نضال أبو عيشة: صفقة القرن إعادة إحياء للقضية الفلسطينية

نضال أبو عيشة

قد يكون العنوان صادماً للبعض كوْن صفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي في 28/1/2020م قد أفرغت القضية الفلسطينية من محتواها، ووهبت الكيان الإسرائيلي مطلق الحقوق في بسط السيادة على ما تبقى من فلسطين ووأدت خيار الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود 4 حزيران لعام 1967م، والقدس الشرقية عاصمتها. إلا أن قراءة للصفقة من منظور آخر، تستوجب الوقوف ملياً، فقد تكون هدية غير مقصودة من الرئيس الأمريكي للفلسطينيين.

جاء إعلان الصفقة تتويجاً للهبات التي منحها الرئيس الأمريكي لرئيس الحكومة الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، باعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وتبني الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين الفلسطينيين، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في محاولة لإنهاء دورها التي أنشئت من أجله، وغض الطرف عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتي تشكل محور قضايا الحل النهائي حسب اتفاق اوسلو، وتأييد قانون “يهودية دولة اسرائيل” والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري.

من جانب آخر مهدت الظروف والتفاعلات على المستوى الفلسطيني والمنطقة العربية التي أضحت بيئة رخوة تعاني من التفكك والتشرذم، والانقسام الفلسطيني، واضمحلال آمال ما أطلق عليه “الربيع العربي” بالتغيير والانتقال إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وانتكاسته، وأدى لحروب أهلية واضحة المعالم في بعض دول “الربيع العربي”، والصراعات البينية العربية، وانفتاح بعض أنظمة العالم العربي على إسرائيل تمهيداً للتطبيع الرسمي، والتنافس الإقليمي بين القوى الصاعدة إيران وتركيا، وسياسة المحاور والتحالفات وغيرها من الظروف التي أسهمت في تراجع ملف القضية الفلسطينية على الساحة الإقليمية والدولية لصالح ملفات ساخنة كسوريا، وليبيا، واليمن، والملف الايراني، والتي شكّلت تراجعاً في الاهتمام الدولي والإقليمي في ملف القضية الفلسطينية كونها ملف غير ساخن.

شكلت صفقة القرن تجاوزاً لكافة الحقوق الفلسطينية التي ضمنتها الشرعية الدولية، وضرباً بعرض الحائط القرارات الأممية، وكشف الإعلان عنها انسجام الإدارة الأمريكية مع الرؤية الإسرائيلية، ليظهر جلياً الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وليضع حداً لكوْن الإدارة الأمريكية وسيطاً نزيهاً في عملية السلام الموؤدة بأيد إسرائيلية، وظهرت الصفقة تجسيداً للواقع المكرّس على الأرض منذ سنوات دون حسيب أو رقيب.

أدت العوامل والظروف المذكورة آنفاً لتراجع الاهتمام الدولي والإقليمي بملف القضية الفلسطينية لحساب الملفات الساخنة في الإقليم، إلا أن السلوك السياسي للفلسطينيين الذي لا يمكن توقعه، أسهم في إعادة تسليط الضوء على القضية الفلسطينية مرحلياً، بهبات شعبية محدودة متتالية كرد فعل على الإجراءات القمعية الإسرائيلية بالقدس والمسجد الأقصى، وبحق الأسرى وغيرها، والسلوك الدبلوماسي على الصعيد الدولي تارة أخرى.

وتأتي لحظة جلاء الحقيقة بعد اتضاح ملامح الصفقة، حيث جاء الرد الرسمي والشعبي فلسطينياً بإعلان الرفض وعدم الاذعان للغطرسة الأمريكية-الإسرائيلية، تبعه رسمياً تبني جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي موقفاً عربياً اسلامياً داعماً للموقف الفلسطيني، على الرغم من بعض المواقف العربية الرسمية الشاذة، وإعلان الاتحاد الأوروبي أن الصفقة لا تتماشى مع المعايير المتفق عليها دولياً، وسيتم عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي بتاريخ 11/2/2020م يلقي خلالها الرئيس الفلسطيني كلمة للحديث عن صفقة القرن. وشعبياً شهدت محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة وبلدات الداخل الفلسطيني عام1948م، مظاهرات شعبية واحتجاجات على الصفقة، ونظمت مسيرات رافضة للصفقة في بعض العواصم والمدن العربية والإسلامية، وشهدت بعض المدن الأوروبية والأمريكية مسيرات ووقفات احتجاجية نظمتها الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية شارك فيها نشطاء داعمون للحقوق الفلسطينية تنديداً بالصفقة، إلى جانب موجة غضب الرأي العام العربي والعالمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي رفضاً للصفقة.

