نظرية احتواء ايرانيين الرئيسين.. ترامب واوباما!

د. صالح ارشيدات

الازمة الحالية في الخليج العربي ليست حدثا عابرا، ولكنها اليوم عملية احتواء اميركية  لإيران تحت تهديد الية الحرب الاقتصادية والعسكرية، ولا يمكن اختزالها بمواجهة طارئة بين الولايات المتحدة وايران، وهي ازمة متجذرة بين معسكرين دوليين واضحين منذ 979  ،بين ايران وحلفائها عالميا، الصين وروسيا، واقليميا سوريا وحزب الله من جهة وبين خصومها التاريخين الولايات المتحدة وحلفائها في النظام العالمي الجديد والاقليم العربي من جهة اخرى.

ايران اليوم وبعد ان نجحت مع روسيا وسوريا وحلفائها تنظيم حزب الله في ايقاف مشروع تقسيم سوريا التاريخي الغامض، ودحر المليشيات الارهابية المسلحة، داعش والنصرة واخرين ، تعتبر نفسها قد ساهمت في كسب معركة عالمية لصالح الشعب والنظام السوري، بالرغم من ان تداعيات مراحل الحرب واسبابها واهدافها الحقيقية، لم تنتهي بعد في الاقليم الذي اصبح ساحة حرب عالمية، تتداخل فيه الصراعات العرقية والدينية المتطرفة، مع صراعات القوى العظمى لرسم النظام العالمي الجديد، الذي بدأ يتكون دون مشاركة عربية مؤثرة،  وهي اليوم بانتظار توافق القوى الكبرى والظروف على الغنائم السياسية والاستراتيجية.

اطلقت ثورة الخميني عام 79  منذ انتصارها مشروعا اقليميا  طموحا يرمي الى تحويل ايران الى دولة كبرى في الاقليم تتحكم في مصير دوله الامنية والاقتصادية، ونسجت خلال 30 سنة تمددها في المنطقة بصبر معتمدة على البيئات المحلية وعبر شبكة محكمة من الخدمات والعمل الدعوي في تنشئة جيل من الموالين لها في العقيدة، وخاضت من خلالهم حروبا بالوكالة، هذا التغلغل العقائدي والديني والاجتماعي في البيئات الاقليمية المختلفة اعتمد على مزيج من الايدلوجيا المذهبية والمال والسلاح، عبر محاولة اخراج الاقليات المذهبية من نسيجها الوطني وادماجها في نظرية الولي الفقيه وعبر المليشيات والجيوش الصغيرة  ، وامثلة ذلك كثيرة فحزب الله في لبنان وسوريا والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، لقد ادى ذلك الى زرع ايران في اربع دول عربية.

منذ تلك الفترة والصراع والحروب يسود الاقليم الشرق متوسطي لردع واحتواء رسالة الثورة الخمينية السياسية والدينية، حول تنفيذ مسؤولياتها وواجباتها المذهبية في العالم، حيث شهد العالم حرب الثمان سنوات عام 980 بين الجار العراقي نظام صدام حسين والدولة الاسلامية الايرانية والذي ذهب ضحيته ملايين البشر.

ايران تقف اليوم بسبب الغاء الاتفاق النووي من قبل الولايات الاميركية امام معضلتين، الاولى تكمن في الاوضاع الداخلية الصعبة بسبب العقوبات الاقتصادية عليها وازدياد السخط الشعبي وتكمن الثانية في استمرار اعلان الحشد والحصار العسكري  الغربي عليها ومطالبتها بالجلوس على طاولة المفاوضات مع الجانب الاميركي لإعادة التوافق على الاتفاق النووي ولبحث تقليص سلوكها في دول الاقليم واضافة شروط اميركية على التسلح الصاروخي.

.

نظرية احتواء ايران!

