نمر القدومي: رواية “على درب مريم” للكاتبة نادية حرحش… تركيبة أدبية رائعة

نمر القدومي

رأيتُ في الرواية جبًلًا صلبًا شاهقًا جسّدتْ فيه الكاتبة أفكارًا ونظريات فلسفيّة منها السماوية ومنها الإنسانية. سارتْ بنا نادية في روايتها كنهرٍ من الحكايات الإجتماعية، السياسية والتاريخية، حتى أنَّ أدب الرحلات لم يخلو في روايتها. إنها حكايات، شخوصها كأنهم أشجار سامقة، تحمل كل شخصية منها اسم مدينة أو بلدة أو قرية عربية فلسطينية تمَّ تهجيرها أو هدمها أو إزالتها عن الوجود، وذلك في لفتةٍ فنيّةٍ أدبيةٍ جميلة، تُضفي على الرواية روح الوطنية. وتَهُبُّ على القارئ، بين الصفحة والأخرى، هبّات ألم، حُزن، مآسي وقليل من الفرح. أما الخلاصة في كلِّ قصة، فكانت دائمًا موجعة، وخواتم الأمور في الرواية هي مُحزنة !

المونولوچ ( حديث الذات ) هو ما غَلَبَ على مجريات الرواية، فكانت هناك التفاصيل؛ نادية تقرأ التاريخ، تنفر من السياسة، تُفَصِّل الأماكن وتصِف الذكريات منها الجميلة ومنها البائسة. أما الجرأة في الكتابة، فهذا ما عهدناه في الكاتبة، قلمها أقوى من لسانها، وتملكُ الشجاعة في الصراحة.

هناك في الرواية، من الأسرار والخفايا، ما رفضتُ أنا تقبّله عبر سنوات عمري كلها. عالمٌ سيءٌ جدًا يعيش من حولك، إلاّ أنّ أديبتنا أبتْ إلاّ أن تُجَرّعنا من هذا العالم وتُسقينا خَمرَ فساده، لنحسُّ بما يدور من تحت أقدامنا.

نادية عَبَرَتْ إلى قلب القارئ من أربعة إتجاهات، لتستقر في غرفه الأربع؛

مريم المسلمة المتشبثة بالنقاب والحجاب والجلباب تارة، وتنساق حسب رغباتها ونزواتها الجنسية والهوائية تارة أخرى.

ومريم النصرانية، ودرب آخر من الإعترافات المتتالية في الكنيسة، لغسل ذنوب متلاحقة. وتُلفت إنتباهنا إلى أنّ الحُب والزواج يجب أن لا يقف أمامهما الديانات.

أما مريم اليهودية، فتفصل لنا نادية بين اليهودية كحركة سياسية، وبين الإسرائيلية صاحبة التوراة.

وهناك مريم الأجنبية التي فقط تعشق الحياة بكل ما فيها.

تكلَمتْ كاتبتنا بالمجهول والرموز والإيحاءات، لكنها كانت تَنغُز بحكاياتها الواقعية عما يدور خلف الكواليس في حياتنا. كما فَنَّدتْ كل ديانة ومذهب، كل رأي أو مفهوم عقائدي، وارتأتْ أن تمسك العصا من المنتصف، دون نزاعات أو صراعات أو حروب عقائدية أو سياسية، لتتركَ الباب مفتوحًا أمام القارئ ليضع رأيه الخاص نصب عينيه وإقتناعه الشخصي والروحاني.

رواية  ” على درب مريم ” تُحيطها أجواء فلسفية ممتعة للقارئ، ينجذب إليها من قصة إلى أخرى ومن حبكة إلى حِبَكٍ أخرى عديدة. كل ذلك في ظلال آلهة الحُب عشتار. عِشنا في عالم (الفيل الأزرق) تلك الرواية المليئة بهستيريا الإنسان، ونقلتنا نادية إلى (الفيل الأرجواني) وهستيريا الأديان!!!!

الرواية إضافة نوعية للمكتبة العربية جديدة التركيبة، ثقيلة، وتحمل فكرًا نابضًا يلمسه القارئ بين السطور.

 القدس

مركز يابوس الثقافي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السيد نمر القدومي
    تحية طيبة مقدمة ممتازة وعرض مشوق لقصة الأستاذة
    نادية حرحش ، لا يوجد لدينا مريم هنا في اميركا ،
    فياحبذا لو اخبرتونا كيف يتسنى لنا الحصول على نسخة
    والدفع مقدما لو اردتم
    ولكن الشكر الجزيل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here