خيارها وحربها الدموية التدميرية الابادية الالغائية ضد الشعب الفلسطيني، فهي – اي الحرب – بالنسبة لهم “اما نحن واما هم” و”معركة كسر عظم”، ويكون ثالثا قد كرس تلك الحقيقة الكبيرة الراسخة في الوعي العربي بان السياسة الامريكية متعددة المكاييل، بل انها لا تعمل الا بالمنظار والمكيال الصهيوني فقط..، ويكون رابعا قد كرس ايضا مشاعر الغضب والكراهية العارمة ضد هذه السياسة الامريكية الطاغية..!.

ونقول بدورنا- طالما “ان من حق تلك الدولة الاستعمارية الاستيطانية الارهابية ان تخطف الوطن والارض وتشطب الحقوق وتقترف جرائم الحرب المروعة ضد نساء واطفال وشيوخ وشبان فلسطين” تحت ذريعة الدفاع عن النفس ، فماذا نقول عن الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لكل ذلك..؟!

وما الخيارات التي تركوها اصلا لهذا الشعب في مواجهة “الخيار الشمشوني المزعوم” بمضامينه الصهيونية المعاصرة الملوثة بالعنصرية والمدججة بالادبيات الاجرامية واسلحة الفتك والقتل والتدمير الشامل للوجود الفلسطيني..؟!!

اذن- على هذه الارضية والمعطيات والترجمات الاجرامية الصهيونية على الارض، فقط يمكن قراءة الخيارات الفلسطينية في مواجهة سيناريوهات المحرقة والمجزرة الصهيونية المفتوحة..!.

الكاتب البريطاني بيتر برستون كان شرح مبكرا المشهد الفلسطيني قائلا:

“على الجانب الاخر الاسرائيلي تقوم وقائع اخرى، جيش صهيوني مزود بالطائرات والدبابات ومدجج بالاسلحة التي انتجت لقتل الاخرين، وليس لدى الفلسطينيين سلاح مواز، وما من احد يخف لنجدتهم سوى اخوان عرب لا يحملون لهم سوى كلمات فارغة، وها انهم قد عثروا على السلاح الذي لا يستطيع الصهاينة مواجهته –الاستشهاديون والصواريخ- ، فمن ذا الذي يلومهم على استخدامه؟”.

حسب المعطيات الماثلة في المشهد الفلسطيني في ظل صفقة القرن التصفوية، ووفق قراءة النوايا والمخططات والاهداف الصهيونية واستنادا الى ادبياتهم المكثفة راهنا بـما يعلنونه تباعا عن الضم والتهويد وتصفية الحقوق، وفي ضوء “خيار شمشون” المزعوم، فان الشعب الفلسطيني هو الاولى والاحق وفق كافة المواثيق والقوانين الدولية والبشرية، بالدفاع عن نفسه وعن وطنه وحقوقه امام خيارهم العنصري الابادي.

هكذا نقرأ ونفهم خيار الفلسطينيين في مواجهة حصارات واطواق وجرائم الاحتلال..؟!!

الى حين ان يراجع المجتمع الدولي حساباته، والى حين ان يتحرك العرب والعالم من اجل وقف انهاء الاحتلال الصهيوني وانصاف الشعب الفلسطيني..؟!!

فحينما تغلقون ويسقطون كافة الخيارات السياسية التي كانت محتملة من وجهة نظر البعض الذي كفر بها مؤخرا، فان الخيارات المتبقية امام الفلسطينيين  تصبح محدودة جدا،  ولعل ابرزها يكمن في احتمالية تفجر انتفاضة فلسطينية ثالثة يقول البعض انها قد تكون انتفاضة شاملة: انتفاضة صواريخ، بينما يقول البعض انها قد تكون انتفاضة حجارة متجددة، بينما يقول فريق ثالث انها قد تكون انتفاضة على شكل سلسلة احزمة بشرية فلسطينية حول المستعمرات الصهيونية، غير ان شبه الاجماع اننا بإنتظار انتفاضة فلسطينية ثالثة…! ، وبنتظار ان يسحب الفلسطينيون خيار شمشون الخاص بهم وهو خيار قوي وفعال وحاسم…!.

Nzaro22@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here