نعتذر من الشعب الفلسطيني

rima-khalaf.jpg77

د. ريما خلف

أقف معكم في يوم آخر للتضامن مع الشعب الفلسطيني.  وإذ لا أشكك لحظة في أهمية هذا التضامن، قد أوافق الكثيرين تساؤلهم: ماذا يعني هذا اليوم لشعب لم تثنه عن صموده في أرضه، متمسكاً بالحياة وبحقه، عقود من الاستلاب والقهر.  عقود توالت خلالها الحروب والهُدَنُ، واتفاقيات السلام والمذابح.  كلها عمّقت من استباحة الحق الفلسطيني، والشعب لم يهادن في انتظار العدل والسلام.

فقبل ست وستين سنة، قرّرت القوى العظمى في المجتمع الدولي تقسيم أرض فلسطين التاريخية إلى دولتين.  ووعدت بألا ينتقص ذلك من حقوق سكانها الأصليين، ومنها إقامة دولتهم.  لا القرارات نُفّذت
ولا الوعود تحققت.  والفلسطينيون منذ ذلك الحين في حالة تهجير قسري من بلادهم، وفي بلادهم.  محيت قراهم بالمئات عن الخريطة.  غيّر اسمُ وطنهم، بل وتغيرت أسماؤهم، وهوياتهم، وصار أغلبهم لاجئين.  أصبحت الأرض من تحتهم معارة لا تثبت، كسائر الأرض.  والسماء فوقهم قماش خيم أو سقائف من الزنك، لا تثبت كسائر السماء. ذهبوا إلى المخيمات مضطرين لينجوا من الموت المسلح، فإذا الموت المسلح ينتظرهم في المخيمات التي لجأوا إليها. وأصبحت أسماء قراهم، ومخيمات لجوئهم، أسماءً لمذابح تتوالى. من دير ياسين قرب القدس قبل ست وستين سنة، إلى مخيم الشاطئ وحي الشجاعية في غزة، قبل أشهر.

منذ قيامها، وضعت إسرائيل الفلسطينيين بين ثنائيات قاتلة.  الموت في القرية أو الموت في المخيم.  القهر في الاعتقال القسري، أو القهر في الانتقال القسري.  فإما مشرد من بلد إلى بلد، بيوته مؤقتة، وفي بعض الأحيان، قبره أيضاً مؤقت، أو محاصر في مكانه لا يستطيع أن يبرحه، في مدينة محاصرة، أو قرية محاصرة، أو شارع محاصر، أو زنزانة موصدة.  إسرائيل تكرر أحداث عام ثمانية وأربعين كل عام.  وما حدث في الساحل الفلسطيني قبل ست وستين سنة، تكرره في جبال فلسطين الشرقية وفي غزة بأشكال شتى، في الحروب وفي استراحات السلم؛ تكرره والهدف واحد: كسر روح الشعب الفلسطيني وغرس الهزيمة في وجدانه.

ولكن الرياح تجري بما لا يشتهي المحتل الإسرائيلي.  والاستلاب والقمع لا يزيدان الشعب الفلسطيني إلا صلابة وتمسكاً بأرضه وحقه.  وكأي مستعمر ثملٍ بالقوة ترى إسرائيل في أي مقاومة مادية لطغيانها إرهاباً، وفي أي مقاومة لفظية له تحريضاً على الإرهاب.  وكأي مستعمر لم يعتبر من التاريخ، تصعّد التخويف والترهيب على وهم أن يؤدي استخدام القوة المفرطة ضد الشعوب المطالبة بحريتها، إلى إخضاعها.

فها هي تتمادى في سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة في خرق سافر للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة.  ولا تزال تهدم بيوت الفلسطينيين، وتصادر أملاكهم وتسمح للمستوطنين بالتصرف كما يشاؤون بممتلكات السكان الأصليين وأرواحهم. وقد أصبحت المستوطنات تستحوذ على قرابة 40 في المائة من أراضي الضفة الغربية.  أما في القدس، فالبيوت وأهل البيوت رهائن لدى إسرائيل.

