نهب وتهريب وإرهاب.. ثلاثية تستنزف آثار باكستان

كراتشي (باكستان)/ عامر لطيف/ الأناضول

باكستان تقع في منطقة كانت موطنًا لحضارات منها “مهرغاره” و”وادي إندوس” و”غاندهارا” وتضم مواقع تعود إلى 8 آلاف عام
باحث: خبراء يعتقدون بوجود صلة بين عصابات التهريب المنظمة ومسؤولين حكوميين معنيين
مسؤولان في قطاع الآثار: الحكومة لا تمتلك حصرًا ولا سجلات بالآثار المسروقة والمهربة إلى الخارج 
فرنسا أعادت إلى باكستان 445 قطعة أثرية.. وإسلام آباد تتواصل مع روما وعواصم أخرى لاستعادة قطع مسروقة
خبير أمني: 10 بالمئة من إجمالي تمويل الإرهاب في باكستان يأتي عبر الاتجار غير المشروع بالآثار

رغم أن عمر دولة باكستان تجاوز بالكاد السبعين عامًا فقط، إلا أنها تقع في منطقة كانت موطنًا لحضارات عديدة، منها “مهرغاره”، و”وادي إندوس”، و”غاندهارا”.

ففي 14 أغسطس/آب 1947، حصلت باكستان على استقلالها، وأصبحت من دول رابطة الشعوب البريطانية (كومنولث).

وتضم الدولة المسلمة، الجنوب آسيوية، عشرات المواقع الأثرية، يعود تاريخها إلى ثمانية آلاف عام، والكثير منها مقدس لأتباع الديانات البوذية والسيخية والهندوسية، وكذلك بعض ديانات ما قبل التاريخ، مثل: الآرية، البرهمان، والأديان الإيرانية واليونانية القديمة.

أخفقت باكستان في الحفاظ على كنوزها المعمارية المتآكلة بفعل تأثير الزمن، فضلًا عن السرقة وتهريب القطع الأثرية.

ويوجد إتجار غير مشروع بالآثار يعاني منه كل من: إقليم بلوشستان (جنوب غرب)، وهو يضم حضارة “مهرغاره” البالغ عمرها ثمانية آلاف عام، ومقاطعة خيبر باختونخوا (شمال غرب)، وهي تضم 70 بالمئة من المواقع المقدسة للسيخ والبوذيين في باكستان.

**

تهريب منظم

قال يار جان باديني، وهو باحث في علم الآثار يعيش في مدينة “كويتا” (غرب)، إن “باكستان فقدت بالفعل حصة غير قابلة للحصر من مخزونها من التحف القديمة، خلال العقود الأخيرة، من خلال عملية سرقة وتهريب منظمة”.

وأضاف باديني للأناضول: “هذا لم يتسبب فقط في خسائر فادحة للبلاد من الناحية المالية، ولكنه جعل أيضًا من الصعب على علماء الأنثروبولوجيا (علم دراسة سلوك الإنسان) أن يخبرونا عن حياة الناس الذين كانوا يعيشون هنا”.

وأعادت فرنسا إلى باكستان، الأسبوع الماضي، نحو 445 قطعة أثرية مسروقة، تشمل تماثيل قديمة ومزهريات وجِرار وطاسات وكؤوس تقدر قيمتها بـ157 ألف دولار، وفقًا لوزارة الخارجية الباكستانية.

وقالت الوزارة إن القطع الأثرية النادرة، التي يعود تاريخها إلى الألفية الثانية والثالثة قبل الميلاد، سُرقت وتم تهريبها من باكستان إلى فرنسا، وضبطتها الجمارك في مطار باريس، خلال عامي 2006 و2007.

وتابع باديني أن خبراء يعتقدون بوجود صلة بين عصابات التهريب المنظمة ومسؤولين حكوميين، فضلًا عن قلة الوعي في أوساط المجتمعات المحلية، والعصابات القبلية، وهي كلها تمثل الأسباب الرئيسية وراء سرقة الآثار المستمرة.

وأردف: “بالإضافة إلى مهرغاره، فإن بلوشستان مليئة بالمواقع الأثرية من منطقة جوب (في الشمال) إلى غوادر (في الجنوب)”.

وأوضح أن “المهرّببين ووسطائهم المحليون يشاركون في عمليات تنقيب غير قانونية من جوب إلى غوادر، بمأمن من العقاب”.

وزاد: “رأيت شخصيًا أعمالنا الفنية المسروقة والمهرَّبة في متاحف أوروبية عديدة. لكن ليس لدينا أي أدلة أو إرادة لاستعادتها. لا أحد يصدق أن هذا كله يمكن أن يحدث دون تواطؤ من سلطاتنا الحكومية المعنية”.

وأوضح أن المهربين المرتبطين بأسواق الفن الدولية يستأجرون وكلاء محليين، لشراء القطع الأثرية الثمينة، التي يعثر عليها السكان المحليون بالصدفة، وذلك بأسعار زهيدة.

