نعيمة عبدلاوي: الدولة والمجتمع المغربيان في مرآة  قضية الصحافية هاجر الريسوني

 

 

نعيمة عبدلاوي

لا تخفى على أحد منا متعة ونشوة الإنجاز بأقل الجهد التي يعبر عنها هذا المثل الشائع” ضرب عصفورين بحجر واحد”، فكيف تكون يا ترى المتعة والنشوة حين  يضرب سرب كامل من العصافير بحجر واحد ؟ !

في قضية اعتقال الصحافية هاجر الريسوني، المعتقلون مجموعة من الأشخاص، بدءا بها فهي موضوعة القضية الأولى لكن وللأسف الشديد يعتقل معها خطيبها السيد رفعت الأمين المناضل الحقوقي السوداني والأستاذ الجامعي المقيم بالمغرب قبل موعد زفافهما المقرر أسبوعين من تاريخ الاعتقال، حيث حملها نزيف حاد لزيارة عيادة طبيب مختص في أمراض النساء والتوليد اضطر للتدخل جراحيا لإنقاذ حياتها ولتتم المناداة على مساعد له قصد التخدير الطبي. يقوم الطبيب بواجبه المهني والأخلاقي أمام روح بشرية تنزف دما ويغادر عيادته بسلام. لكن المريضة الضعيف جسدها بالنزيف والتدخل الطبي الآني تجد في استقبالها بعد أن تغادر عمارة مقر العيادة ستة من أفراد الشرطة في زيهم المدني، يطوقونها وهم يحملون في أيديهم كاميرات للتصوير والتسجيل ويرددون: كنت في عيادة لطبيب أمراض نساء وتوليد؟ قمت بعملية إجهاض ؟؟؟ تؤكد زيارتها لعيادة الطبيب وتنفي خضوعها لعملية الإجهاض… تتم محاصرتها  أكثر ودفعها لدخول العمارة والعودة بها إلى العيادة ثم بعد ذلك يطلبون من الكاتبة المناداة على الطبيب ليعود بدوره ويتم القبض عليهم جميعا: الصحافية هاجر الريسوني وخطيبها السيد رفعت الأمين  والطبيب الذي تجاوز السبعين من عمره والذي تحصل خلال مشواره المهني على وسام كفاءة ملكي عن مساره حسب تصريحات محاميته، ومساعده في التخدير وأخيرا الكاتبة.

منذ الحادي والثلاثين من شهر غشت وهؤلاء الأشخاص الخمسة رهن الاعتقال وطبعا حالة الصحافية هاجر الريسوني الصحية والطبيب أيضا في بداية الاعتقال حرجة، فقد صرحت محاميته أنه تم استجوابه بدون جهاز سمعه فكان حقيقة لا مجازا حوارا للطرشان وأن حالته الصحية تتدهور في المعتقل. نستغرب جميعا من عدم قبول المحكمة طلبات المحاكمة في حالة  السراح للجميع رغم تقديمهم لكل الضمانات المطلوبة والممكنة. في هذه القضية، العقوبة القصوى التي تنتظر الصحافية هاجر الريسوني تصل إلى السنتين، أما طبيبها فهو مهدد بعشر سنوات !

مما يجعله المتهم الأول والرئيسي في هذه القضية التي أريد لها أن تتجاوز توظيفها لقمع حرية الرأي والصحافة من خلال الاستهتار بالحرية الفردية في حالة السيدة هاجر الريسوني لتصبح تهمة بالإجهاض الاعتيادي للطبيب وعيادته. لا يمكن لعاقل أن لا يشتم رائحة العقاب الجماعي في هذه القضية، فلماذا يعاقب طبيب وفي سنه هذه ولماذا في هذه اللحظة بالذات؟

يشهد المغرب عادة حراكات اجتماعية وفئوية كثيرة، تقمع في غالبيتها أو يتم تمييعها على أقل تقدير، لكن ربيع المغرب خلال هذه السنة شهد حركة احتجاجية من أجمل وأروع ما يكون: كانت مقاطعة طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان للامتحانات والتي نجحت بنسبة تقارب ال 100%

المطالب كانت تخص تحسين ظروف وشروط الدراسة وضمان حقوق التوظيف والتدريب لكنها وضعت طلبة كليات الطب العمومية مقابل طلبة كليات الطب الخاصة في المغرب والتي كانت سوف تأكل من حصص أبنائنا في التعليم العمومي في سنوات الامتياز والتخصص وغيرها.

نجاح هذه الحركة الاحتجاجية غير المسبوق في المغرب سانده بعض من أساتذة كليات الطب العمومية والذين عوقب بعضهم في وقته وساندتهم نقابة الأطباء بدورها. واحدة من كليات الطب الخاصة بالمغرب يديرها مدير مكتب الملك شخصيا.

