نواف الزرو: المحرقة والنكبة والاحتلال والامن والاسوار؟

نواف الزرو

اليوم، وفي الذكرى الخامسة والسبعين  “للمحرقة اليهودية” التي يحييها الاحتلال،  وبحضور نحو خمسة وأربعين زعيما عالميا، تحضر المحرقة والكارثة اليهودية-المزعومة- وتغييب النكبة والكارثة الفلسطينية عن المشهد كله، رغم انهم جميعا يحضرون ويقفون ويحتفلون فوق ارض فلسطينية عربية محتلة، في ظل استثمار اسرائيلي منقطع النظير للمناسبة…!

وكما في كل عام وفي مثل هذه الايام، تستنفر الدولة الصهيونية كل طاقاتها وامكاناتها ولوبياتها من اجل استثمار ذكرى الكارثة-المحرقة اليهودية، استثمارا شاملا على كل المستويات االاعلامية والمالية والثقافية، وما يتعلق بالذاكرة، وتسعى لتكريس وتعميق استثنائية الكارثة اليهودية في التاريخ، وترفض رفضا قاطعا الربط ما بين المحرقة والنكبة الفلسطينية، بل وتحاكم من يجرؤ على مثل هذا الربط، فالكارثة لديهم  ظاهرة يهودية لا مثيل لها لدى الآخرين، وفي ذلك، وفي مثال على ذلك، أثارت مقارنة النكبة الفلسطينية بالمحرقة اليهودية من قبل محاضرة في جامعة حيفا، ردود فعل غاضبة في أوساط طلاب وادارة الجامعة، اذ اشارت “د. معين أجمون” خلال تمريرها لدورة في مجال العلوم الاجتماعية يوم الاثنين الماضي الى تعدد الثقافات بين الشعوب، وأوردت المحرقة اليهودية والنكبة الفلسطينية كرموز لتعدد هذه الثقافات وتنوعها دون أن تعلم أنها تثير بذلك عاصفة من الغضب عليها، فردود الفعل بدأت داخل الصف، عندما أنبتها احدى الطالبات على مقارنة قتل ستة ملايين يهودي بطرد 700 الف فلسطيني، فاجابتها بوجوب قبول أن الشعب الفلسطيني مر بكارثة أيضا، وامتدت الردود الى الخارج بتوالي الاستنكارات من الحركات الطلابية الصهيونية المختلقة ورفع الشكاوى ضدها الى ادارة الجامعة ووزارة التربية والتعليم، ما اجبرها على الاعتذار عن اقوالها، فيما اصدرت جامعة حيفا توضيحا يفيد ان الكارثة لا مثيل لها في التاريخ ولا يجوز تشبيهها بأي حدث اخر، علما بان المحاضرة المذكورة تنتمي الى عائلة من الناجين من المحرقة.

وفي هذا السياق، وفي الذاكرة الوطنية الفلسطينية-العربية، ووفق كم كبير من الوثائق والشهادات – ومنها شهادات اسرائيلية – فانه ” لو لم تكن الكارثة/ المحرقة لما كانت النكبة “، ولدى الاسرائيليين يربطون كذلك ما بين الكارثة/ المحرقة وما بين الامن والقمع والاحتلال، وفي ذلك، كانت “عميرة هس” قد كتبت في هآرتس العبرية أن عبارة”الأمن لليهود” أصبحت مكرسة ومقدسة ككلمة مرادفة ووحيدة لـ “دروس الكارثة” ، الامر الذي يُتيح لاسرائيل التمييز المنهجي ضد مواطنيها العرب ، و”الأمن” يبرر طوال عقود مضت هيمنة اسرائيل على الضفة والقطاع وسيطرتها على رعايا محرومين من الحقوق الحياتية ، بينما يعيش الى جانبهم مستوطنون يهود مشبعين بالامتيازات المترفة”، مضيفة “الأمن يخدم انشاء نظام فصل وتمييز على أساس عرقي في ظل “محادثات السلام” المستديمة الى الأبد ، وتكنيز- مراكمة- الكارثة يسمح لاسرائيل بأن تصور كل طرق الصراع ضد الفلسطينيين كحلقة جديدة في مسلسل اللاسامية التي كانت أوشفيتس ذروتها ، واسرائيل تمنح نفسها رخصة دائمة لابتداع أنواع جديدة من الأسوار والأبراج حول المعتقلات الفلسطينية الجماعية”.

اما اسرائيليا، فنستحضر مرة اخرى خطاب رئيس وزرائهم نتنياهو في ذكرى المحرقة اذ قال”إنه لم يتم استيعاب عبر الهولوكوسوت في العالم”، واضاف”إن السؤال المهم الذي ينبغي طرحه في هذا اليوم، يوم ذكرى “الهولوكوست والبطولة” هو: هل تم استيعاب عبر الهولوكوست في العالم؟، وللأسف الشديد فإن الجواب هو لا، فظاهرة العداء للسامية تتجدد وتنتشر وتتسع وتتحالف قوى مختلفة مع بعضها وتغرق العالم بعداء للسامية قديم ممزوج بعداء للسامية جديد، وكراهية اليهود ورفض وجودهم تحولت إلى كراهية تجاه دولة اليهود ورفض وجودها”.

