نواف الزرو: “إسرائيل” مثخنة بالجراح.. فهل بدأت تدخل “مرحلة الفراغ”…؟!

نواف الزرو

تعزز الهزائم المعنوية الاخلاقية الثقافية القانونية  المتلاحقة التي تلحق بالتحالف الثنائي الصهيوني-الامريكي على الجبهة الاممية، من خلال عمليات التصويت الاخيرة التي جرت الاسبوع الماضي، وقبلها خلال التصويت في منظمة اليونسكو، لصالح “فلسطين دولة كاملة العضوية في اليونسكو”، كما تعزز قدرة الردع والتصدي الفلسطينية المتكرسة في غزة ضد العدوان والتي تتوج في هذه الايام بالقدرات الصاروخية المتطورة الرادعة التي باتت تكشف اكثر من مليون ونصف اسرائيلي حسب اعترافاتهم، يضاف اليها حالة الصمود التي يسطرها اهلنا على امتداد مساحة الضفة الغربية والمناطق المحتلة عام 1948، وقبلها حالة توازن الرعب الناشئة على الجبهة اللبنانية، تعزز كل هذه المعطيات حالة الانكشاف الاستراتيجي الشامل الذي اخذت تتعرض له الدولة الصهيونية في السنوات الاخيرة، ان على الصعيد الخارجي وعلى خطوط التماس المباشر مع الجبهات والدوائر العربية المحيطة، وعلى نحو خاص في اعقاب هزيمتها العسكرية والاخلاقية على جبهتي لبنان وغزة، وان على الصعيد الداخلي  لديهم حيث الفساد يستشري ويتمدد، وحيث انكشاف حالة الفقر المتزايد لديهم في القيادات التاريخية، ما فرخ ظاهرة تراجع الثقة الشعبية بجيشهم وقياداتهم العسكرية والسياسية.

يمكننا ان نوثق اليوم اكثر من اي وقت مضى في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني، ان تلك الدولة الصهيونية التي صالت وجالت على هواها بلا روادع او كوابح، وشنت حروبا مفتوحة ضد الفلسطينيين والعرب على مدى اكثر من نصف قرن من الزمن،  حيث انتجت نكبات متصلة في فلسطين، وعاثت تخريبا وتدميرا وفسادا ربما طال كل بيت فلسطيني وكل بيت لبناني كذلك، باتت اليوم مكشوفة استراتيجيا على مختلف الجبهات وفي شتى الميادين الداخلية والخارجية على حد سواء، ولم يعد بمقدورها ان تصول وان تجول على هواها، او ان تشن المزيد من الحروب السهلة السريعة التي اعتبرت بمثابة نزهات بالنسبة لذلك”الجيش الذي لم يقهر”، والذي تحول الى اسطورة رفعت مكانة تلك الدولة الى واحدة من اقوى واعظم الدول في العالم.

فالماثل اليوم في المشهد الصهيوني، ان مداميك قوة وسطوة وغطرسة تلك الدولة اخذت تتفكك وتتساقط تباعا، بفعل ملاحم الصمود والتصدي الفلسطينية اولا،  ثم بفعل الهزائم  المتلاحقة التي اصابت “جيشها الذي لا يقهر” في لبنان وغزة ثانيا، والقناعة الراسخة اليوم لدى نخبهم الفكرية والاستراتيجية ولدى العديد من قياداتهم السياسية والعسكرية بان حروب المستقبل ستكون دمارا وخرابا على “اسرائيل”، بل ان بعض كبار مفكريهم وغيرهم هناك في الغرب، يذهبون ابعد من ذلك للحديث عن “زوال”اسرائيل” عن وجه الارض.

فالمشهد الاسرائيلي وفق كم هائل من الوقائع والمعطيات المتراكمة بات مثخنا بالجراح على كل المستويات.

فعسكريا بات موثقا اليوم، ان جيشهم تعرض لهزيمة كبيرة في حرب لبنان/2006 أولا، ثم تعرض الى إخفاقات متلاحقةفي غزة /2008-2009، و2012 و2014 و2019. واصبح”الجيش الذي لا يقهر” يفقد ثقة الاسرائيليين بقدراته الردعية،  وبانه لم يعد اقوى جيش في العالم. بل طفت على السطح لديهم ظاهرة “فقدان الثقة بالقيادات العسكرية والسياسية والحزبية وبمختلف المؤسسات لديهم، وان إسرائيل” أصبحت عاجزة عن إنتاج قيادات جديدة بوزن تلك القيادات التي اسستها.

 وفساديا، فإن ملف الفساد الثلاثي ضد نتنياهو”ملك اسرائيل” ليس الاول وليس الاخير، فجدول الفساد الاسرائيلي يتسع كثيرا على امكانية الرتق والاصلاح، بل انهم يتحدثون عن انهيار فسادي شامل، وعن دولة متعفنة” وعن “فساد في القمة”،  ووصل الاستشراء الفسادي لدرجة ان وثيقة للجيش الإسرائيلي قالت في استخلاص استراتيجي:”ان الفساد يهدد وجودنا”.