بعد جنوح الدولة من خلال الوزارة الوصية على القطاع ووزارة الداخلية من خلال شبكة المقدمين ( المقدم:عون إداري مهمته التدبير اليومي للحي وسكانه) إلى التهديد والتصعيد وطرد بعض  الطلبة من سكنهم الجامعي وزيارة بيوت المناضلين منهم وتهديد أوليائهم الذين ساندوهم وغيرها سوف تنتهي معركة الإرادات هذه  بتوقيع محضر اتفاق، وبالمناسبة فقد تم تعميمه يومين فقط قبل حادثة اعتقال الطبيب المعالج للصحافية هاجر الريسوني، وقع بين عمداء كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان ممثلين للوزارة التعليمية الوصية ومديري المراكز الاستشفائية الجامعية والجهوية ممثلين لوزارة الصحة  يقابلهم في الجهة الأخرى ممثلو مكاتب طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان  بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان العمومية !

باستقلالية تامة عن مضمون الاتفاق وسقف ما تحقق فيه من المطالب فإن الوصول لمحضر الاتفاق نجاح احتجاجي ومجتمعي كبير طبع ربيع المغرب لهذا العام. فهل نخلق سابقة  تشجع على النضال والمزيد منه وإعادة إحياء المجتمع المدني كله، أم نشرع في العقاب؟ !

مما ترسب في ذاكرتي صغيرة من غرائب قصص الأسر القديمة التي كانت تبنى عشوائيا على زيجات متعددة، أن الزوج حين كان يضطر “لتأديب” إحدى زوجاته فإنه كان يؤدبهن جميعا من باب العدل وعدم الميل ولا يهمه منهن المذنبة من البريئة.

النيابة العامة المغربية التي تعد طرفا صريحا في هذه القضية عممت بلاغا يوم الخامس من شتنبر/ أيلول على كثير من المنابر الإعلامية ومنها التلفزة العمومية نفسها فيه كثير من التحامل على الطبيب وعيادته وأنه هو موضع المراقبة وأن اعتقال الصحافية هاجر الريسوني جاء صدفة. مع أن الطبيب غادر العيادة يومها قبل مريضته ولم يعترض سبيله أحد.

نفس البلاغ الذي أراد أن يخلي ساحته من اعتقال  السيدة هاجر لمهنتها ذكرها بإحدى الصحافيات بداية  ثم بالصحافية  في موضعين مترفعا عن نعتها بالسيدة أو ترميز اسمها ليسقط من حيث لم يحتسب في ترسيخ أن الاعتقال يخصها كمزاولة لمهنة الصحافة و/ أو لاشتغالها في صحيفة معينة.

الصحفية هاجر الريسوني في هذه القضية تدفع ثمنا لأشياء اختارتها هي من قبيل مهنتها الصحافة التي تزاولها بعد أن درست الرياضيات واشغلت في بحث الماستر فيها عن الذكاء الصناعي لتربط بدراسة العلوم السياسية وأن تستقصي فيها، ثم أن تحب شابا سودانيا (ولست أدري إلى أي مدى  نحن الذين نختار من نحب؟ (! مناضلا حقوقيا، معارضا لنظام البشير ومن شباب ثورة بلاده الحالية في زمن الثورة المضادة ! وأن تكون إجرائية توثيق الزواج المختلط في بلادنا أشبه بمسار محارب.

وأشياء أخرى لم تخترها هي كانتمائها لعائلة الريسوني حيث عمها يرأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المصنف منظمة إرهابية على قوائم الإرهاب في عدة دول خليجية وعمها الآخر مسؤول تحرير في جريدة خطها مغضوب عليه وصاحبها من الضالين يقبع في السجن بضع سنين، وابن عمها على رأس منظمة حقوقية تمارس الإزعاج الحقوقي في البلاد ولم تدخل بيت الطاعة الحقوقي كغيرها. اعتقال وسجن السيد توفيق بوعشرين مدير جريدة أخبار اليوم المعنية في هذه القضية أيضا، ما كان ليتم بالصيغة التي تم بها لولا توظيف روح وانفعالات حملة “مي تو : Mee too ” العالمية لتصفية حسابات سياسية وهي نفس ظروف محاكمة السيد طارق رمضان في فرنسا وهنا لا أقف على تفاصيل القضيتين وبعديهما الأخلاقيين وقيمة ومكانة المرأة وجسدها عند كليهما والوفاء للزوجة والخيانة وغيرها…

