نواف الزرو: عن فيلم جابر وتزوير تاريخ الاردن!

نواف الزرو

تبدأ قصة الفيلم”جابر” في وادي موسى أثناء أعمال بناء طريق تؤدي إلى مدينة البتراء، حيث يكتشف صبي بدوي (يقوم بدوره محمد أدريس) بين أنقاض جابر قطعة من الصخور القديمة مكتوب عليها باللغة العبرية. يؤدي هذا الاكتشاف إلى رحلة اكتشاف ومغامرة حول القصة التوراتية وحول هجرة اليهود مع موسى من مصر. وهذا يعني تأكيداً لنظرية مثيرة للجدل كتبتها الدكتورة لويز ليغينز، بأن موسى أحضر يهوده إلى البتراء بدلاً من جبل سيناء، حيث أمضوا 40 عاماً قبل الانتقال إلى فلسطين…الخ- “القدس العربي 2019-7-28”؟.

ان انتشار الجدل الاردني حول فيلم “جابر” الذي يسعى لتزوير تاريخ الاردن ومنحه للرواية الصهيونية المزيفة طبيعي ، بل ويجب ان يصل الى كل المستويات، فالاردن مستهدف كما فلسطين  تماما، والامر هنا ليس جديدا، فهناك الكثير الكثير من الادبيات والمخططات الصهيونية التي تدعي “ان الاردن جزء لا يتجزأ من ارض اسرائيل”. ففي سياق الحرب الهستيرية على الوجود الفلسطيني  المنتشر في انحاء الوطن الفلسطيني، يتأجج الجدل في اروقة الليكود الصهيوني بين آونة واخرى حول “الاردن والوطن البديل” وحول “اسرائيل الكبرى”، ومرة اخرى تتعالى الأصوات داخل الليكود مطالبة بالعودة الى برنامج جابوتينسكي “ضفتان للاردن” والذي يعتبر عمليا الاردن جزء مما يسمونها ب”ارض اسرائيل” والتي تشمل فلسطين التاريخية والأردن، وهذه الاصوات ليست يتيمة او منقطعة الجذور والامتدادات، بل هناك مطالب قوية بان تتبنى قيادة الليكود هذا البرنامج كما قال ايتاي هارئيل، مؤسس البؤرة الاستيطانية “مجرون” لموقع “واينت”، موضحا:” ان طريق جابوتنسكي “ضفتان للاردن” هي الطريق المناسبة له ولكن يجب الاهتمام بان تسير قيادة الحزب في هذا الطريق”، ولا يخفي هارئيل، انه موجود في الليكود لكي يؤثر على برنامجه وخطواته السياسية، بكل ما يتعلق بالاستيطان والمستوطنات .

*جابوتنسكي والدولة اليهودية على ضفتي الاردن

ويذكر وزير الحرب الاسرائيلي الاسبق موشيه أرنس في هآرتس 2/2/2010- بجابوتنسكي تحت عنوان “يوم التمرد” قائلا:”في شهادة أمام لجنة بيل في لندن في الحادي عشر من شباط 1937، قال فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، ان هدف الصهيونية هو انشاء دولة يهودية على جانبي نهر الاردن؛ دولة يكون فيها مكان “للسكان العرب وذريتهم ولملايين اليهود”، كان عدد سكان الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل في تلك الايام نحوا من 400 ألف نسمة”، مضيفا:”تبين بعد الحرب للقادة الصهاينة، انه فضلا عن انه لا يوجد ما يكفي من اليهود لانشاء اكثرية يهودية صلبة في ارض اسرائيل – وهذا شرط لانشاء دولة يهودية غربي الاردن وشرقيه – لن يكون قدر كاف في الهجرة اليهودية المتوقعة لانشاء اكثرية هكذا حتى في المنطقة غربي الاردن”.

