نادية عصام حرحش: كتاب “حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس.. التاريخ والمصير ما بين التدمير والتهويد”.. نظمي الجعبة وتأريخ لتاريخ مبتور

 

نادية عصام حرحش

ليس من السهل ان تخطو قدماك الى عتبات القدس القديمة بلا ان يخطر ببالك اسم نظمي الجعبة، إذا كنت من المهتمين بتاريخ القدس.

كتب الكثيرون عن القدس من مختلف نواحيها، بالتاريخ والسياسة والثقافة والعمارة. وهناك من أبدع وهناك من وصف بجدارة وهناك من حلل بحذاقة. ولكن عندما يتعلق بنظمي الجعبة عندما يلامس قلمه موضوع القدس، فهناك أكثر من تاريخ وثقافة وسياسة ودين، ولكن هناك حياة إنسانية تتفوق علىالتاريخ والجغرافيا. تكمن الطفولة التي عاشها ما بين تلك الشوارع لتحط اثارها في كلماته كالدمعة المتدفقة من عين تحاول درء البكاء من شدة الانفعال.

قد يشكل نظمي الجعبة حالة استثنائية عند كتابة تاريخ المدينة، فالعاطفة عنده ليست انفعالية وشغفه ليس مبنيا على التمني. العقلانية في نظرته قد تكون مرتبطة بواقع العيش لابناء القدس. فاليهودي حاضر، ولا يخشى استعراض ما كان له وما يمكن اعتباره حق له ان كان له. يرى اليهودي كجزء من تراث هذه المدينة. ولكن بين اعتراف بالحقوق والوجود، وبين بتر للتاريخ   من قبل الكيان الاسرائيلي من جهة، وبين مسح للوجود العربي في المدينة من أجل توسيع ساحة البراق ومن بعدها إنشاء ما صارت اليه حارة اليهود لتطغى على وجود كامل لحارة كاملة، كانت جزء من مشوار يومي لنظمي الطفل في طريقه الى المدرسة. سحق للواقع وإعادة إنشاء للتاريخ قام به الاحتلال، فاغتصب الذاكرة كما اغتصب الانسان وجعله يصارع من اجل إثبات ما كان، ليس لان الحنين هو الغالب، ولكن، لان ما كان جزء من ذكريات لا تزال حاضرة. لا يمكن بتر ما حفر بالذاكرة من مشاهد وأماكن ووطء أقدام.

ومع هذا اثر نظمي الباحث بالمصارحة والمكاشفة في عرضة للتاريخ، ووضعه امام القارئ.

قد يكون كتاب “حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس – التاريخ والمصير ما بين التدمير والتهويد”، أحد الأعمال التاريخية البحثية المكاشفة في توثيق ما كان الى ما صار من خلال إنسان عاش كل لحظة من حقيقة ما صار اليه الواقع.

حارة المغاربة قد تجسد أحد فصول النكبة الفلسطينية التي لم تنته بحرب الـ 1948، كما لم يكن تدمير حارة المغاربة عّن بكرة ابيها فصلا اخر من فصول متلاحقة من نكبة مستمرة.

ومع هذا هناك اصرار من قبل نظمي الجعبة، كمؤرخ وابن المدينة، بأن ما يهم بالفعل هو الوجود العربي في المدينة الذي يسطر الحقيقة. وقد يكون استخدام فقرة ذكرها نظمي الجعبة في مقدمته موجزا لأهمية الحقيقة في القدس: ” ويمكن النظر الى التغييرات التي طرأت على القدس خلال نصف قرن من الاحتلال الاسرائيلي بمنظارين: الاول هو تهويل ما حققه الاحتلال، وبالتاليالتوصل الى نتيجة مفادها بان القدس ضاعت ولم يبق ما يمكن انقاذه، وأقصى ما يمكن تحقيقه هو الحفاظ على الوجود الفلسطيني في المدينة وحمايتها من التآكل المستمر.

اما الثاني، فهو انه بعد نصف قرن من محاولات الاحتلال تذويب هوية الارض والسكان، لا تزال القدس عربية، ويشهد على ذلك سكان البلدة القديمة ومحيطها، اذ تحتوي على أغلبية سكانية عربية وقادرة على حماية مؤسساتها والحفاظ على مساجدها وكنائسها.”

فالقدس كما يشير نظمي الجعبة وهو عين الحقيقة، يسكن القدس القديمة اليوم ٤٠،٠٠٠ نسمة يشكل العرب بالرغم من محاولات الاستعمار المستميتة اكثرمن ٩٠./. من مجموع السكان.

نحتاج الى المزيد من الأعمال التي تنبش بتاريخ البلدة القديمة كما هو، بلا محاولات لدحض واقع او اثبات اخر، لأن صاحب الحق في النهاية هو الأقوى دائما بحقه.

كاتبة من القدس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here