نزار حسين راشد: نازك الملائكة.. هل تأثرت بالشعر الغربي؟

نزار حسين راشد

على كثرة ما قرأت مما كتب عن شعر نازك الملائكة، لم أجد من يشير إلى تأثرها بالشعر الغربي، ولا إلى علاقة هذا التأثر بتجديديتها، أو توظيفها للتفعيلة، بدل بحور العروض التقليدية!

ولكن حتى تتتبع أثراً كهذا وتلامسه في شعر نازك، لا بد أن تكون مطلعاً على الشعر الغربي، ومكوناً لنظرة نقدية تجاه هذا الشعر، مما يحدو بي للقول أن الذين كتبوا عن نازك، افتقدوا تلك الميزة التي تؤهلهم لخوض غمارٍ مغامرٍ كهذا!

نازك خريجة أدب مقارن بدرجة الماجستير من جامعة ويسكينسون ماديسون في أمريكا، علاوة على إتقانها للغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية، فهل يعقل أن يفتح لها هذا الباب السحري، ولا تدلف منه إلى ما وراءه لتتجول في غابة الدهشة هذي، وأن لا تتأثر حاستها الشعرية المرهفة، بألوانه وظلاله وإبها راته!

عبر ما قر أت لها، نازك نفسها لم تطرق الموضوع من قريب أو بعيد، ولم تشر إلى تأثرها بالشعر الغربي!

حتى في كتابها قضايا الشعر المعاصر، قصرت أثر الشعر الغربي على الشعر العربي الحر، بأثر القصيدة الغربية المترجمة، بنصّ نثري، وهذا مستغرب في ظل ما شاع عن تأثر محمد الماغوط بالشعر الفرنسي، وهو الشاعر الذي استشهدت بديوانه، أحزان في ضوء القمر، في معرض بحثها للقصيدة النثرية!

الشفق الكئيب الذي غطى آفاق أوروبا عبر حربين عالميتين، ألقى بظلاله الثقيلة على شعر شعرائها، ولعل ماستها السوداء: الأرض الخراب لتوماس إليوت!

لنستعرض بعضا مما كتبتهٌ نازك لنحكم على مدى تأثرها: في مرثية يوم تافه تقول:

خلف ذاتي

كان يومًا تافهًا.. حتى المساءِ

مرت الساعاتُ في شِبْهِ بكاءِ

كلُّها حتى المساءِ

عندما أيقظَ سمعي صوتُهُ

صوتُهُ الحُلْوُ الذي ضيّعتُه

عندما أحدقتِ الظلمةُ بالأفْقِ الرهيبِ

وامّحتْ حتى بقايا ألمي،  حتى ذنوبي

وامّحى صوتُ حبيبي

حملت أصداءه كفُّ الغروبِ

لمكانٍ غابَ عن أعينِ قلبي

غابَ لم تبقَ سوى الذكرى وحبّي

وصدى يومٍ غريبِ

كشحوبي

عبثًا أضرَعُ أن يُرجِعَ لي صوتَ حبيبي

إنه الشعور بالفقدان،ولكن بإيقاع وأدوات ذاتية،متصلة الجذور،بدوحة الشعر العربي الوارفه،بعيدا جدا عن التوظيف الجمالي الغربي سواء للكلمة او الصورة!

وفي قصيدتها الكوليرا:

سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ،  تحتَ الصمتِ،  على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو،  تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ،  يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ

في كل فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ

طَلَع الفجرُ

لا أثر لتوماس إليوت في افتتاحية الأرض الخراب: دفن الموتى!

وفي الحب:

لنفترق الآن ،  أسمع صوتا وراء النخيل

رهيبا أجشّ الرنين يذكّرني بالرحيل

وأشعر كفّيك ترتعشان كأنّك تخفي

شعورك مثلي وتحبس صرخة حزن وخوف .

لم الإرتجاف ؟

وفيم نخاف ؟

ألسنا سندرك عمّا قليل

بأن الغرام غمامة صيف

***

لنفترق الآن ،  كالغرباء ،  وننسى الشّعور

وفي الغد يشرق دهر جديد وتمضي عصور

وفيم التذكّر

توجس .خوف،وحكم بالفراق

نموذج مثالي لتعاطي الشعر العربي مع الموضوع!

نازك التي لم تعتبر شعر التفعيلة،إلا تفصيلا من تفاصيل العروض الخليلي،ومشتقة من مشتقاته،ليس بدعا أن تكون مخلصة كل هذا الإخلاص،لأساليبه الإبداعية،حتى وهي تغامر بالتجديد!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here