فحينما يصر الليكوديون المتشددون في الخريطة السياسية الاسرائيلية بين آونة واخرى على استحضار شعارهم  الجابوتنسكي”ضفتان للاردن”، فان المسألة اذن ليست عفوية، وليست لمرة واحدة، وليست ردة فعل ابدا، بل هي برنامج سياسي معزز بالايديولوجيا الصهيونية والتوراتية، لذلك لم تكن عملية “اقتحام الحدود الاردنية في الثاني والعشرين من كانون اول/2011 على يد مجموعة من المستوطنين المتطرفين” عفوية وبدون مناخات ايديولوجية وسياسية ناضجة، ففي الخلفية كم هائل من الادبيات السياسية والتوراتية  التي تزعم ان “الاردن جزء من ارض اسرائيل”، و”ان الدولة اليهودية كان يجب ان تقام على ضفتي الاردن”، و”ان الوقت لم يفت على  مثل هذه الدولة”…!

فرئيس الكنيست الاسرائيلي السابق روبي رفلين  كان أعلن “أن قيام “دولة إسرائيل على ضفتى نهر الأردن هدف قابل للتحقيق الآن أكثر من أى وقت مضى”، وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت- ذكرت”إن مراقبين سياسيين فى إسرائيل رأوا أن تصريحات ريفلين تعنى أن تل أبيب تعتبر أرض الأردن أرضا إسرائيلية، وأنه لا يجوز التفريط بها أو التفريط بالضفة الشرقية”، وأفادت الصحيفة “أن تصريح ريفلين كان للرد على رئيس الدولة “شيمون بيريز” الذى قال: “إن أمنية زئيف جابوتنسكى، أحد مؤسسى الحركة الصهيونية، بقيام دولة إسرائيل على ضفتى نهر الأردن أصبحت صعبة التحقيق”، وأكد بيريز خلال الجلسة أن “جابوتنسكى كان يحلم بدولة يهودية على ضفتى نهر الأردن، وأن هذا الحلم كان حلما كبيرا بالنسبة لنا، ربما أكبر من الحياة والزعماء قد يرتكبون أخطاء كبيرة أحيانا”، وفى رده عليه قال رفلين: “إن أمنية جابوتنسكى بقيام دولة إسرائيل على ضفتى نهر الأردن تصلح اليوم أكثر من أى وقت مضى فى تاريخ إسرائيل”، مضيفا بأن “جابوتنسكى لم يكن مخطئا”.

وكذلك كانت دعوات سابقة صدرت من الكنيست الإسرائيلى لمطالبة الحكومة بعدم “التنازل عن جزء من أراضيها”، معتبرة أن “الأراضى الواقعة غربى وشرقى ضفتى نهر الأردن هى جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل الكبرى”.

*نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس”

ونتنياهو يزعم في كتابه “مكان تحت الشمس” مثلا:” أن اسرائيل نفذت سنة 1948 قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الصادر بعد تسعة عشر سنة في تشرين ثاني/نوفمبر 1967، وذلك بتخليها عن الضفة الشرقية لنهر الأردن..وأن هذه الضفة هي حصة الفلسطينيين من فلسطين، تنفيذا للقرار المذكور..؟، ويستحضر نتنياهو الماضي الاستعماري مذكرا أنه قد “تم في فرساي التعهد لليهود بإقامة دولة في فلسطين، وشمل الوطن القومي آنذاك ضفتي نهر الأردن..هذه المنطقة التي تسمى أرض إسرائيل الانتدابية..تشمل أراضي دولتي الأردن وإسرائيل اليوم..”، ويرى أن بريطانيا التي كلفت بالانتداب على هذا الوطن القومي لليهود قد تراجعت عن التعهدات التي أخذتها على عاتقها بموجب وعد بلفور…ففي عام 1922 انتزعت بريطانيا شرق الأردن من الوطن القومي لليهود، وبجرة قلم واحدة انتزع من الأراضي المخصصة للشعب اليهودي ما يقارب 80% من هذه الأراضي، وتم إغلاق شرق الأردن بكاملها في وجه لاستيطان اليهودي حتى يومنا هذا. ص109″، ويزعم:”أن البريطانيين اقتطعوا الأردن من أرض إسرائيل، وقدموه هدية للعرب ليكسبوا ودهم، وبذلك”تقلص الوطن القومي اليهودي إلى ثلث مساحة فلسطين”، ص121.