قضية الصحافية هاجر الريسوني أيضا ما كانت لترسو على قضية إجهاض لولا أننا في لحظة حضارية بئيسة أولى مظاهر انتكاساتها الحقوقية تخص حقوق المرأة دائما. فولايات ترامب الأمريكية حيث توعد خلال حملته الانتخابية بمحاربة القوانين المبيحة للإجهاض ومراكز التخطيط العائلي التي تساعد على هذا، قد وفى بما وعد وضيق تمويليا على هذه المراكز وعين القاضي المسيحي المتطرف والمعادي للإجهاض السيد Brett Kavanaugh خلفا للقاضي التقدمي Anthony Kennedy في المحكمة العليا حيث يعتبر الحق في الإجهاض حقا دستوريا. كما تشجعت ولايات أمريكية على تجريم الإجهاض ولم تستثن حتى حالتي الاغتصاب وزنا المحارم  كولاية ألباما مثلا التي تبنت القانون في 15 مايو/ أيار الماضي.

أيضا فقد ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية نهاية أبريل/نيسان الماضي في مجلس الأمن في الأمم المتحدة على نص قانون يقترح وقائية استعمال العنف الجنسي كوسائل حربية، فرأى الكثير من رجال الرئيس الحالي في المنظمة الأممية أن في النص فقرة تطبع مع الإجهاض ليخرج النص في صورة مشوهة مقارنة بمقترحه في آخر المطاف.

مع حملة “Mee too ” أيضا ظهرت في الفاتيكان قضية استغلال الرهبان الجنسي للراهبات وإخضاع الحوامل منهن قسرا للإجهاض “في سخرية تامة من موقف الكنسية من الإجهاض” أو إبعادهن. لكن القضية لم تأخذ زخما كبيرا ولم تصبح قضية عالمية فحتى قناة Arte الثقافية في شقها الألماني اضطرت لسحب تحقيق في الموضوع بعد شكوى من قس ألماني… في قضية الصحفيين توفيق بوعشرين وهاجر الريسوني تخضع الدولة نفسها لإحدى قواعد علوم الإدارة وفنون الريادة: التمكن من تحويل التهديد إلى فرصة.

 

للمجتمع والنظام المغربيين أيضا وجه قروسطي تمثله المنظومة القانونية خصوصا في ما يخص الحريات عامة والحريات الفردية والشخصية وبعض طقوس النظام من حفل البيعة والولاء وما شابه.

ووجه آخر يغازل العصر ومتطلباته من انفتاح وعولمة اقتصاديين دون ترسيخ للقيم الكونية المصاحبة، تماما في الانتقائية كما النظام الصيني مع الاقتصاد وثقافة حقوق الإنسان والحريات السياسية.

يزيد على هذا المجتمع المغربي انفصاما آخر تمثله الاستقطابات الإديولوجية التي إما تنفر من الدين نفورا وكل من وما يمثله أو من الحداثة والحرية وكل من وما يمثلهما ولقد كان التضامن في حالة الصحافية هاجر الريسوني للأسف محط مزايدات من بعض المغاربة من توجهات ومستويات متعددة.

فحقوق المرأة في إطلاقيتها تخضع لموازين القوى المجتمعية والسياسية ولتجاذبات الذكورية والمقدس في لحظة مجتمعية معينة والقانون نفسه لا يعدو كونه ترجمة لموازين القوى السياسية في لحظة معينة ولا يمثل العدل ولا الحقيقة في إطلاقيتهما.

فلا المجتمع المغربي ولا السيدة هاجر الريسوني استثناء في هذا للأسف الشديد، هو متغير ومنعطف دوليان سمحا بهذه المهزلة الحقوقية والردة والانتكاسة المجتمعيتين.

أخيرا، أختم بهذه القصيدة تعاطفا مع هاجر الريسوني  وتماهيا من مغربية تشبهها.

 

رفقا ببناتك أيها الوطن

ما هكذا يَصِلُكَ بهن

الرَّحِمُ… !

أرحامنا مِنَّا ولنَا مِلْكُ،

في دواخلنا بُركان

وَحِمَمُ.

يُخمِدها سنين بِوَصْلِه

الحب،

ويفجرها في اللحظة

القهر والظلم.

نهجر في وصلها عاداتكم

نتغير فيتغير معنا الفهم !

هل تحملك بالرحمة،

أيا وطني صلة ؟

أم كَذَّبَتْ حَمْلَكَ الأرض

وكَذَّبَهُ الدمُ ؟

حملت هاجر في جوفها حلما

جنينا وَعْدُهُ ازدهار يتقدم!

عانقت في سبيله الحريات كلها

خاطرت وهي تتبسم

ستظل بسمتك لنا شرفا

وَسَتُخَلِّدُ أصواتَ ضحكاتك

في أركانها المحاكم.

كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here