اما عن الدولة الصهيونية في المرآة العالمية-الشعبية على الارجح-، فالمشهد الصهيوني لا يقل سوءا وتدهورا، ف”اسرائيل أسوأ دولة في العالم”..تمارس في نظر العالم”ارهاب دولة”،  وتحولت الى”دولة العنصرية والارهاب والاغتيالات”، وتقوم باعمال القرصنة الشاملة في المنطقة، وباتت اخطر دولة مافيا على وجه الكرة الارضية.

وانها “كذبة شيطانية خدعت ذوي النوايا الحسنة في العالم”..وتدهورت صورتها لدرجة ان قال فيها احد كبار كتابها-سيفر بلوتسكر-:”من العار أن يكون المرء اسرائيليا”. كما تحدث الكاتب روبيك روزنتال- في “معاريف”- عن “الدولة المنبوذة” كخطرٌ يهدد إسرائيل”، وتحدث الكاتب”الوف بن”- هآرتس” قائلا”في عصر نتنياهو: إسرائيل.. في عهدها الأسوأ”.

الى كل ذلك، فالتطورات والاحداث والمعطيات المتوافرة على امتداد مساحة فلسطين والدوائر المحيطة بها، تجمع الى حد كبير على ان المشهد الاسرائيلي اصبح مثخنا بالجراح وبالهزائم والانكشافات المتعددة التي تدخل “اسرائيل” في مرحلة جديدة لم تعهدها من قبل، بل انه مفتوح على المزيد من الجراح الثقيلة المنتظرة في الافق لو جد جد العرب وتحملوا مسؤولياتهم التاريخية والقومية.

-اهم الاستخلاصات

وهكذا نتابع في الخلاصة المكثفة ان تلك الدولة التي عرفت على مدى العقود الماضية بالتماسك الامني والعسكري والاقتصادي والايديولوجي والمصيري، قد بدأت تتفكك على هذه الصعد، واخذت تنكشف عمليا امام الهزائم والاخفاقات، في الوقت الذي اخذت فيه قياداتها تدخل فيما يمكن ان نسميه دائرة ودوار الفراغ الشامل بعامة والفراغ القيادي على نحو خاص. ولذلك راى ألوف بن، المراسل السياسي الواسع الإطلاع لصحيفة “هآرتس” مبكرا ايضا ان “اسرائيل بدات تدخل مرحلة فراغ” .

اذن نحن  امام مشهد اسرائيلي مثخن بالهزائم والجراح وبالانكشافات المتعددة العسكرية والاخلاقية والفسادية والايولوجية الصهيونية التي تدخل “اسرائيل” في مرحلة جديدة لم تعهدها ولم تأت على سبيل المثال في احلام وكوابيس الآباء المؤسسين وكبار المؤدلجين لقايام تلك الدولة .

ما يقود الى جملة من الاسئلة والتساؤلات الحساسة بالنسبة لديهم تتعلق بالوجود والمصير، وهناك عدد لا بأس به من كبار مثقفيهم ومؤدلجيهم وباحثيهم الاستراتيجيين الذين اخذوا يتحدثون ايضا عن ان “اسرائيل الى زوال “….؟!!!!

الامر الذي كان عبر عنه الكاتب يونتان شم –اور في صحيفة معاريف معلقا على تأثير الصواريخ التي ضربت العمق الاسرائيلي آنذاك:” في سنة 1909 أُسست تل ابيب. وفي 2009 ستصبح أنقاضا، التاريخ مجموعة من التواريخ، إن ما يبقى حقا بعد جميع التحليلات والنقاشات الحقائق الزمنية الحديدية فقط، قبل مائة سنة أقاموا أول المدن العبرية، وبعد مائة سنة من العزلة، قُضي أمرها…”، معربا عن الرعب من المصير:” هذا هو المصير… لقد كُتب على شواهد قبور الجنود الذين احتلوا بنت جبيل خمس مرات، وفي أوامر أعظم الجيوش في الشرق الاوسط، الذي لم ينجح آلاف من طياريه و50 ألفا من مقاتليه في إخضاع بضع مئات من مقاتلي حزب الله، جميع لجان التحقيق التي ستقوم لن تُغير الصورة، لن يقرر مستقبلنا تعلم الأخطاء التي قمنا بها، بل الدرس الذي سيستخلصه العدو…”

ويثبت الكاتب الحقيقة  :” يعرفون الآن ما الذي يفعلونه، يعرفون الآن كيف يهزموننا”.

وربما تكون تلك التصريحات التي ادلى بها  يوفال ديسكين، رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك ) سابقا للقناة التلفزيونية الثانية تعتبر الاهم والابرز والاخطر على صعيد الاعترافات الاسرائيلية اذ صرخ  قائلا :”أن أجهزة السلطة قد انهارت بشكل مطلق أثناء الحرب، وأنه يجب الإعتراف بذلك، فالجمهور يرى”.

وهكذا- كما نتابع عبر اعترافاتهم وشهاداتهم ووثائقهم التي تأتي كلها على قاعدة : ” من أفواهكم .. ” ، فهناك اليوم في “اسرائيل” حالة من الرعب والفزع من الحرب القادمة التي قد تضرب حسب تقديراتهم كل المدن والمستعمرات الاسرائيلية حتى آخر نقطة في العمق الاسرائيلي…!

Nzaro22@hotmail.com

 كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here