 اولا: نظرية الرئيس اوباما لاحتواء ايران، تبلورت نظرية الاحتواء بعد احتلال الولايات الاميركية للعراق عام 2003 حيث تم تفكيك مؤسسات النظام والجيش والادارة البعثية في العراق  ، حيث نتج عنه بروز الصراع الشيعي السني ، حيث استفادت منه ايران وقوي موقفها الاقليمي المسيطر في العراق ، والذي انسحب ايضا على الصراع في سوريا بسبب توسع عمل المليشيات الارهابية المسلحة هناك،

اقتنعت ادارة الرئيس اوباما الاميركية بضرورة توقيع الاتفاق النووي الايراني الاممي وبضرورة اختبار نظرية ان تصبح ايران جزء اساسي من النظام العالمي والاقليمي الجديد الذي تقوده الولايات الاميركية، باعتبار ان ايران هي الدولة القادرة على لجم وتحجيم حزب الله وسوريا ، وهما اعداء دولة اسرائيل التاريخين ، كما انها المؤهلة لحل النزاع العربي الاسرائيلي مستقبلا، لأسباب ايرانية اسرائيلية تاريخية .

اعتبر اللوبي الصهيوني وحلفاؤه مشروع اوباما لاحتواء ايران وضمها للنظام العالمي عائقا وسدا مانعا في الوقت الحاضر لتنفيذ المشروع الصهيوني الكبير في الشرق الاوسط واقامة الدولة اليهودية الكبرى، حيث الظروف مهيأة الان لتنفيذه بسبب سقوط النظام العربي ودوله القوية، لذلك تم محاربة الاتفاق النووي واسقاطه من خلال الحشد الاسرائيلي، و الحشد العربي الذي خشي ان تصبح ايران قوة عالمية مهيمنة على الشرق الاوسط، و الحشد الاميركي المتصهين العالمي، والذي ساهم في ترتيب حملة المرشح للانتخابات الاميركية ترامب وحقق نجاح ووصول الرئيس ترامب الى الرئاسة الاميركية، ضمن برنامج محاربة ارث الرئيس السابق اوباما والغاء الاتفاق النووي.

 ثانيا :نظرية  الرئيس ترامب لاحتواء ايران عسكريا جاءت منذ بدء حملته الانتخابية والتي حملت في اطارها العام شعار محاربة انجازات الرئيس اوباما وارثه السياسي داخليا وخارجيا ،والتي هاجمتها اسرائيل وبعض دول العرب وخصوصا في ما يتعلق بالاتفاق النووي الاممي الذي اعتبرته الادارة الاميركية الحالية الجديدة انتصارا لإيران ولسياستها التمددية في اليمن والخليج العربي، ومخل بالشروط الامنية ولا تلجم سياسة ايران بعدم التدخل في شؤون دول الجوار سوريا والعراق واليمن وتهديد دول الخليج كما  لا تمنع ايران من امتلاك القدرات الصاروخية التي تهدد دول الجوار السعودية واوروبا.

نظرية الرئيس ترامب لاحتواء ايران عسكريا واقتصاديا، وخصوصا بعد فشل مشروع تقسيم سوريا و فشل عملية القضاء على حزب الله، تقوم على محورين:

الاول: الغاء الاتفاق النووي الاممي مع ايران، وحصار ايران اقتصاديا وخلق تحالف اممي لحصارها عسكريا وشن حملة سياسية عالمية لعزلها

 الثاني: تعزيز تفوق دولة اسرائيل عسكريا على كل القوى في الشرق الاوسط بما فيها ايران وتركيا واستمرار اعتبارها حليف اميركا الاساسي في الشرق الاوسط،

 ومساعدة دولة اسرائيل على تحقيق مشروعها الصهيوني الكبير وحدوده من “الفرات الى النيل “من خلال القفز على سلم انجازات مشاريع السلام الدولية والغاء ملفات التفاوض النهائي وهي القدس\ المياه\ اللاجئين\ الحدود\المستوطنات\ وقد اعلنت وطرحت الولايات المتحدة ما سمي بصفقة القرن واعترفت بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، والمشروع يسعى لتصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار الاردن ولبنان ومصر.