وزاد بأن “السكان المحليون (حول هذه المواقع) معظمهم أميون وسذج. ليس لديهم أي فكرة عن قيمة وأهمية القطع الأثرية، التي تباع لاحقًا مقابل آلاف الدولارات في السوق الدولية”.

**

تنقيب غير قانوني

كما يسمح المشايخ المحليون بإجراء عمليات تنقيب في مناطقهم، مقابل بعض المبالغ المالية.

وتعمل العصابات المنظمة، منذ فترة طويلة، في مقاطعة خيبر باختونخوا، التي كانت تعرف باسم قلب حضارة غاندهارا، مستغلة ضعف سيطرة الحكومة، وقلة الوعي لدى السكان المحليين.

وهربت العصابات إلى أوروبا أبراج (تماثيل) كبيرة ومتوسطة الحجم لمؤسس البوذية “غوتام بوذا”، وغيرها من القطع، لا سيما من “تاختباي” أو “تاخت إي بهاي” وتعني (عرش الأصول).

و”تاخت إي بهاي” هي بلدة صغيرة ذات مناظر خلابة على بعد حوالي 160 كيلومترًا (99 ميلًا) من العاصمة إسلام آباد، وهي الموقع الأكثر زيارة من جانب البوذيين.

قال مدير الآثار والمتاحف في خيبر باختونخوا، عبد الصمد، للأناضول: “يتم تهريب القطع الأثرية غالبًا عبر أفغانستان من خيبر باختونخوا”، في إشارة إلى الطبيعة الجبلية الحدودية الوعرة.

**

لا سجلات للمسروقات

لا تمتلك الحكومة الباكستانية حصرًا ولا سجلات بالقطع الأثرية المسروقة والمهربة إلى الخارج.

وهو ما أقر به ظفر بوليدي، سكرتير إدارة الثقافة والآثار في بلوشستان، بقوله للأناضول: “ليس لدينا أرقام دقيقة عن القطع الأثرية المسروقة من المقاطعة”.

وأشار إلى أن الحكومة الفيدرالية أحالت الشؤون المتعلقة بالآثار إلى المقاطعات، عام 2014، بعد تعديل دستوري، لكن لم يتم توفير مثل تلك السجلات أو الأرقام.

وأكد عبد الصمد وجهة نظر بولدي بالقول إن حكومة المقاطعة ليس لديها سجلات ولا تقديرات للقطع المسروقة والمهربة.

وتابع: “المحافظات مليئة بالمواقع الأثرية، ما يجعل من الصعب على السلطات الحكومية مراقبة عملية سرقة القطع الأثرية. يمكن للمرء حتى العثور على موقع تاريخي على بعد كل 10 أميال، وخاصة في خيبر باختونخوا”.

وقال بوليدي إن عمليات التنقيب في بلوشستان، وهي تغطي 42 بالمئة من مساحة باكستان، كانت تحدث حتى قبل قيام دولة باكستان، وتم نقل حصة كبير من الكنوز الأثرية المحلية إلى أجزاء أخرى من البلد وإلى الخارج.

ولفت إلى أن حكومة المقاطعة أعادت مؤخرًا نحو 20 ألف قطعة أثرية من مدينة كراتشي.

مشيدًا بخطوة الحكومة الفرنسية، نوّه بوليدي إلى أن إسلام آباد تتواصل مع إيطاليا ودول أوروبية أخرى لاستعادة قطع أثرية مسروقة.

وأوفدت حكومتا بلوشستان وخيبر باختونخوا، مؤخرًا، علماء آثار لوقف عمليات التنقيب غير القانونية وسرقة القطع الثمينة، إلى جانب إطلاق حملات توعية عامة.

ولفت بوليدي إلى أن “تهريب الآثار ظاهرة عالمية. وليس من السهل احتوائها تمامًا؛ جراء تورط عصابات مافيا كبيرة”.

وأردف: “لكننا نبذل قصارى جهدنا للحد من هذه الظاهرة”.

ومن المقرر أن تحظى المقاطعة ذات الأهمية الاستراتيجية، التي تعد أيضًا طريقًا رئيسيًا للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يتكلف مليارات الدولارات (CPEC)، بأول متحف حديث في سبتمبر/أيلول المقبل.

**

تمويل الإرهاب

وفق إكرام سيغال، وهو خبير أمني يقيم في كراتشي، فإن تهريب الآثار يغذي إلى درجة كبيرة الجماعات الإجرامية والإرهابية المنظمة في باكستان.

وأضاف سيغال للأناضول أن 10 بالمئة من إجمالي تمويل الإرهاب في باكستان يأتي عبر الاتجار غير المشروع بالآثار.

وتابع: “إنها تجارة ضخمة في جميع أنحاء العالم، تضم عصابات تهريب منظمة وجماعات إرهابية وأسواق فن دولية”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here