نواف الزرو: جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته التاسعة والاربعون: نحو استنهاض الحالة القومية في الرد على مشاريع التفكيك للامة العربية

 

 

نواف الزرو

نوثق اليوم ونحن في ظل الذكرى السابعة والستون لثورة يوليو العظيمة-في تموز الماضي-، وبعد نحو تسعة واربعين عاما على رحيله، ان القائد الخالد جمال عبد الناصر كان شهيد فلسطين والعروبة بامتياز، فلم تنجب الامة العربية على مدى  تاريخها المعاصر زعيما خالدا كخلود عبد الناصر، كما لم تنجب زعيما وطنيا قوميا عروبيا  حمل مشروعا  نهضويا للامة العربية وفي قلبه فلسطين كما عبد الناصر، بل ان ثورة 23 يوليو الخالدة قامت ونهضت من رحم احداث وتطورات اغتصاب فلسطين والقضية الفلسطينية، فقد كان لاغتصاب فلسطين عام 1948 من قبل الصهاينة تحت مظلة ودعم الغرب الاستعماري وفي مقدمته  بريطانيا، الاثر  العميق والاستراتيجي على الجماهير العربية التي تآلفت قلوبها كأمة واحدة وراء القضية وشعبها، غير ان واقع الاستعمار الجاثم على صدور الامة ودولها وتواطؤ حكامها آنذاك، لم يسعف الامة في ان تقوم بدورها، لذلك سادت مناخات الاحباط والغضب والنقمة في آن واحد، في نفوس ابناء الامة، وتبلورت حالة من الغليان الشعبي ضد الانظمة العربية التي تواطأت وتخاذلت امام الغزو الصهيوني واغتصاب فلسطين.

وفي اعقاب ما جرى في فلسطين من سياسات التطهير العرقي الصهيونية وتهجير اهل البلاد، وفي ظل هذه الأجواء التي رزحت تحتها الامة، كانت ثورة 23 يوليو الخالدة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، اول ردة فعل عربية قومية على ما جرى في فلسطين ومن اجل فلسطين، وكان من ابرز الاسباب التي اوردتها الثورة في بياناتها لقيامها اضافة الى الاوضاع الداخلية في الوطن المصري، هو قيام النظام الملكي  المصري بتزويد الجيش المصري الذي حارب في فلسطين بأسلحة فاسدة،  مما حال دون قيام الجيش المصري بأداء واجبه القومي بالشكل المطلوب، وكان عبد الناصر آنذاك ضابطا يقود أحدى الوحدات القتالية في منطقة الفالوجة الفلسطينية، وشهد بنفسه ورفاقه من الضباط الاحرار تلك الاسلحة الفاسدة.

   وعلى ضوء ذلك خلص عبد الناصر وإخوانه من الضباط الأحرار إلى أن “القاهرة حيث الانتهازيون وعملاء الاستعمار يتاجرون بالقضية الفلسطينية ويشترون الأسلحة الفاسدة للجيش المصري هي نقطة البداية وليست فلسطين”، لذلك يمكن ان نوثق دون تردد أن “حرب فلسطين 1948 بما ترتب عليها من نتائج وإفرازات وإرهاصات أسهمت إسهاماً كبيراً ومباشراً في قيام ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 المجيدة، إلى جانب عوامل أخرى عديدة خاصة بمصر.