وهذه السنة، سنة 2014، كان من المفترض أن تكون سنة للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
وإذا بإسرائيل تزداد صلفاً وبسياساتها وممارساتها تزداد دماراً.  تهجير للفلسطينيين بهدف خلق واقع ديمغرافي يناسبها؛ والاستيلاء على الأرض بهدف بسط سيطرتها المطلقة؛ والقمع بهدف خنق أي محاولات للمقاومة أو لرفض ما يحدث.  والقضية جرح في قلب المنطقة العربية، ينزف عنفاً ودماً وتأخراً وانتهاكاً للحقوق.  وقلب بعض هذا العالم ما زال مقفلاً دونها.

وتستخدم إسرائيل شتى الوسائل المنافية للقانون الدولي من إجراءات وأوامر عسكرية لتحقيق مآربها.  ففي حرب السبعة أسابيع الأخيرة، قصفت إسرائيل البيوت على رؤوس أهلها العزّل، فقتلت تحت ركامها الأطفال والنساء والمسنين.  وما نشهده الآن في القدس الشرقية دليل ساطع على سياسات الفصل والتمييز العنصري.  حيث تمارس إسرائيل سياسة معلنة لتغيير التوازن الديمغرافي في القدس المحتلة بهدف خلق أغلبية يهودية مقابل الأديان الأخرى.  ولا توفر لذلك طريقة، من التضييق الاقتصادي، والتهويل والإرهاب، واحتلال البيوت وتفريغها من أهلها. فكان الانفجار الذي نراه اليوم في مدينة السلام نتيجة محتمة.

وتشهر إسرائيل مطلبها بالاعتراف بها كدولة “للشعب اليهودي، وللشعب اليهودي فقط”، على حد قول رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.  ولم تخجل من تصاعد الخطاب العنصري لدى قياداتها ومسؤوليها خلال حرب غزة، إذ علت النداءات لإبادة سكان القطاع ولقتل الأمهات الفلسطينيات عقاباً لأبنائهن.

كثيرون هم المتضامنون مع الشعب الفلسطيني والمؤمنون بمعنى هذا التضامن، من دول ومنظمات وأفراد.  والنوايا الطيبة كانت دائماً على سباق مع أعمال الهدم والتدمير.  واليوم، كلنا أمل في الإسراع في إعادة إعمار ما تهدم في الأرض الفلسطينية المحتلة، وكسر الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة، براً وبحراً، لأنه ضرورة إنسانية وسياسية.

ومهما تعددت جهود التضامن واتسع نطاقها، يبقى الحل الذي لا بديل عنه، هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأرض الفلسطينية والعربية المحتلة.  والحل كي يكون عادلاً ودائماً لا بد من أن يستند إلى القانون الدولي مرجعية أساسية، بما يكرسه من حقوق، ومنها حق العودة، فلا يجوز أن يقبل أحدٌ أن تساوم إسرائيل، وأن تنفذ ما يروق لها فقط من مواد القانون الدولي وشرائعه.

فميثاق الأمم المتحدة، وجميع المعاهدات التي وضعت لإنقاذ العالم من تجارب الماضي الأليمة وتحصين مستقبله منها، لا تقبل بالنظم السياسية التي تقوم على التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين.  وقانون العودة الإسرائيلي كما مشروع القانون الجديد الذي تعده إسرائيل حول يهودية الدولة، يفرق بين الناس على أساس الدين.  فلو افترضنا أن ملايين اللاجئين الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين وبهائيين وغير ذلك، تحولوا بمعجزة بين عشية وضحاها إلى دين معين، لكانت دولة إسرائيل تسمح لهم بالعودة إلى بلادهم بمقتضى قانون العودة.  ولو أن ملايين الفلسطينيين القاطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، تحولوا إلى ذلك الدين، لأصبح لهم الحق في التصويت على القوانين واللوائح المسلطة على حياتهم منذ أكثر من سبع وأربعين سنة.  ولكان لهم الحق في استخدام عشرات الطرق السريعة المعبدة في أرضهم والتي تحرمهم قوة الاحتلال من استخدامها.  ولأصبحت بيوتهم وأراضيهم محصنة من المصادرة لإقامة المستوطنات عليها.  بل لصارت قوة الاحتلال تبني لهم البيوت ولا تهدمها.

