نزار حسين راشد: هشيمٌ تذروه الرّياح “حكاية”

نزار حسين راشد

عقب تخرُّجي من الجامعة مُباشرةً، رشّحتني الجامعة الأردنية لوظيفة مدير مكتب عميد كلّية آداب اللغة العربيّة، برغم التخصُّص الملتبس الّذي أحمله ، حيثُ أنّ ليسانس الآداب الّذي حصلتُ عليه من الجامعات الهندية يتضمّن تخصّصين رئيسيين، الأدب الإنجليزي إضافة لتخصُّص آخر ومادّة اختياريّة ، وكنت قد أكملتُ الماجستير في تخصص الإقتصاد!

أمّا السر وراء هذا الإختيار من دون المرشّحين الآخرين، فقد كان إرفاقي قصائد شعريّة نشرتها في جريدة الدستور الأردنيّة، لا قت هوىً لدى العميد، الّذي كان هو نفسه شاعراً واسماً محتفى به في الدوائر الأدبيّة ، إضافة إلى انتمائه لعائلة مرموقة قدّمت نجوماً شعّت سامقةً في سماء الشّعر!وكان من حسن التوافق أنني أحفظ قصيدة له كُنتُ قد أعجبت بها بالفعل ، وكان من عادتي أن أحفظ كًلّ ما أُفتتن به من الشّعر، حتّى أنني حفظت داووين “درويش” الأولى عن ظهر قلب!

وكنتُ أتهيّأ لاستلام مهام عملي في اللحظة الّتي ظهر فيها خرّيجٌ زميلٌ لي، كنّا نلقِبُّه بعلي المُوَسوِس، لأنّه إن وسوس لك بشيء، تُصبِحُ غوايتُك حتميّة وتنساق وراءه مسلوب الإرادة، دون أيّ محاولة للرّفض!

قال علي:

-إسمع لقد حصلت على عرضٍ لرحلة سياحيّة خرافيّة، عرضٌ يأتي مرّةً واحدة على رأس كل قرن!ولن يكون رفيقي في الرّحلة إلا أنت!

وحين حكيت لهُ حكاية الوظيفة، وأنها فرصة نادرة رّبما لن أحظى بها مرّةً اخرى، ضحك عميقاً وضرب كفّاً بكف، وعلّق ساخراً:

-مدير مكتب؟! هل هذا سقف طموحك؟ والله لو كان منصب أستاذ كرسي، ما تهافتّ عليه هكذا!وبعدين مين العميد؟! يا رجُل هذا من عائلة أرستقراطيّة ولن ينظر لك بأكثر من خادمٍ عنده! وإذا كلّمك من رأس مناخره فستستقيل فوراً، فأنا أعرف نزقك واعتدادك بنفسك! خذها من قصيرها واستقيل قبل التعيين وتعال معي، ورفع كفّه بإشارةِ طائرة محلّقة وأمسك بكفّي، وجذبني واقفاً، وانطلقت برفقته إلى مكتب الحجز قبل أن أنبس بكلمة!

بعد أيّامٍ قليلة، كُنّا على أقدام هضبة التّبت، على رأس أوّل قمّةٍ، في الجزء الهندي من الهضبة، كانت طبيعةً فاتنة، حتّى من شرفة الفندق ذو الواجهة الزّجاجيّة العريضة، ولكنّ عليّاً صاحب المزاج المتقلّب والمفاجآت غير المتوقّعة، طلع عليّ بمشروعٍ جديد،  قال:

-إسمع سننتهز الفرصة ونذهب للقاء أصدقاءنا في “تشاندغار”، سوف يطيرون بنا فرحاً، إنّها فرصة ربّما لن تتاح لنا مرّةً أخرى، ورُبّما نموت قبل أن نزور الهند مرّةً أخرى!ووجدتني مسّلماً  برغبته هذه دون نقاش، فليس هناك فائدة من الخوض معه في جدال إذا ما نبتت في رأسه فكرةٌ ما!

رحّب الاصدقاء بنا وهللوا وتهللوا للقائنا ، وعندما سألونا أين نقيم وأخبرناهم ببرنامج الرّحلة، قال صديق:

-“منالي ” تستطيعون اكتشافها خلال يومين على الأكثر!ثًم لماذا تتقيدون ببرنامج الرّحلة؟أنا سأُقدّم لكم عرضاً أفضل، هناك مستثمر صديق لي افتتح منتجعاً على نهر اليامونا ، قريبٌ جدّاً من حيث تقيمون، الإقامة هناك ملوكيّة وهو تواقٌ جدّاً لاستقبال زائرين أجانب، وسأوعز إليه أن يمنحكم خصماً كبيراً، وكونه في فترة الإفتتاح فهو حريصٌ على جذب الدّعاية اكثر منه على جذب النقود !ما رأيكم؟!

كان المكان خياليّاً ، والكوخ على ضفّة النّهر مباشرةً، وقد هُيّء فيه مكانٌ للسّباحة ، أشبه ببركة على الحافة،  معزولة عن تيارات النّهر ويمكن السّباحة بها بأمان، الطعام نباتي،  ولكنّه معدّ بطريقة متقنة وشهيّة، والمضيفات التبتيات، بأثوابهن التقليدية الزاهيّة، وخدودهنّ المورّدة، ينحنين لنا حين يدخلن لتقديم الطعام، ومرّةً اخرى حين يخرجن!وعلّق علي ضاحكاً:

-لو كان والدي معنا لظنّ أنّه في الجنّة ، وأنّ هؤلاء هُنّ الحوريّات، ما عليك إلا أن تسحبه وهو نائم وتجعله يستيقظ هنا فجأة!أليس ذلك ما فعله شيخ قلعة ألموت، وحاول عبثاً أن يتذكّر اسمه، حتى قدّمت له النجدة:

-حسن الصبّاح!

وفرقع بأصابعه:نعم حسن الصّبّاح، ولكنه كان يقدّم لهم الحشيش أيضاً وهذا سر التسمية، الحشّاشون “Assasins” لقد كانوا بارعين في الاغتيالات بالخناجر المسمومة!

على متن رحلة العودة، أمضينا وقتنا صامتين ومغمضي العيون، وكأننا أقفلناها على صورة الفردوس التي لا نريد لها أن تتبخّر!

خطر لي بعد فترة لا أدري إن طالت أو قصرت أن أسأل عن مصير الوظيفة، والدكتور الشّاعر، الّذي أخلفت موعده، وأوجسني أنّ أحداً لم يُحدث له ذكرا، لا في نشرة ولا في مجلّة ادبيّة، وزالت دهشتي حين عرفت أنه قد استقال من منصبه وغادر إلى بيروت ، وأن مدير مكتبه استقال بدوره أيضاً، على إثر خلافٍ مع العميد الجديد!

وحين رويت القصة لعلي، علّق مبتهجاً :ألم أقل لك؟لقد كسبناها!رحلة العمر!إتبع عليّاً دائماً يدلّك على الخير!وقفلها بضحكة !وتركني ساهماً أفكر بمصائر هذه الدنيا وما على وجهها من بشر!عصفُ المصائر لا يترُكُ أحداً في مكانه!وكأننا هشيمٌ تحمله الرّيح!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here