هذه الحالة من المواقف الداعمة للفلسطينيين رسمياً وشعبياً، إقليمياً ودولياً، جاءت نتاج الموقف الفلسطيني، لتشكل رافعة للقضية الفلسطينية، وبروز ملف فلسطين مرة أخرى بعد سبات عميق، وزيادة الاهتمام به. وتفيد التجارب السابقة أن حالة التآزر مع القضية الفلسطينية مرهونة بالحالة الفلسطينية ذاتها، وبمدى قدرة الشعب الفلسطيني وقيادته على الانسجام وخلق حالة غير موسمية تتجاوز شعارات الرفض والاستهجان وتتخطى إطار الدعوات والنداءات، فالمشروع الفلسطيني برمته أضحى على المحك، والعالم لن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين ذاتهم. والسؤال كيف يمكن فلسطينياً توظيف حالة الرفض الرسمي والشعبي للصفقة لخدمة المشروع الوطني؟ وما هو المطلوب لاستمرار وتعاظم المواقف الداعمة عربياً ودولياً وتدفقها بعد وضوح الصفقة؟

إن الآمال معقودة على النخب الفلسطينية بكافة أطيافها لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، من خلال تجاوز حالة ردة الفعل إلى خلق الفعل السياسي، وحالة السكون إلى ديناميكية العمل، وليس المطلوب فلسطينياً القفز في الهواء، إنما بناء استراتيجية وطنية جامعة قادرة على حمل المشروع الوطني في ظل هذه المرحلة الفاصلة بتاريخ الشعب الفلسطيني التي تشكل تحدياً وتهديداً للقضية الفلسطينية، ويمكن أن يتأتى ذلك من خلال إجراءات عملية آنية قابلة للتنفيذ ورؤية استراتيجية مستقبلية:

·  المصالحة الفلسطينية البينية، وإنهاء حالة الانقسام والتشرذم، كوْن الوحدة الوطنية المخرج وصمام الأمان والرافعة لأي فعل فلسطيني لاحق.

· تبني استراتيجية وطنية للمقاومة الشعبية وفق برنامج وطني يحافظ على ديمومتها وتراكمها، والابتعاد عن الموسمية في تنفيذها.

· توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، لإعادة الثقة بين الجماهير وقيادتها، ومشاركتها في التخطيط والتنفيذ، ولإتاحة المجال للقيادة لكي تستقوي بجماهيرها وشعبها في التصدي لضغوط الخارج ومعادلات الهيمنة.

· توظيف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لحشد التأييد الإقليمي والدولي للمشروع الوطني.

· حملة دولية تقودها السفارات والممثليات الفلسطينية بالخارج بالتعاون مع الجاليات الفلسطينية، بمشاركة الداعمون للحقوق الفلسطينية للتأثير على الرأي العام الدولي، ليشكل ضاغطاً على الحكومات، بالتوازي مع المقاومة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

· في ظل التحديات التي تواجهها السلطة والمتمثل في تحدي وجودها ومستقبلها، يقتضي العمل بإجراء اصلاحات على هيكلية ووظيفة السلطة الفلسطينية، والتخلص من الاتفاقيات مع الاحتلال بما فيها الالتزامات الأمنية تنفيذاً لقرارات المجلسين الوطني والمركزي.

·  اصلاح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمرجعية السياسية العليا له، وضم كافة أطياف اللون السياسي الفلسطيني، وتصحيح مسار العلاقة ما بين المنظمة وأي كيان ناشئ في الأراضي الفلسطينية كونه تابعا للمنظمة وليس العكس، والتوازن ما بين الداخل والخارج الفلسطيني دون طغيان أحدهما على الآخر، من خلال إجراء انتخابات حرة ونزيهة في الداخل وانتخابات مماثلة حيثما أمكن في الخارج كمقدمة أساسية نحو إعادة بناء وتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، تكون مسؤوليتها الأولى بناء استراتيجية وطنية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الداخلية الفلسطينية والخارجية، وتحدد الأدوات والوسائل النضالية. وسيفضي إعادة بناء المنظمة إلى توحيد الخطاب والبرنامج الفلسطيني والقضاء على الازدواجية.

إن عدم المضي في تغيير الواقع الفلسطيني والاستفادة من هذه الهِبة الممثلة بالصفقة بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وإصلاح بنية السلطة الوطنية ووظيفتها، وإعادة احياء منظمة التحرير وتفعيل دورها، يعني الإبقاء على الوضع الحالي للسلطة الفلسطينية وتقوقعها في كانتونات معزولة لا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة الدولة والحرية وتقرير المصير.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال رائع
    أخرجت من ظلمات الصفقة وظلمها نور بروز القضية الفلسطينية من جديد.
    موفق وإلى الأمام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here