إسرائيل تمارس الاستعمار والتفرقة العنصرية التي باتت منبوذة من الجميع إلا مقترفيها. وهي في ذلك من بقايا تاريخ استعماري طويل مؤلم، حافل بالدروس.  ومن دروسه أن الاستعمار لا ينتصر، لأنه منافٍ لطبيعة الحياة واستمراريتها.  ولنا في التاريخ معلم، إذ لم يستقم يوماً سلام من غير العدالة والحق.  والعدالة هي ببساطة ألا يحدث في فلسطين كل ما يحدث.

فالإنسان حسب الفيلسوف والمناضل ضد الاستعمار فرانز فانون: “لا يثور بسبب ثقافة أو حضارة، بل عندما يكاد يقضي اختناقاً”.

واليوم، إذ نتضامن مع الشعب الفلسطيني سنة بعد سنة، نعتذر منه.  نعتذر لا عن التضامن، بل على طول الأمد ومر السنين.  وإذا كان لنا من داعٍ للتفاؤل، فهو بما رأته أعيننا ولمسته أيدينا من صبر هذا الشعب الأبي وصموده، وأمله العنيد.  هذا الأمل هو الذي يلهمنا.  وإن لم ينل اليأس من أهل البيوت المهدمة وأسر الضحايا المنكوبة، فلا يجوز أن ينال منّا، إلى أن يشرق في الغد القريب سلام من مدينة السلام.

كاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. اعتراف ضميري من شخصية ضمير عامه يتحسس الام الظرف المحيط بشعب صامد …يشحذ الهمم ويعزز العامل الذاتي للخلاص نحو السلام في وطن السلام …ويؤشر اول العوامل وهو العامل الذاتي للصمود وللارتقاء بالدور الوطني وبروافعه الضرورية واولها ،ما يتعلق بالدور القيادي الرسمي ليتكامل العاملان المحيط والذاتي نحو التغيير اللازم والممكن .وما يتطلبه هذا من تغيير ضروري في الحالة القيادية التي تكلست وتحجرت عند الكلام اللفظي والشعارات التي لا تغير شيئا بديلا للمواكبة المنفتحة والمفتوحه
    احسنت صاحبة المقال واعطت املا وعلى المخلصين الاعتبار

  2. This article completely expresses the feelings of the Palestinian people, their sufferings, aspirations, rights, calls the attention of those who always speak and apply human rights and the rights of peoples and nations according to their interest.Thanks Rima
    .Dr. Ahmad Khalaf

  3. edwared said in his lecture 1995said arafa and the Palestinian. authority have become willing. collaboration. with isreali millitry occupation. sort of vichy government. for Palestinian

  4. Dear Dr. Rima, seeing your name posted on this electronic publication thrilled me as I was indeed became even more pleased reading your lengthy article with the passionate tone and no minced words of a luminous Arab and international achiever. End of the day, Dr. Rima, one could never dissociate from his/her crowds, especially as they are horribly and most inhumanely wrongs.

    However, nevertheless, Dr. Rima, the Ball remains Squarely in our courts to deliver: First and foremost, we the Palestinians, by example, as the other Arabs need to follow. Which takes me to a commentary I made yesterday on a news item of a petition to Divest submitted by a number of tenured professors at Princeton University. I wrote:

    “The Palestinian Political Discourse ought to completely decouple from non-representative Palestinian and Arab officialdoms’ stale and appeasing discourse; engage in the Occupied Palestinian Territories in an Open Peaceful Civil Disobedience; enhance the ADS movement and Take Israeli war criminals to The Hague International Criminal Court. The Palestinian Authority needs to immediately cease its treacherous cooperation and close co-ordination with the security apparatuses of the oppressive occupying authorizes in tracking and hunting down Palestinian political and human rights activists. The PA Security Forces and the leadership of the so-called Palestinian Authority playing the Proxy are inadvertently becoming accomplices in the Occupying Israelis’ Crimes Against Humanity.

