نواف الزرو: المصالحة الفلسطينية في مواجهة مخطط السطو: التحديات والآفاق؟!

 

 

نواف الزرو

بعد ان استسلم الجميع الى حد كبير-فلسطينيا وعربيا-، الى قناعة ترسخت عبر جولات ومخاضات المصالحة الفلسطينية على مدى السنوات الماضية، بان مثل هذه المصالحة  باتت بعيدة اذا لم تكن مستحيلة مستعصية، وبعد ان استراحت دولة الاحتلال الصهيوني الى ان الانقسام والانشطار والتحارب الفلسطيني-الفلسطيني بات حقيقة صارخة لم ولن تتغير في المستقبل المنظور ابدا، وبعد ان خيم الفيتو الامريكي على المصالحة الفلسطينية منحازا تماما الى الرؤية التفكيكية الاسرائيلية للمشهد الفلسطيني، وبعد ان اخفقت الفصائل الفلسطينية في التوصُّل إلى الصيغة المناسبة في اتفاقياتها السابقة: بمكة في 2007، وصنعاء في 2008، والقاهرة في 2011، والدوحة في 2012، والقاهرة مرة أخرى في 2012، وبمخيم الشاطي للاجئين في 2014.

بعد كل ذلك، تأتي المصالحة هذه المرة من قلب فلسطين وعلى خلفية الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة مخطط السطو الصهيوني على الاغوار لتفاجىء الجميع.

فما الجديد الذي طرأ  إذن يا ترى على المشهد ليعلن عن اتفاق المصالحة على نحو بعث التفاؤل ربما لأول مرة في الشارع الفلسطيني الذي اعتقد حتى الامس القريب بان مصداقية المصالحة سقطت منذ سنوات….؟!.

ويتساءل الكثيرون سرا وعلانية: هل ستصدق النوايا هذه المرة وتمضي فتح وحماس الى تطبيق جدي  ميداني لاتفاق المصالحة….؟.

ثم هل تكون هذه بمثابة الخطوة الاولى لمسيرة الألف ميل فلسطيني ….؟!.

نعتقد ان القضية الفلسطينية في هذه اللحظة التاريخية تمر بأخطر مراحلها حيث باتت التهديديات الصهيونية-الامريكية  للقضية مصيرية حقيقية اكثر من اي مرحلة سابقة، لذلك من الطبيعي ان تتداعى القوى الوطنية الفلسطينية لتستنفر مجتمعة في مواجهة تحديات المرحلة وهي كثيرة.

  الى ذلك، ماذا عن الملفات –المعوقات التي تحولت الى تحديات من الوزن الثقيل، تراكمت على مدى السنوات الماضية…؟، ولعل في مقدمة هذه التحديات الاستعداد الحقيقي لتقديم تنازلات من أجل تحقيق المصالحة، ومن اهمها إرادة الشراكة السياسية بين الطرفين، واختلاف أو تضارب البرامج السياسية بينهما، وملفات موظفي حكومة حماس بغزة، وملف الهيئات والمؤسسات الادارية الحمساوية التي تشكلت وتكرست خلال سنوات حكم حماس، وكذلك ملف منظمة التحرير، وسيناريو إعادة صياغة مؤسساتها  وتمثيل حماس فيها، وكذلك الملف الاهم والاخطر المتعلق بالقوة العسكرية والاجهزة الاستخبارية التابعة لحماس، التي تسيطر سيطرة مطلقة على الفصائل والحياة والتحركات في القطاع.

فهل تتحرك الامور الفلسطينية باتجاه حل كل هذه الملفات تدريجيا…؟!

   ولكن، وفي الحسابات الفلسطينية، فإن “إسرائيل تمثل تحديًا رئيسيا وعقبة كبيرة في وجه المصالحة الفلسطينية، وفي وجه الوحدة الفلسطينية، فالانقسام واستمرار الانقسام يشكل مصلحة استراتيجية اسرائيلية، فليس عبثا ان تستنفر المؤسسة السياسية الامنية الاعلامية الاسرائيلية ضد المصالحة الفلسطينية دائما وفي اي وقت، فهم يعتبرون ان اي وحدة فلسطينية من شأنها ان تهدد “اسرائيل”، او تشكل عبئا امنيا وسياسيا عليها، لذلك يحرصون على العبث في الداخل الفلسطيني بلا توقف، ولهم في ذلك ادبياتهم وفلسفتهم الخاصة، فقد  سلطت الأوساط الإسرائيلية المختلفة -إعلامية وسياسية الضوء على المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقد بين حركتي فتح وحماس للوقوف في وجه مشروع الضم، وأبدى هؤلاء تخوفهم من المؤتمر الذي حضره عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب ونائب رئيس المكتب السياسي في حركة حماس صالح العاروري، وقال المحلل في القناة “12” العبرية، إيهود يعاري، إن التعاون الذي بدأ اليوم بين فتـح وحماس مهما كان محدودًا هو تطور خطير في نظر إسرائيل، إن السرعة التي تم بها التوصل إلى هذا الاتفاق فاجأت المنظومة الأمنية الإسرائيلية،  وتابع يعاري يقول: إن “ما يهم ليس المؤتمر الصحفي للرجوب والعــاروري، لكن المهم ما يحدث على الأرض، خاصة التزام السلطة بعدم اعتقال أفراد حماس، مضيفًا “قد نواجه الآن وضعاً جديداً في الساحة الفلسطينية، حيث يتم استبدال الصدام الدائم بين فتح وحماس بالتعاون والضمانات المتبادلة”، وقبل ذلك كان”يائير جولان” نائب رئيس الاركان الاسرائيلي قد اعرب عن حقيقة موقف المؤسسة الامنية-العسكرية الصهيونية من من المصالحة الفلسطينية قائلا:”ان الانفصال بين غزة والضفة هو معجزة امنية لصالح اسرائيل، ونقلت الاذاعة العبرية الرسمية عن “جولان” قوله ان الانقسام والانفصال هو كنز استراتيجي امني يجب المحافظة عليه- الأربعاء 27 /12/ 2017″، وكان نتنياهو تطرق إلى المصالحة الفلسطينية معتبرا “أن المصالحة الفلسطينية “متخيلة” وأنها تأتي على حساب وجود إسرائيل-: 03/10/2017 –”.