   كما يمكن القول ان اغتصاب فلسطين وما رافق ذلك من خيانات وتواطؤات عربية مع الاستعمار والمشروع الصهيوني، كان سببا مركزيا  في ثورة 23 يوليو، ما اضفى ايضا بعدا قوميا عروبيا على الثورة واهدافها  وسياساتها على مدى سنوات حكم عبد الناصر، الذي حمل عبء القضية الفلسطينية على كاهله واعتبرها هدفا مركزيا في مقدمة اهدافه القومية، ما جعله في مواجهة استراتيجية مباشرة ليس فقط مع المشروع الصهيوني، وانما ايضا مع الغرب الاستعماري  بكامل قواه ومساحته وجبروته، ووضع عبد الناصر طاقات وامكانات مصر المادية والبشرية والعسكرية في التصدي لذلك التحالف الاستعماري، وحقق في اطار ذلك، انجازات اعلامية ومعنوية وفكرية عروبية مذهلة على الصعيد العربي والدولي، الامر الذي انعكس في  ذلك المد العروبي الثوري التحرري الهادر على امتداد مساحة العرب  وعلى مدى سنوات حكمه، في حين تكالب تحالف الغرب الاستعماري الصهيوني العربي الرجعي في مواجهة مشروع النهوض العربي بقيادة عبد الناصر، وكان ما كان  من تداعيات ذلك، عدوان حزيران 1967، الذي اسفر عن هزيمة الجيش المصري ومعه الجيوش العربية الاخرى، واحتلال العدو الصهيوني لسيناء والجولان والضفة وغزة، وليس ذلك فحسب، بل كان من تفاعلات وتداعيات الهزيمة ان شكلت نقطة تحول استراتيجي في احوال الامة العربية باتجاه التفكك والتشرذم والسلام في اعقاب رحيل عبد الناصر- اغتيالا بالسم على الارجح وفقا لشهادات عديدة– في الثامن والعشرين من ايلول/1970، لتفتح صفحة جديدة مظلمة في تاريخ الامة العربية وفي تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني.

 وتبقى ذكرى عبد الناصر ودوره القومي العروبي الوحدوي وراء القضية الفلسطينية في الذاكرة الوطنية والقومية الفلسطينية العربية، بل ان الامة العربية وعلى نحو خاص الجماهير العربية، اخذت تترحم على ايام عبد الناصر وتستحضره صورة وفكرا ودورا وطهارة وحاجة قومية عروبية في ظل هذه الحالة المرعبة من الدمار والخراب والانهيار الشامل للامن القومي العربي و للمناعة القومية العربية وفي ظل هذا التهافت التطبيعي العربي الخياني المرعب مع الكيان الصهيوني.

  ولذلك بات من الواضح اليوم، إن امتنا العربية بأمس الحاجة إلى استنهاض الحالة القومية في الرد على مشاريع التفكيك الاستعمارية، والى  إعادة إحياء المشروع العربي الوحدوي القومي بمضامينه الناصرية، فهذا المشروع كفيل بالتصدي للمشاريع الطائفية والاثنية والفئوية والإقليمية التفكيكية التدميرية التي اصبحت  تخيم على المشهد العربي، كما ان القضية الفلسطينية التي أدرك عبد الناصر خصائصها ومقومات انتصارها، لن تتقدم إلا على عجلة عمل عربي تضامني مشترك، يقوم على مبدأ الإيمان بوحدة المصير، والعمق الاستراتيجي العربي لفلسطين وشعبها المناضل، فالمجد لثورة 23 يوليو العظيمة ولقائدها الخالد ناصر الامة العربية.

ننحني احتراما وتقديرا للذكرى والذاكرة وللرئيس الخالد عبد الناصر، آملين ان تعمل كل القوى الحية القومية العروبية على استنهاض الامة مستنيرة بفكر وفلسفة الزعيم الخالد عبد الناصر رحمة الله عليه، فمن يترك مثل هذا الارث القومي العروبي ومثل هذه الجماهير التي تحمل رايته وفكره ومشروعه لا يموت ابدا.

Nzaro22@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. .
    — لم تنجب الدنيا مثل مهاتير محمد الذي حول مستنقعات البعوض والملاريا في بلاده الى واحه استثمار عصري تظللها الديموقراطية .
    .
    — ولم تنجب الدنيا مثل نلسون مانديلا الذي قضى نصف عمره بالسجن وخرج ليبني تالفا بين السود والبيض في بلاده ويحميها من الفتن في ظل ديموقراطية تمسك بها .
    ،
    — لكن التاريخ انجب المثير من الطغاه الذين أحاطوا أنفسهم بالفاسدين والانتهازيين والأمنيين وسيطروا بالرعب وكتم أصوات المخالفين فدمروا اقتصاديات بلادهم وادخلوها في حروب فاشله كاليمن وتشاد وكولومبيا ،، عيد الناصر ، قذافي ، شافيز ،،. استلموا بلادا تعيش أهلها بخير وحولوها لأشلاء ممزقه لا نجاح فيها الا للحملات الإعلامية التي تشيد بعظمتهم .
    .
    .
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here