لنجد انفسنا امام خريطة سياسية اسرائيلية تمتد مساحتها الحزبية لتشمل الليكود وتفريخاته اليمينية، وامام برامج سياسية يجمعون عليها مسعورة تتطلع ليس فقط  لابتلاع فلسطين من بحرها الى نهرها، وانما لابتلاع الضفة الشرقية برمتها ايضا…!

*الوحدة الوطنية –الحصن المنيع

لكل ذلك، نعتقد بقناعة راسخة ان الوحدة الوطنية الاردنية تبقى الحصن المنيع الذي تتحطم عليه البرامج والاجندات والاهداف الصهيونية.

فالاطماع الصهيونية في الأردن ليست جديدة، وما انفك العدو الصهيوني عن محاولة ضرب الوحدة الوطنية في الأردن، وعندما تداعى الأردنيون في لجنة الميثاق الوطني التي ضمت مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية قدموا إجابات وافية لأسئلة الهوية والعلاقة الأردنية الفلسطينية، وموضوع الوطن البديل، فقد قرر الميثاق، في الفصل السابع منه، ضرورة “استمرار هذه العلاقة وتمتينها، في مواجهة الخطر الصهيوني العنصري الاستعماري الذي يهدد وجود أمتنا العربية وحضارتها ومؤسساتها ويستهدف الأردن مثلما استهدف فلسطين.

وفي مواجهة مشروع الوطن البديل، أكد الميثاق، أن الهوية العربية الفلسطينية هوية نضالية سياسية، وهي ليست في حالة تناقض مع الهوية العربية الأردنية ويجب أن لا تكون، فالتناقض هو فقط مع المشروع الصهيوني الاستعماري، وكما أن الهوية الوطنية الفلسطينية هي نقيض للمشروع الصهيوني وتكافح من أجل هدمه، فإن الهوية الوطنية الأردنية من هذا المنظور هي أيضاً نقيض للمشروع الصهيوني وتحصين للأردن من مخططات الصهيونية ومزاعمها المختلفة.

وبهذا المفهوم يصبح الأردن وفلسطين حالة عربية واحدة، بنضالهما المشترك في التصدي للمخطط الصهيوني التوسعي ورفضهما الحازم لمؤامرة الوطن البديل.

وفي الخاتمة نؤكد ان الادبيات والمخططات التي تستهدف الاردن لا حصر لها، ولذلك لا يتوهمن احد بان الاردن خارج المخططات الصهيونية، ولكل ذلك:ألا تستدعي هذه المعطيات وغيرها الكثير من الاردن حكومة وبرلمانا اتخاذ قرار تاريخي يعتبر”الصهيونية حركة عنصرية واجرامية…؟” و”اسرائيل” العدو الرئيس للامة…؟!.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الفيلم الأول (الذي عرضته الملكية للأفلام بعنوان “رينديفو” في سينما الرينبو الثلاثاء المنصرم) وهو المتقن حركيا واخراجيا نسبيا فيلم تطبيعي من الطراز الأول ومدسوس فيه سموم على انها دسم وينقل قصص لفائف البحر الميت المثيرة للجدل وكأنها ممتلكات عبرية كما يتطرق لاسطورة نهاية العالم بشكل مشوه ومن وجهة نظر يهودية واحدة، كما أن الشخصية العربية الأمريكية في الفيلم التي تدعي الاسلام سطحية وتمارس خرافة استدعاء الجمال، والنهاية متحيزة تماما مع انتصار الشخصية اليهودية الانثوية الغير-مقنعة، حيث يبدو المغزى واضحا ومتحيزا وحتى ساذجا، ويبدو أن مخرجنا الاردني الشاب المستعجل والمتحمس “أمين مطالقة” ربما قد انجر متحمسا بلا تعمق وراء تمويل اسرائيلي/أمريكي مموه وخبيث، وكذلك انجرت معه للأسف الملكية للأفلام لانتاج فيلم سخيف بامتياز حافل بسرقة أفكاره من نمط “سبيلبيرغ وجيمس بوند” وناطق بالانجليزية لجمهور اردني عربي معظمه من الشباب، وقد استغل بمهارة جماليات الاردن المشهود لها من وادي عربة للبتراء لمشاهد الصحراء الخلابة!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here