 الامر الذي يتطلب من وجهة نظر الولايات المتحدة واسرائيل، تحجيم دور ايران في الاقليم اثناء تنفيذ صفقة القرن، من خلال الضغط الاقتصادي القاسي والحصار الدولي عليها والتهديد العسكري بالحرب عليها لعزلها سياسيا.

 والولايات المتحدة تقود اليوم تحالف عسكري بحري مع بريطانيا واسرائيل التي لا تملك اسطولا حربيا منافسا، بهدف اعطاء التحالف البحري شرعية دولية وتعاون اقليمي عربي، دون مشاركة حلفائها دول اوروبا المانيا وفرنسا وايطاليا الامر الذي يلاقي تردد وصعوبة في التطبيق من قبل شركاء اميركا من دول اوروبا والعالم الغربي بحجة ان الاتفاق النووي الذي وقعته اميركا واوروبا  كان مانعا ومقيدا لإيران وهو في صالح السياسة والاستراتيجية الاوربية مما يشير الى تفاقم الخلافات بين دول اوروبا والولايات الاميركية وخروج البعض عن طاعة اميركا وحلف الناتو.

احتواء ايران ليس منفصلا عن الصراع الدولي والحرب الباردة  ونتائج الحرب على سوريا، من حيث ان تواجد القوات الايرانية في سوريا يشكل حتى اليوم غصة تهديد دائم، وهو ما يزعج الولايات الاميركية واسرائيل ويعتبر اخلالا بموازين القوى الاسرائيلية والاميركية.

كما لا يمكن عزل ذلك عما يجري في دولة اسرائيل من اجراءات عنصرية بحق الشعب الفلسطيني المحتل، بعد سن قانون قومية الدولة واعلان القدس عاصمة الدولة اليهودية، والتهديد بتهجير الفلسطينيين الى دول الجوار، واعلان اسرائيل واميركا رسميا عن موت مشاريع السلام العربية الاسرائيلية(حل الدولتين) والاعلان الاميركي عن صفقة القرن وتداعياتها على الفلسطينيين ودول الجوار في المنطقة.

الحل لازمة ايران كما يراها الغرب هو في التفاوض من جديد مع ايران والابقاء على الاتفاق النووي مع تعديل على شروط الاتفاق وتعهد ايران بتغيير سلوكها في الاقليم وخصوصا في اليمن الامر، الذي في المقابل، تشترط ايران رفع العقوبات الاقتصادية عنها اولا للجلوس الى طاولة المفاوضات.

مفاوضات السلام الحالية حول سورية مرتبطة بعملية احتواء ايران ومصير الاتفاق النووي ولا زالت قصة فزاعة تنظيم داعش تظهر من جديد بعد كل انسداد للمفاوضات السياسية، و هدفها حث الولايات الاميركية الى البقاء في المنطقة والمشاركة بالفصل الاخير في اعادة ترتيب حدود الدول العربية الشمالية  , ودعم مطالبات تركيا باحتلال الشريط الحدودي داخل اراضي سوريا ، بعد ان انسحبت منها شكليا،  وعارضت المطالبات التركية الغامضة سابقا.

 ولا يمكن لاحد ان يتنبأ موعدا لنهاية الحرب والمأساة في سوريا، طالما انها تجري على ارض العرب وخارج حدود دول الاطراف المتصارعة،

 الامل  بالوصول الى حل قريب للازمة ( بعيدا عن استمرار فرضية الحرب)، مرتبط بتصاعد الدور الاوربي الجديد والمطالب شريكه الولايات الاميركية بالعودة للاتفاق النووي، وهو دور لم تشهده العلاقات الاوربية الاميركية من قبل، و يرتبط نجاحه بحدوث تغيرات سياسية على الساحات الاميركية والاسرائيلية، والتركية، وهي ستكون  بداية التوافق بين الدول الكبرى ودول الاقليم على حل الموضوع السوري.

عمان- الاردن

Srusheidatgmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. د. صالح ….رجاء توضيح معالم وآليات واستراتيجيات المشروع الإقليمي الطموح كما جاء في الفقرة الثالثة من مقالك وعسى لو تكرمت بسرد اين نجحت هذه الفكرة ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here