    It is very high times that the Palestinians get their act together to link-up and give further impetus to the international drive Against Israel’s war crimes, including an end to Israeli Occupation, “Apartheid” and “Ethnic Cleansing.”

    This, Dr. Rima, as Charity Starts at Home.

    Thanks and Best Regards”

  5. مقال رائع لمعالي الدكتورة ريما خلف وعبارات كثيرة لفتت انتباهي اولها امنياتك بل رجاؤك للجميع بسرعة اعادة مادمرة العدوان الهمجي اﻻخير علي غزة ؟؟ من اﻻولي باﻻجابة علي تمنياتك يادكتورة؟؟ اليس من يسمي نفسة رئيس الشعب الفلسطيني هو الذي يتفنن ويتلذض بطريقة سادية برؤية اهل غزة بهذا الوضع الذي ﻻ يمكن ﻻمة علي وجة اﻻرض ان تتحمل ماتحملة ابناء غزة الشرفاء . والسبب في التاخير باعادة اﻻعمار هي اسباب كثيرة لن تنتهي ابدا ﻻن المخطط عند الرئيس محمود عباس وهو الذي يجيب علي هذا التساؤل. حيث ان الشعب الفلسطيني في غزة واجة اشرس عدوان بمفردة . كنا نتمني ان يتضامن معة ابناء شعبنا بالضفة كما فعلت جماهير امريكا الﻻتينية او حتي مسيرة كبريكما حصل في بريطانيا نفسها لكننا نتفهم وضع اهلنا بالضفة للقيود الصارمة التي يفرضها عليهم محمود عباس وقواتة سامحهم اللة . القضية الفلسطينية كانت الشغل الشاغل لكل الدول العربية حكومات وشعوب . اما اﻻن فانك تعرفين جيدا اين وصلت تلك اﻻهتمامات !!!! كوباني داعش النصرة اﻻرهاب واﻻنقسام الداخلي اصبحت في ذيل اهتمام كل العرب بﻻ استثناء والفضل يعود لسلطة اوسلو التي امعنت بتقزيم القضية وجعلت من شعبنا عبارة عن متسولين مساعدات ومنتظرين رواتب آخر كل شهر . واصبحنا بنظر اشقائنا العرب حماة الصهاينة من مستوطنين بالتنسيق اﻻمني الذي اعتبرة مقدس !!!!! كل مانشاهدة من اعتراف السويد بفلسطين والبرلمانات اﻻوروبية من اعتراف ﻻ يسمن وﻻ يغني من جوع فقط لتخدير الشعب لعشرين سنة قادمة من مفاوضات ويتم اثناءها قضم ماتبقي من الضفة والقدس ونحن نامل من المجتمع الدولي ان يعطينا اﻻستقﻻل . اما قولك عن حق العودة فان رئيسنا اعلنها للجميع انة ﻻ يريد العودة لمسقط راسة في صفد !!! اما رهانك علي صبر شعبنا علي كل مايجري لة فاننا بشر كباقي البشر لنا طاقة معينة من الصبر فﻻ داعي ﻻن نراهن علي تعاطف العالم وشفقتهم علينا او الصبر علي مفاوضات عبثية استمرت مايقرب من 21 سنة ولم تسفر اﻻ علي نهب المزيد من اﻻرض وشنت اسرائيل خﻻلها ثﻻث حروب شرسة وحشية علي غزة . وسؤال برئ يادكتورة واللة من وراء القصد ﻻنني امقت كل من يفرق بين مسلم ومسيحي ولي رايي من خﻻل هذة الصحيفة وتاييدي الكامل ﻻخوتنا المسيحيين باخذ كافة حقوقهم كاملة ﻻنهم مواطنون وسكان هذة اﻻرض اﻻصليين فﻻ فرق بين مسلم ومسيحي او سني وشيعي لكن سؤالي هو حين ذكرت شعب فلسطين مسلمين ومسيحيين وبهائيين انا ﻻول مرة اعرف هذة الطائفة فكم تمثل نسبتها من الشعب الفلسطيني ؟؟؟ واللة من وراء القصد ام ان ذكرهم هو تكريما للرئيس ابومازن ؟؟؟ كل التقدير لك يادكتورة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here