 لذلك ربما تكون هذه المصالحة الفلسطينية التي تمت ما بين فتح وحماس، المفاجأة الفلسطينية من العيار الثقيل، حيث لم  يكن واردا مثل هذه المصالحة في القراءات والحسابات الاسرائيلية والامريكية معا…!.

فقد راهنت وعملت الدولة الصهيونية على مدى السنوات الماضية على تعميق الشرخ الفلسطيني-الفلسطيني، وتعميق الانشطار الجيوسياسي ما بين الضفة وغزة، فالتفكك والتفتت الفلسطيني هو المصلحة الاسرائيلية العليا دائما الذي عملت وتعمل عليه تلك الدولة دائما.

الادبيات السياسية الاسرائيلية المناهضة لاي مصالحة ووحدة فلسطينية او عربية كثيرة لا حصر لها ، وتعود ربما الى ما قبل قيام ذلك الكيان الصهيوني، ونستحضر في هذا السياق الاهم وهي  تلك الوثيقة التفتيتية التي نشرتها مجلة كيفونيم فى عام 1982 التى تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية تحت عنوان:

 “استراتيجية اسرائيلية للتفتيت”وجوهرها العمل على تفكيك وتفتيت فلسطين والعرب الى جزيئات وشظايا”.

المحللة الاسرائيلية عميرة هاس المناهضة لسياسات الاحتلال كتبت حول مخطط التفكيك في هآرتس تحت عنوان:”ليس بالإسمنت وحده” تقول:” ان هدف اسرائيل  هو: اتمام مسار فصل قطاع غزة من الضفة الغربية، بدأ المسار – ونقول هذا للمرة المليون – في 1991، لا بعد تولي حماس السلطة، وكل ذلك في قصد احباط حل الدولتين، الذي أدرك العالم آنذاك أنه يقوم على غزة والضفة كاملتين والعلاقة بينهما.. “.

الدكتور مصطفى البرغوثى الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية كثف الهدف الاسرائيبلي الخفي وراء محاربة المصالحة الفلسطينية قائلا:”أن إسرائيل تعمل على تكريس الفصل والانقسام بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس عن طريق تحريض أطراف فى المجتمع الدولى والأوساط الإعلامية والصحفية بالترويج لمقولات خطيرة، على أن هناك اختلافات اجتماعية وبنيوية بين الضفة وغزة”، مضيفا:”هناك خطورة كبيرة لأن إسرائيل تريد عبر فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة تدمير أى فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة”، موضحا:”أن إسرائيل تريد التخلص من 35% من المعادلة الديمغرافية التى يمثلها قطاع غزة وتهميش قضية اللاجئين الذين يمثلون 70% من عدد سكان القطاع وأن إسرائيل تريد التخلص من غزة بهدف الانفراد بالضفة والاستيلاء على60% من أراضيها و90% من مياهها”، وأشار البرغوثى إلى أ”ن تحريض الاحتلال هدفه تكريس الانقسام ومنع وحدة شعبنا وإفشال المصالحة الوطنية”، معتبرا” أن خير رد على ذلك هو التعجيل فى تنفيذ اتفاق المصالحة التى تشكل مصدر قوة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلى ومخططاته”.

ونقول في سياق قراءة الردود الاسرائيلية: على قدر ردود الفعل الاسرائيلية الهستيرية الى حد كبير على اتفاق المصالحة الفلسطينية، على قدر ما يجب ان يستخلص الجميع في الساحة الفلسطينية الاستخلاص الكبير بان خطيئة  الانقسام واستمراره غير المنطقي  في ظل احتلال  يعتبر الاخطر والاشد وطأة على القضية الفلسطينية.