ولم يفرِّق نتنياهو بين العداء للسامية بمفهومه التقليدي، الذي يعني العداء لليهود في العالم لمجرد كونهم يهودا، وبين الاحتجاجات على السياسات التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين وبخاصة الحصار الخانق على قطاع غزة ومواصلة الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان فيها.

ولذلك تنطوي عملية المراجعة لقصة الكارثة /المحرقة دائما على ابعاد تتعلق بالحقيقة والعدالة والاخلاق والقوانين والمواثيق الدولية وغير ذلك، وفي هذا الصدد كان عدد كبير من كبار العلماء والفلاسفة والباحثين الاوروبيين والامريكان، قد شككوا اصلا بحدوث الكارثة/ المحرقة، بينما رأى عدد آخر ان هناك مبالغة فقط في اعداد اليهود الذين احرقوا، في حين تؤكد جملة لا حصر من الوثائق ان الكارثة اليهودية انما هي بالاصل صناعة صهيونية تعتبر اكذوبة القرن الماضي، وقد استثمرتها الحركة الصهيونية على مدى العقود الماضية كفزاعة لارهاب يهود العالم ودفعهم للهجرة الى فلسطين اولا ، ثم كفزاعة لارهاب وتجريم الرأي العام الاوروبي ثانيا كوسيلة للابتزاز المعنوي والاخلاقي والمالي ثالثا .

وارتبطت الكارثة عن سبق تخطيط بالاساطير المؤسسة للحركة الصهيونية والدولة العبرية،                                اما اليوم فقد طورت وكرست الدولة الصهيونية قصة “الكارثة /المحرقة” كوسيلة ابتزاز لا حصر لها تحت اسم “معاداة السامية ” فاصبحت الكارثة مرتبطة جدليا وعضويا باللاسامية، والارهاب الدولي، فمن ينتقد الكارثة /المحرقة او يشكك بوقوعها انما يصبح لا ساميا وارهابيا، ولذلك نربط نحن بدورنا جدليا ايضا ما بين ثلاثية الكارثة واللاسامية والارهاب ….؟!

  فكلما دق الكوز بالجرة في قصة “اسرائيل” و”الاحتلال الاسرائيلي” وجرائم الحرب والابادة الجماعية التي تقترفها “اسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني، وكلما “تجرأ” قائد او مسؤول او مفكر او باحث كبير مثلا على توجيه الانتقادات لممارسات الدولة الصهيونية، فتحت واطلقت مدافع الاعلام الامريكية – الصهيونية نيرانها الثقيلة بأتهام ذلك القائل او تلك الجهة بالعنصرية ومعاداة السامية.. تصوروا.. ان كل من يتجرأ” على رؤية الجرائم الصهيونية يتهم بالعنصرية ومعاداة السامية، واصبح يتهم في عهد الرئيس بوش وبعده اوباما وصولا الى ترامب بالارهاب ايضا…؟!!

فالى اي حد مصداقية الاتهامات الاميركية – الصهيونية لكل من يفتح ملف “المحرقة” او ينتقد “اسرائيل” باللاسامية والعنصرية والارهاب..؟!

   ففي المحرقة مثلا، هناك كم لا حصر له من التحقيقات والابحاث والوثائق التي اما تشكك بـ او تنفي قصة المحرقة، وتكفي الاشارة هنا الى تقرير الخبير الاميركي “فريد لوشتر” الذي “يدحض افتراءات اليهود حول الابادة الجماعية في المعسكرات النازية”.

يضاف الى كل ذلك جملة كبيرة متزايدة من الوثائق والوقائع التي تدين وتجرم الصهيونية و”اسرائيل” بالعنصرية والارهاب واقتراف جرائم حرب ضد اطفال ونساء وشيوخ وشجر وحجر فلسطين”، ثم يهاجمون كل من يشكك بـ “المحرقة” او ينتقد الارهاب وجرائم الحرب الاسرائيلية بـ “اللاسامية” و”العنصرية” و”الارهاب” ..تصوروا..؟!

فمن يتحمل مسؤولية هذا المشهد..؟!

وأين دور العرب في  تحمل مسؤولياتهم التاريخية والعربية…؟!

كاتب فلسطيني

nzaro22@hotmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. انشاء اللة تصحة العرب من نومها العميق واللة عزة وجل يبعث لنا رجل صالح يقودنا للطريق الصح ونترك العروبة ونعود للمسلمين لكي تكون لنا القوة والموجود في هذا العالمك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here