مذهل ذلك الاجماع الاسرائيلي من جهة/ والتحالف الامريكي –الاسرائيلي من جهة ثانية، على رفض  اي اتفاق وحدوي فلسطيني، وللعقلاء قلنا مرارا، يجب ان يشكل هذ الاجماع والتحالف اقوى حجة وطنية للذهاب باتجاه الحوار والمصالحة والوحدة، فطالما ان انيابهم مسنونة متحفزة ضد المصالحة الفلسطينية، فان في المصالحة والوحدة اذن ما يغيظهم ويخدم القضية الفلسطينية.

ولذلك نقول في خاتمة قراءة فلسفة التفكيك الاسرائيلية تجاه الوضع الفلسطيني، وقراءة المشهد الفلسطيني والنوايا والخطط الاخرى الاسرائيلية المبيتة ضد الفلسطينيين ومشروعهم النضالي، ان الحقيقة الكبيرة المستخلصة والاهم هنا ان “الوحدة الوطنية الفلسطينية” و”القيادة الجماعية من اقصى الاسلام مرورا بفتح الوسط وصولا الى اقصى اليسار” هي المخرج من المأزق وهي البديل الملح والعاجل لهذه المشهد الفلسطيني النكبوي…!.

ونثبت  الخلاصة المفيدة دائما: اذا اردت ان تعرف حقيقة الوضع الفلسطيني فاقرأ نوايا ومخططات العدو …وانظر الى انيابه…!.

وهذه النوايا والمخططات وتلك النوايا تنطوي كما هو واضح اعلاه على مصطلحات تهديدية ابتزازية حربية، قد   تتحول الى اسوار واقية ومجازر جماعية وتهجير وتهديم بالجملة على الارض الفلسطينية، ما يستدعي من الفلسطينيين الاستنفار والاستعداد لحروب اسرائيلية قادمة…!

Nzaro22@hotmail.com

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. البرنامج الانتخابي لكل احزاب العدو الصهيوني قائم على الضم والاجرام لذلك لن يكون هناك اي مصالحة فلسطينية
    الزعران من الطرفين سوف يسقطون خيار المصالحة

  2. اقول كمتابع بملء الفم : لن تكون هناك مصالحة حقيقية بين فتح وحماس لاختلاف جوهر الحركتين : حركة فتح خُلقت لتصفية القضية الفلسطينية ، وهذا واضح جلي من تنازلها عن 78 بالمئة من فلسطين للعدو الصهيوني ، وهذا لم يحدث عبر التاريخ كله . ان السلطة الوطنية الفلسطينية تعمل كجمعية موظفين في جهاز المخابرات الاسرائيلية للتجسس على شعبها الفلسطيني ، كل هذا من اجل نيل رضى عدوهم الاسرائيلي فيواصلون تنعمهم بامتيازاتهم التييتمتعون بها والتي يعرفها ابناء الضفة الغربية ، فهم يتمترسون في كراسيهم ولا يتخلون عنها الا بتدخل الموت . ونعمهم هذه تشمل افراد اسرهم وعائلاتهم ، وفي الجزائر نعرفهم منذ الستينات وهم ينزلون ارقى الفنادق ويعيشون حياة الرفاهية ، وقال احدهم ( وهل سنعيش لو تحررت فلسطين افضل مما نحن فيه )؟ . ان هدف حركة فتح من هذا الاتفاق : ارسال رسالة الى اسرائيل وامريكا ان البديل لحركة فتح وعلى رأسها محمود عباس هي حركة حماس التي صمدت امام الجيش الصهيوني حوالي خمسين يوما وهذا مالم تصمده دول عربية مجتمعة . لقد خيرتكم فاختاروا . سيصرح محمود عباس ويعقد اجتماعات ويهدد ويتوعد لكنه لن يفعل شيئا فلن يوقف التنسيق الامني مثلاً ، ان كل تصرفاته هي حركات بهلوانية لذر الرماد في عيون الشعب الفلسطيني فقط فقط . وارجو من الكاتب ان يتذكر هذه الكلمة .

  3. نتمنى حقيقة أن يلتم الشمل وأن تنبذ الخلافات وأن يقف شعبنا العظيم موحدا في وجه الغزاة المستعمرين لإسقاط مؤامرة ترامب المجرم وكذلك النتن ياهو ذلك الصهيوني المستوطن الخبيث – لاشك أن الملفات العالقه بين الاخوة هي معقدة وتحتاج الى وقت طويل لمعالجتها ولكن يجب أن تعطى الاؤلويه لمواجهة التحدي الكبير المتثمل في خطة الضم . لاشك بأن شعبنا العظيم المرابط أمامه عدو شرس يسعى إلى ابتلاع كل فلسطين وكامل المنطقه العربية أمام نظام عربي عميل وجزء من المشروع الصهيوني ولكنه باذن الله مؤمن بارضه ومقدراته ومقدساته وسيصمد لأن بصموده على أرض وطنه يحمي الأرض ويثبت الحق حتى تتبدل الأحوال، والمؤشرات مبشره والكيان الصهيوني الان في الربع الأخير مهما حاول البعض على إطالة عمرة فعمره قصر والى زوال .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here